زلفي تستعيد ذاتها .. قراءة في رواية ستائر الأنوثة

أحمد رجب شلتوت

   تبدأ الشاعرة والكاتبة المغربية حفيظة حسين روايتها «ستائر الأنوثة» بسر يكشفه الأب المحتضر سالم السليلي لابنته زلفى؛ فقد تعرضت العائلة للغزو، وسُلب إرثها، وقُتل الجد بعد الاستيلاء على كتابه الذي يوثق تاريخ الأسرة. وقبل رحيله يوصي ابنته باستعادة الكتاب، مؤكداً أن مفاتيح الرحلة كلها مدونة في لفائف حفظها خادم العائلة الأمين.

      هذه الوصية تغير مسار حياتها، تنطلق رحلة تبدو في ظاهرها بحثًا عن كتاب مفقود، لكنها تتحول تدريجيًا إلى رحلة لاكتشاف الذات والوعي والحرية، وحين تعود الكتاب المستعاد، تنتهي الرواية بتساؤلاتها عن المستقبل: “هل سيعرفون أنني تلك التي تأتي في البدايات والنهايات؟ وسط سرب التسامح أسحق أساي المفرط وأطفو فأكون تلك التي تأتي من الشمس”.

   هكذا تبدو الرواية ظاهريا وكأنها تستعيد تقاليد رواية المغامرة، غير أن التقدم في قراءتها يكشف أن جوهرها الحقيقي لا يكمن في الأحداث الخارجية بقدر ما يكمن في التحولات الداخلية التي تحدث لزلفى. فرحلة استعادة الكتاب المفقود، تصبح في الحقيقة رحلة اكتشاف الذات وإعادة تعريف معنى الأنوثة والحرية والانتماء.

   أي أن الكتاب المفقود كان مجرد ذريعة سردية مهدت الطريق أمام مشروع الرواية الأساسي، وهو تتبع مراحل تشكل الوعي الأنثوي عبر سلسلة من التجارب القاسية التي تدفع البطلة إلى تجاوز حدود ذاتها الأولى، لتصبح شخصية قادرة على الفعل والتأثير وصنع مصيرها بنفسها.

فالرواية تجعل زلفى وعبر رحلة تنفيذ الوصية، تجعلها تنخرط تدريجياً في عملية اكتشاف طويلة للذات. فكل خطوة تخطوها في طريق البحث عن الكتاب تقودها في الوقت نفسه إلى معرفة جديدة بنفسها وبالعالم المحيط بها، فالانتقال من مكان إلى آخر في الرحلة يكون بمثابة حركة في أعماق الشخصية ذاتها.

   إن زلفى تغادر عالمها الأول وهي تحمل تصوراً محدداً عن الحياة والناس، لكنها تعود وقد تغير كل شيء، فقد تعرفت إلى وجوه متعددة للإنسان، الوفاء والخيانة، الحب والطمع، الشجاعة والخوف، التضحية والأنانية. وكل تجربة تسهم في إعادة تشكيل وعيها. ولهذا تبدو في نهاية الرواية أكثر نضجاً ووعيا مما كانت عليه في بدايتها.

    ويكتسب الكتاب المفقود في هذا السياق دلالة رمزية تتجاوز قيمته المادية. فهو ليس مجرد إرث عائلي مسلوب، بل يمثل الذاكرة والهوية، ولهذا لا يصبح استرداد الكتاب انتصاراً نهائياً إلا لأنه يوازي استرداد البطلة لوعيها بنفسها. فالكتاب يعود إلى أصحابه، لكن الأهم أن زلفى تعود إلى نفسها، وهكذا تطرح الرواية رؤية خاصة للأنوثة. فالكاتبة تضع زلفى في مركز الفعل،  هي التي تحمل الرسالة، وهي التي تواجه المخاطر، وهي التي تتخذ القرارات، وهي التي تواصل السير حين يتراجع الآخرون.

    ويكتسب عنوان الرواية دلالته في ضوء هذا التصور. فـستائر الأنوثة في الرواية هي التصورات التقليدية التي تحجب جوهر المرأة الحقيقي. ومع تقدم الأحداث تبدأ هذه الستائر بالتساقط تدريجيا، لتكشف عن وجه آخر للأنوثة، أنوثة المعرفة والمسؤولية والقدرة على المبادرة.

   وفي مقابل صورة زلفى، تقدم الرواية نماذج مختلفة من الشخصيات النسائية، بعضها يستسلم للخوف أو المصالح الضيقة، وبعضها الآخر يكتشف تدريجياً قدرته على المقاومة. ومن خلال هذه الشخصيات يتسع أفق الرواية من قصة فردية إلى تأمل أوسع في أوضاع النساء وعلاقتهن بالحرية والوعي.

   أيضا تحتل فكرة الخيانة موقعاً مركزياً في النص. تظهر كقوة مدمرة تهدد العلاقات الإنسانية والمجتمعات معاً. هناك خيانة العهد، وخيانة الحب، وخيانة الذاكرة، وخيانة القيم. وفي المقابل تقف زلفى بوصفها شخصية وفية، ليس لأشخاص بعينهم فقط، بل لفكرة العدالة نفسها.

   ومن الناحية الفنية، تعتمد الرواية لغة ذات طابع شعري واضح. فالكاتبة تميل إلى بناء المشاهد عبر الصور والاستعارات أكثر من اعتمادها على الوصف الواقعي المباشر، وتتحول الطبيعة في كثير من المواضع إلى مرآة للمشاعر الداخلية. لكن الكاتبة تسرف أحيانا في هذا مما يجعل بعض المقاطع تميل إلى الإبطاء السردي نتيجة كثافة الصور البلاغية،  أيضا أدت هيمنة الخطاب التأملي إلى ابطاء الحركة السردية في أكثر من موضع، وربما كان حرص الكاتبة على تقديم زلفى بوصفها نموذجًا للوعي والمقاومة سببًا في تقليل مساحة التناقضات الإنسانية داخل الشخصية، الأمر الذي جعلها تميل أحيانًا إلى البعد الرمزي أكثر من قربها من الشخصية الواقعية المركبة.

   أما النهاية فتعد من أهم مفاتيح قراءة الرواية، فزلفى تعود إلى أرضها حاملة الكتاب المستعاد، لكنها ليست الفتاة التي غادرت المكان في البداية. لقد أصبحت أكثر وعياً بذاتها وبالعالم، وأكثر قدرة على فهم موقعها في الحياة. ولذلك تأتي عبارتها الأخيرة: “هل سيعرفون أنني تلك التي تأتي في البدايات والنهايات؟” بمثابة تتويج لمسار طويل من التحول الداخلي.

   فالانتصار الأكبر ليس استرجاع الممتلكات الضائعة، وإنما اكتشاف القوة الكامنة داخل النفس. ومن هنا تصبح “ستائر الأنوثة” رواية عن المعرفة بقدر ما هي رواية عن الذاكرة، وعن الحرية بقدر ما هي رواية عن الماضي، وهي في جوهرها حكاية امرأة لم تستعد كتاب عائلتها فحسب، بل رفعت الستائر التي كانت تحجب ذاتها، لتكتشف أنها ليست شاهدة على التاريخ، بل إحدى صانعاته.

كاتب وروائي مصري. من أعماله: العائد إلى فرحانة 1996، «السعار والشذى» 1998، «دم العصفور» 2002، «ساعة قبل النوم» 2009، «رشفات…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع