د. حمزة قناوي
عندَ تأمُّلِ الرؤية التقليدية للقصة بوصفها مجموعةً من الأحداث يرويها الكاتب، تتعلق بشخصيات إنسانية على غرار ما يحدث في حياة البشر ([1])؛ فإننا نجد فن القصة في وقتنا الراهن قد تطور عن ذلك كثيراً، وفي الوقت الذي نطرح فيه التساؤل حول التنازع ما بين الفنون السردية وبعضها بعضاً، بينَ فن القصة، والقصة القصيرة، والرواية، أيها يحتل مساحةً أكبر كماً وكيفاً، وعلى ما يبدو ظاهرياً – وهو ما يحتاج إلى دراسات إحصائية أكثر تعمقاً – فإن الغلبة في وقتنا الراهن لفن الرواية، ربما لما تتيحه من مساحة أكبر للتعبير عن وجهات النظر والرؤى النقدية والفلسفية، ومناقشة القضايا العميقة، في الوقت الذي يفترض فيه أن أهم سمات القصة هي التكثيف والحدث الواحد ([2])، والغرض الواحد مقارنةً بالفنون السردية ذات المساحة النوعية كالمسرح والرواية، كما أنها تميل إلى فلسفة ترك الأثر القوي في نفس المتلقي ([3]) وفق المفارقة التي عادةً ما تختتمُ بها القصّة، فإننا نجد سعد القرش في مجموعته القصصية «بادشاه» يقدم حالة متفردة في قدرته على تحويل القصة القصيرة إلى أداة للمناقشة الفلسفية، وطرح القضايا الفكرية الكبرى، التي ربما – وفق الرؤية التقليدية – تحتاج لمساحاتٍ هائلة لمناقشة قضاياها، حيث يقوم عبر مجموعته القصصية المكونة من عشرة قصص بمناقشة قضايا الوجود والحياة والعيش والطبقات الاجتماعية وغيرها من القضايا.
نبدأ مع العتبة النصية الأولى للمجموعة، والتي جاءت متقنة باحترافية تؤدي دورها التواصلي على مستويات عدة، بدءاً من تحقيق عامل الغرابة وكسر المألوف وكسر المتوقع وجذب القارئ([4])، مروراً بارتباطها بخدمة المحتوى الفلسفي للقصة التي تحمل هذا العنوان، فالمجموعة القصصية تستمد عنونتها من القصة الأولى التي تعد أكبر القصص حجماً، والمؤلف لم يدَّخِر جهداً في الكشف عن مصدر عنونته، فبدأ بها، وفي سياقها تلك الكلمة الفارسية، التي تعني لقب السلطان، وهي كلمة لم تعد معتادة الآن في الثقافة العربية، ومن هنا فإن استعارة المؤلف لها استعارة مبنية على دقة اختيار، ومع ذلك فإنها في سياق التسمية لشخصية (مختار بادشاه) في القصة لا تحمل تلك المعاني الهندية والبوذية مِن مَعانٍ تصلُ إلى الملك أو الحاكم أو الامبراطور إلى مرحلة المعلم الروحي أو المعبود، فهي بقدر ما في أصولها الفارسية والهندية تحمل صفة المقدس، وهو المقصود هنا في جوهر القصة، فإذا ما فحصنا القصة عبر المعنى الكلي المستفاد لدى المتلقي منها، بعيداً عن تفصيلاتها الجزئية ما بين (سنية) و(مبروك) وإنقاذ (مختار الصياد) لهما، ثم تصاعد الحكي حتى يصل إلى مستوى متناصٍ مع الهالات المقدسة التي يمنحها بعض البشر لمن حولهما، وكيف يتحول فعل إنساني بسيط مثل إنقاذ البعض من غرق في النهر، إلى مرحلة تتناص مع أفعال الدراويش في الموالد، لنرى أن القصة في مجملها دعوة لمناقشة أفكار المقدس والأساطير، والتسليم بالقديم، حتى أنها في مجملها تستعير أفكاراً تتناص مع الطوفان، والتقديس والتعظيم، وكيف تتحول مجرد أفعال اعتيادية مع الوقت إلى أفعال لها طقوسية خاصة، من الناس من يستفيد منها أيضاً لتحقيق مكاسب وعوائد، ومن الناس من يقوم بها وهو مقتنعٌ معتقدٌ مؤمنٌ بها، ومن الناس من يسير مثلما سار الآخرون، وقلة أولئك الذين يبحثونَ وراء الحدث نفسه، ووراء الأفعال التي تكتسب مع الوقت قوة البقاء دون القدرة على المناقشة أو الفحص والتحليل.
الأمر هنا إذاً ليس مجرد حكاية، فالحكاية لا يبدو بها أية أمور غريبة خارجة عن المألوف، بالعكس، الثيمة المصرية والهوية المصرية واضحة تماماً في هذه الحكاية، نعاين هنا أشخاصاً عاديين ممن نلتقيهم في الحياة اليومية، الوقائع العجائبية والغريبة لا تعدو فعلاً أو اثنينِ في ثنايا القصة، أما باقي تفاصيلها فهي من الوقائع اليومية المعتادة في الحياة المصرية، وملمح المصرية هنا واضح جداً في مختلف قصص وحكايات (سعد القرش)، وسوف أعود لذلك بشكل أكثر تفصيلاً عند مناقشة قصة «ذاكرة المرايا»، بيد أنني أشير هنا إلى الخاتمة التي تأتي مفتوحةً، تُشيرُ إلى انزياح ما هو أصلاني لصالح ما هو غريب ووافد، فينتهي الأمر بالأغراب يبيعون أصحاب البلد المقارع التي يقرعون بها.
في قصة «البحث عن الشيطان»، وبأسلوب درامي متراكب، يَتناولُ معضلةَ العلاقة العكسية بين الفضيلة وتوظيف الفضيلة، بمعنى استغلالها لكي تكون أداةً للدعايةِ والتكسب من خلالها، ترى ذلك الذي يتكسب من الدعوة إلى الفضيلة.. هل مصلحته في استمرار وانتشار الفضيلة؟ أم في الرذيلة؟ يبدو الأمر كالسؤال عن الطبيب، ترى لو أصبح جميع الناس أصحاء ومعافين، هل يكون ذلك في مصلحة الطبيب؟ هل يحلم الأطباء حقاً بكامل وموفور الصحة للجميع، على نحو قد يهدد إمكانية تكسبهم وربحهم من معالجة المرض؟ هل يعني ارتباط ربحهم بالمرض؟ سؤال فلسفي قد يبدو للوهلة الأولى بسيطاً، أو ربما ليس من الصواب طرحه، لكن عند التأمل فيه أكثر سوف نجد الأمر يحتاج إلى تفكيرٍ عَميق، دعونا نُعِد طرح الأمر عن خطيب الجمعة، ترى لو أصبح جميع الناس على معرفةٍ كاملة بدينهم على النحو الذي يغنيهم عن سؤال غيرهم في مسائلهم الفقهية، أو يغنيهم عن احتياجهم لمن يعظهم، لو أصبح الجميع صالحين، هل يعد ذلك في مصلحة الدعاة؟ أم أنه ينطبق عليهم المثل السابق ذاته أنه ليس من مصلحة الأطباء تعافي جميع الناس؟ في هذه القصة يحكي عن رجل فقير، حصَّلَ بالكاد قدراً من العلم، أسماه (رمضان)، شاهدَ بعينه تعرُّض زوجته للإهانة والتعدي من الباقيات، ولم يملك أن يتدخل، وصل به الحال من البؤس والفقر لأن يعاين مؤخرة ابنه الدامية من التقاط الدجاج، وشغل زوجته بالروث لتصنع منه أقراصاً يمكن بيعها والتكسب منها، ثم فجأة، وبعامل المصادفة عندما يسوقه القدر ليقدم خطبة الجمعة ينقلب الحال، ويتحول إلى ما يشبه نجم المجتمع، تغدق عليه الأموال والهدايا، لكن دوام الحال من المحال.
لقد كان (رمضان) ناجحاً في وعظه وفي خطبه لدرجة أنها أثرت على مجتمعه، فلم تعد هناك حاجة لهذا الوعظ، دون أن يدري ساهم في التضييق على نفسه! يُذكِّرُنا ذلك بحالة نجوم مشايخ الفضائيات الذين وصلت بهم الأمور لسكنى القصور واقتناء سيارات فارهة لا يمتطيها إلا الرؤساء والملوك، هل حقاً يؤدي العمل في مجال الدعوة إلى ربح ومراكمة كل هذه المكاسب؟ أم أن في الأمر شيئاً؟ بطريقةٍ تَحليليةٍ هَادئة، وعبرَ قِصة قصيرة، يطرح (القرش) الأمر للنقاش، منهياً القصة بمفارقة أن الشيخ الذي يدعو للفضيلة يقوم بتلفيق حادث سرقة مفبرك، حتى يجد هناك حاجة إلى استمرار الوعظ، وحتى يجد موضوعاً جذاباً لخطبة الجمعة القادمة، ورغم أن الظروف في القصة تتجاوز حالة الواقعية التي يمكن معها أن تتحقق أركان القصة، لكن لا ننسى أن الهدف الأساسي للقصة تقديم المفارقة، وهنا يختار المفارقة على نحو فكري تحليلي تأملي.
لا يؤمن (سعد القرش) بوجود سقف للإبداع، ولا محظورات أمام الكاتب في طرح ما يراه، ومن هذا المنطلق يستمر في النهج الداعي إلى تحليل الثوابت والتفكير في المقدسات من وجهة نظر عقلانية، أو الإجابة عن الفجوات المفتوحة التي يمكن لأحد أن يلحظها، وفي قصة «مناجاة»، يقدم استبطاناً من زاويةٍ جديدةٍ، يخالف فيها المألوف التاريخي، والمستقر الثابت في التفكير المقدس، فيتبنى وجهة نظر (وحشي)، الذي قتل عم النبي صلى الله عليه وسلم، وإعراض النبي عنه بعدما أسلم، ويعقد مقارنةً بينه وبين (بلال)، مستبطناً الحالة النفسية التي قد تكون أثرت عليه، على أية حال هي منطقة شائكة عبَّرت القصة عنها، وربما كان الواجب أن يستقصى القرش جوانب أخرى للموضوع، فلا يجوز الحكم، في رأيي، من وجهة نظر وحشي فقط، ماذا عن المكانة والأثر اللذين كان يشغلهما عم النبي صلى الله عليه وسلم عنده؟ ماذا عن إمساك النبي لقدرته على إهدار دم (وحشي) وهو المتسبب في قتل عمه؟ على أي حال هي منطقة شديدة الخصوصية وأتصور أنها من الصعوبة النقدية التحليلية بمكان.
في قصة (الداخل) يبدو أنه يقوم بعمل معادل موضوعي لفكرة الحياة ذاتها، ودخول الإنسان إليها، وغروره بملذاتها واستمتاعه بمباهجها، ثم يُفاجَأَ في النهاية بأنه محاسب عن كل ما فعله فيها، لينتهي الأمر به دفعةً واحدة في تناص مع ما يشبه القبر والحساب وفتح كوة على الجنة أو النار، يختتم القصة بقوله: « ينغلق الباب فجأة، وتنفتح نافذة، حيث لا جدار، على حريق بلا حدود.»، ويطول الحوار في هذه القصة مقارنةً بسابقتيها، ويحاولُ هنا عبر الحوار أن يصوغ الأمر كدلالة على عدم قدرة الإنسان الحقيقية على فعل حقيقي، إنه على ما يبدو مُسَيَّر في أمره المحتوم، ومن ثم يطرح (القرش) بطريقة فانتازية، التفكير في مدى المنطقية الممكنة من هذا، عبر الدعوة إلى حوار الذات، والتفكير في الأمور الباطنة من قِبل الإنسان نفسه وبنفسه، هنا نشاهد كيف يتم استخدام البنية السردية نفسها كوسيلة دلالة، بيد أن هذا التمايز قد لا يظهر في القصة بمفردها، بل اتضح في الطريقة التي تختلف بها هذه القصة عن باقي القصص.
نمضي مع قصة «الفرارجي» التي يطرح فيها فكرة تصنيف الناس وفق أنسابهم، وهو الأمر الذي ليس لهم دخل به حقيقةً، فليس من إنسان مسؤول عن نسبه، ولا يمكنه مهما فعل أن يغيره، ومن هنا وبطريقة تمزج ببين الفانتازيا والحكمة وتأمل الحياة، وعلى نحو من الحكمة، يعلم الأب ابنه (عبده) “نظرية البيض”، فيقول: « … البيض حسّاس يا عبده، والناس بيض، والبيض ينفجر إذا صبّ عليه ماء ساخن، حتى دون الغليان، لكنه يحتمل الغليان لوقت طويل ما دام في صحبة الماء البارد، (…) افهم يا عبده، الناس كذلك تزنهر وتغضب، تشتعل وتثور إذا فاجأها شيء فوق الطاقة، (…) خذ الناس باللين، خطوة خطوة، لا تطلب الشيء مرة واحدة…»، هنا نشاهد نوعاً من النقاش الذي يحلل واقع الناس، ورؤية المؤلف للأشياء من حوله، ويصوغها لنا بطريقة توحي بأنها نصيحة، بيد أنها في الحقيقة دعوة للتأمل في الكثير من مسارات الحياة وطرائق التفكير من حولنا، إعادة توجيه للعقل في النظر إلى طلبات الناس، أو ضغوط الإعلام، الإعلانات، كافة الأمور التي توجه أفعال العامة، إنها تتم بهذه الطريقة عبر مجموعة من السبل المُمهِّدة، ثم الضغط المتوالي، ومتى زاد الضغط عن حده أدى إلى ما لا يحمد عقباه.
في قصة «ذاكرة المرايا» والمهداة إلى روح القائد العسكري «سعد الشاذلي» كأنه يبعث من جديد، ويناقش في هدوء قضية حرب أكتوبر، ومآلاتها، ووجود قوات الأمم المتحدة في سيناء، أما قصة «لو» فتمثل ذروة التكثيف السردي في هذه المجموعة، حيث لا تتعدى بضعة أسطر، وتناقش وجع فراق الأم، ثم يعود (القرش) في أقصوصته «سكين» لمناقشة وجع الفقراء، حيث الطفل الذي يحلم بأن يكون له حذاء خاص به، وأمام رغبته الجامحة تستجيب الأم لبيع الخروف في الموسم الذي يمكن أن يربحا فيه بشكل أكبر، وبعد سرد معاين لوقائع تفصيلية، بطريقة تجعلنا نشعر بأننا نعيش مع هؤلاء البؤساء، تنتهي القصة بسرقة الأموال منهما، وضياع حلم كل من الطفل وأمه، بدلاً من النجاح في تحقيق الحلم الذي طال، يتبخر كل شيء، وكأن الحياة ترسل مزيداً من العقاب على الفقراء، ربما لأنهم فقراء، ليستمر الطفل في مواجهة الحفاء، وشعوره بالنقص أمام معلمته وزملائه.
والحال نفسه كذلك في قصة «عيد» حيث عالم من الناس الذين يعيشون معاناتهم الخاصة مع الفقر وعدم القدرة على العلاج، ويبرز المكان هنا بوصفه أساساً جوهرياً حيث وصف القرية ببعدها عن المدينة وخصوصية «سمنود» كما تظهر في عدة قصص هنا، كما أن هناك ثمة ملاحظة جوهرية لا بد من الإشارة إليها متعلقة بالزمن، ليس الزمن الداخلي في القصص، الذي يمكننا التوقف أمامه كثيراً في طريقة بناء القصص التي عادةً ما تتبع الأسلوب الدائري، من البدء في نقطة معينة، ثم العودة لنقطة أقدم منها، ثم العودة للنقطة الحالية التي عادة ما تكون قبل الختام الزمني بقليل، ثم تقديم المفارقة الخاصة باختتام القصة، وإنما الزمن المتعلق بكتابة القصص نفسها، حيث حرص المؤلف على تدوين وقت تأليف كل قصة من هذه القصص، ليس ذلك فحسب، بل في حالة نشرها، فإنها يوضح أين ومتى نشرت، وهناك قصص نشرت عدة مرات، بيد أن اللافت هنا هو الاتساع الزمني الكبير بين أقدم قصص هذه المجموعة متمثلةً في قصة «لو» عام 1987، والتي سنلاحظ أنها أصغر قصص المجموعة حجماً كما أشرت، وقصة «البحث عن الشيطان» في أكتوبر 2025، والتي هي من أكثر القصص حجماً، فالفارق الزمني هنا يصل إلى 38 عاماً بين أول قصة من حيث الكتابة، وبين أحدث قصة في المجموعة، فما الذي دفع الكاتب في هذا التوقيت – الذي ربما اشتهر فيه بالكتابة الروائية الطويلة أكثر من غيرها – لكي يقوم بإعادة نشر هذه المجموعة في التوقيت الراهن؟ وإن كان هناك اختلاف واضح من حيث الصنعة الفنية، والبناء السردي والحبكة وغيرها من تقنيات السرد، تشير ولا شك إلى مدى تملك المؤلف لأدواته التي يستعملها في عملية الخلق التعبيري، إلا أن الملاحظ وجود ثبات في الرؤية الفلسفية، وفي كون (سعد القرش) ينظر للإبداع بوصفه عملية إعادة تحليل للقيم المجتمعية والروحية والدينية وتفكيكها، وإعادة النظر والتحليل فيها من جديد، إنه منذ طرحه الأول يميل لمناقشة المسكوت عنه، ووضعه – بهدوء – تحت المجهر، على نحو يجعل المتلقي، مثلما يعيش تجربة التشويق والجاذبية والاستمتاع بتقنيات السرد من وصف وشخصيات ومكان وأحداث وتوقع وتنبؤ وغيره من عناصر السرد، إلا أنه يعيد التفكير أيضاً من جديد في القيم والمطلق والحياة والتراتبية الاجتماعية، حتى المكان يعيد النظر إليه من جديد في ظل الطرح الفكري والفلسفي والتأملي وهو ما زخرت به قصص المجموعة.
………………………………
[1] – محمد يوسف نجم: فن القصة، ط5، دار الثقافة، بيروت، 1996م، ص 9
[2] – عبد الرحيم كردي: البنية السردية للقصة القصيرة، ط3، مكتبة الآداب، القاهرة، ، 2005م، ص 61
[3] – رشاد رشدي: جامعة القاهرة، ، ط3، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ، 1959م، ، ص 11
[4] – علي أحمد العبيدي: العنوان في قصص وجدان الخشاب – دراسة سيميائية، مجلة دراسات موصلية، العراق، 2009م، ص 61.










