زنجبيل وأيادٍ مرتجفة: تأملات في قصة الطيب طهوري

وليد الأسطل

وليد الأسطل

تُقدّم القصة القصيرة “زنجبيل وأيادٍ مرتجفة” للقاص والشاعر الطيب صالح طهوري -وأنا أعرف جيدا ميله إلى التقاط التفاصيل الصغيرة وتحويلها إلى قلق وجودي- مشهدا إنسانيا مكثفا ليوم يبدو عاديا في سطحه، يوم يبدأ في مقهى بعد صلاة الصبح مع كأس زنجبيل ساخن، وينتهي في شارع غارق بالمطر والارتجاف. غير أن هذا اليوم لا يقارب بوصفه سردا خطيا، يقارب بوصفه حالة وعي معلقة، وعي يراقب العالم من مسافة دقيقة، كمن يقف خلف زجاج شفاف يرى كل شيء ولا يُرى. وهي المسافة التي اعتاد الطيب أن يكتب منها، وهو ما يذكّر بأجواء الموت في البندقية من حيث هذا التأمل البارد والمراقبة الصامتة. لا يلاحق النص الأحداث، إنه يتتبع الأثر الذي تتركه الأشياء في النفس، ويحوّل التفاصيل اليومية إلى علامات وجودية.

البطل رجل وحيد، يجلس في مقهى تتزاحم فيه الأصوات والروائح والصور. مشهد شعرت وأنا أقرأه بأن الطيب لم يبتكره بقدر ما عاشه. شاشة تبث أم كلثوم، قطار مكتظ، وجوه أثقلها الإرهاق، حقائب توحي بالرحيل الدائم. الحركة تحيط به من كل الجهات، بينما يقيم هو في منطقة سكون داخلي مشحون. لا يعمل هذا التعارض كحيلة سردية، وإنما يشكل سؤال النص المركزي: ما معنى أن تكون موجودا جسديا ومعلقا شعوريا؟ هل الحضور مرهون بالمشاركة، أم يكفي الوعي الصامت كي نكون جزءا من العالم؟ هنا يتردد صدى هايدغر حين ربط الوجود الأصيل بالانتباه إلى الكينونة، لا بالاستهلاك الأعمى للزمن، وهو سؤال أعرف أن الطيب يعود إليه كثيرا في كتابته، ويذكّر أيضا بنبرة كتاب اللاطمأنينة.

عند خروجه إلى الشارع، لا يحدث انفراج داخلي، وكأن الطيب يرفض منح شخصياته أي راحة سهلة. يملأ المطر المشهد كما لو أنه امتداد لما يعتمل في الداخل، في صورة تذكّر بعوالم المسخ حيث يتحول الخارج إلى مرآة خانقة للداخل. الشارع غارق، والأجساد مسرعة، والوجوه محايدة. لا يتخذ احتجاجه على “ضمائر الناس” هيئة خطاب أخلاقي؛ يظهر كقلق عميق من تآكل الحس الإنساني، من تحوّل الاعتياد إلى قناع يخفي اللامبالاة.

يتقاطع هذا الشعور مع سؤال ألبير كامو حول العبث: هل يكمن العبث في العالم ذاته، أم في التعايش معه دون مساءلة؟ القصة لا تحسم، تترك السؤال معلقا مثل مطر لا يتوقف، تماما كما يفعل الطيب حين يفضّل الأسئلة على الإجابات.

يشكل لقاء المرأة لحظة كثيفة، مشحونة بالاحتمال أكثر من الفعل، وهنا تظهر حساسية الطيب في كتابة ما لا يكتمل، في مشهد يذكّر برهافة الانتظار واللقاء المؤجل في الحب في زمن الكوليرا. حضورها عابر، محكوم بالتعب والمرض والذهاب إلى العمل. لا اعتراف، لا وعد، لا تطور درامي. ما يحدث هو ومضة دفء سرعان ما تنسحب، كأن النص يختبر هشاشة اللقاء الإنساني في زمن السرعة. المرأة أقرب إلى إمكانية منها إلى اكتمال، تشبه ما وصفه رولان بارت باللقاء الذي يؤسس للرغبة دون أن يحققها. السؤال عنها، ثم غيابها، ثم ظهورها مجددا، يحوّلها إلى منطقة توتر بين الواقع والتخيل، بين الحاجة والخسارة المؤجلة، وهي منطقة يبرع الطيب في البقاء داخلها دون حسم.

يضيف وجود الكهل المتلصص بعدا آخر للتجربة. عين تريد أن تفهم، أن تصنّف، أن تمنح العلاقة اسما واضحا. جواب البطل حين يصف المرأة بأنها “جنية” لا يأتي كدعابة أو تهرب؛ يظهر كرفض صريح لتحويل التجربة الحية إلى تعريف جاهز. وكأن الطيب نفسه يرفض أن تُختزل التجارب في كلمات نهائية، وهو ما يذكّر بتحليلات ميشيل فوكو حول سلطة التصنيف والنظرة. يتقاطع النص في هذا المشهد مع أفكار ميشيل فوكو حول سلطة النظرة، وحول كيف يتحول السؤال الفضولي إلى أداة ضبط، وكيف يصبح التصنيف شكلا من أشكال الهيمنة الناعمة.

تتكرر في القصة صور القطار، البحر، السماء، المطر. لا يؤدي هذا التكرار وظيفة زخرفية؛ يعمّق الإحساس بالدوران واللايقين، وهو إيقاع أعرفه في نصوص الطيب، ويذكّر أيضا بحساسية المكان والعناصر لدى غاستون باشلار. لا يتقدم الزمن؛ يلتف حول ذاته. لا يرسم الاستيقاظ في الجزء الأخير حدا فاصلا بين حلم وواقع، يزيد الالتباس كثافة. الأشياء تبتسم، الجدران تراقب، والعالم يكتسب ملامح كائن حي، فيما تفقد الذات مركزها الصلب. هنا يمكن استدعاء غاستون باشلار حين ربط بين المخيال المادي وحالات القلق، حيث تتحول العناصر الطبيعية إلى مرايا داخلية تعكس اضطراب النفس.

مع العاصفة والأيادي المرتجفة، لا تطرح النهاية حلا ولا عزاء، وهذا متوقع ممن يعرف الطيب. يتجاوز الارتجاف الفرد، يصير حالة عامة، كأن النص يلمّح إلى أن الإنسان المعاصر يعيش اهتزازا دائما، بين رغبة في الدفء وخوف من الذوبان، بين الحاجة إلى الآخر والعجز عن الإمساك به.

كتب فرناندو بيسوا: “أن أشعر بكل شيء هو أن أتألم بكل شيء”. يقيم هذا النص في هذا الإحساس المركّب، يراكم الأسئلة، يرفض الطمأنينة السهلة.

لا تنبع قيمة القصة من حكايتها الظاهرة، وإنما تنبع من قدرتها على جعل القارئ يختبر ارتجافة الوجود ذاته -وهو بالضبط ما ينجح فيه الطيب هنا- ويغادر النص مثقلا بالتساؤل: هل الإنسان فاعل في زمنه، أم عابر تحمله الأيام كما يحمل المطر ظلال المارة؟ هكذا يكشف الطيب طهوري عن كتابة واعية بقوة الصمت، مدركة أن الأدب الحقيقي لا يصرخ، يحوّل القلق إلى لغة، والتردد إلى معرفة حساسة بالعالم.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع