أسامة كمال أبو زيد
كان رجاء النقاش أحد أولئك القلائل الذين يمشون في الحياة بقلوب مفتوحة، تشعّ نورًا على من حولهم، لا يملكون إلا أن يمنحوا. لم يكن ناقدا بقدر ما كان ضميرا ثقافيًا وإنسانيًا، يكتب كما يتنفس، ويؤمن أن الكلمة الصادقة هي وجه آخر للحب. في حضرته كانت المواهب الصغيرة تشعر أنها في بيتها، وأن الارتباك الذى يسكن البدايات يمكن أن يهدأ حين تلمسه نظرة عطف من عينيه. لم يسأل عن أسماء أو انتماءات، بل عن الصدق فقط؛ كان يعرف أن الموهبة الحقيقية لا تحتاج وساطة، وأن الشعر العظيم لا يطلب بطاقة هوية. وهكذا احتفى بمحمود درويش وسميح القاسم لا لأنهما رمزان للمقاومة، بل لأنهما ـ ببساطة ـ يحملان الشعر في أكثر حالاته إنسانية ووهجًا. كما ساند أحمد عبد المعطى حجازي وصلاح عبد الصبور، حين كان التجديد يواجه صخور الجمود، فدخل معركته الكبرى ضد سدنة العمود الشعري لا بروح الخصومة، بل بروح الأب الذى يؤمن أن الحياة نفسها لا تتقدم إلا إذا تجددت لغتها.
فى كل ما كتبه، كان رجاء النقاش إنسانا مصريا حتى النخاع، تشع منه عذوبة البساطة. يضحك من القلب، ويمزح بعفوية ابن البلد الذى يمنح من جيبه ومن نفسه معًا.
لم يكن رجاء النقاش من أولئك الذين أغراهم صخب الأيديولوجيات. وُلد في بيت متدين معتدل، يرى في الدين ضوءا يهب الطمأنينة لا قيدا يكبّل العقل. لذلك لم يكن فى صدام مع السلطة أيام عبد الناصر، لأن روحه كانت أقرب إلى جوهر المشروع نفسه: التجديد، والانحياز للناس، والإيمان بكرامة الإبداع. لكن حين تبدّل وجه الزمن فى عهد السادات، وأُقصى المثقفون الذين حملوا لواء التنوير، وجد نفسه خارج الهلال التى صنع مجدها، فكتب وداعًا مفعمًا بالشجن، ورحل إلى قطر ليؤسس الدوحة والراية، حاملًا معه فكرة الثقافة لا كمهنة، بل كإيمان. كان يدرك أنه لم يودع مجلة، بل ودّع زمنًا كان يعتقد أن النور فيه حقٌّ لا استثناء.
وحين نحاول أن نقرأ فلسفته النقدية، نجدها تقوم على بُعدين جوهريين فى عالم النقد العربى.
أولهما إيمانه العميق بأنَّ فهم الإبداع لا يتحقق إلا من خلال فهم الإنسان الذى أبدعه؛ فالشاعر أو الروائى عنده ليس مجرد عقلٍ ينتج نصًّا، بل كائن مفعم بالأسرار، كل جرحٍ فيه يترك أثره فى اللغة، وكل لحظة صدقٍ تتجسد فى العبارة. لذلك انشغل بسير المبدعين ورسائلهم وملامحهم الشخصية، لا بدافع الفضول، بل بحثًا عن الإنسان الكامن خلف الكلمة. ولهذا حملت كتبه عناوين تمجّد الوجدان قبل النص: شخصيات وتجارب، عباقرة ومجانين، ملكة تبحث عن عريس، لغز أم كلثوم، فى حب نجيب محفوظ، لويس عوض فى الميزان. كانت كتبه أقرب إلى لوحات من الأرواح منها إلى دراسات نقدية جافة؛ فهو ناقد يقرأ الوجدان بعين القلب قبل أن يحاكمه بعين العقل.
أما البُعد الثانى، فهو اهتمامه بالفكر والرؤية الأيديولوجية للمبدع، غير أنه لم يجعل من السياسة قيدًا يحاكم الأدب به، بل منظورا إنسانيا يضيء خلفيته ويكشف عن جذور موقفه من العالم.، بل بالموقف الإنسانى الذى يصدر عنه. كتب مرة مقالا غاضبًا ضد أدونيس بعنوان “أيها الشاعر الكبير.. إنى أرفضك!”، لكنه بعد سنوات جمعه العشاء ذاته بالشاعر نفسه، وضحك الرجلان، لأن رجاء النقاش كان يعرف أن الاختلاف لا يعنى القطيعة، وأن النبل الحقيقى هو أن تعترف حين تتغير. كان نادرًا بين النقاد العرب فى قدرته على مراجعة الذات، لا يخجل من خطأ ولا يصرّ على عناد. ظل يحمل احترامه لكل من خالفه، كما فعل مع لويس عوض، حين اختلف معه فكريًا لكنه لم يتردد فى الاعتراف بفضله وريادته. كان النقاش يعرف أن الحقيقة واسعة بما يكفى ليتقاسمها المختلفون.
وإذا شئنا أن نلخّص إيمانه، فربما نقول إنه كان عربيًّا بالمعنى الجمالى للعروبة: انتماء لا شعار، محبة لا صخب. دافع عن اللغة العربية لا من باب القداسة، بل من باب الحنين، وناصر التجديد دون أن يقطع الجذور. كتب عن الأقباط كما كتب عن التراث الإسلامى، ورأى فى تنوع مصر سرّ جمالها. وحين هاجم البعض العروبة أو سخروا من انتمائها، ظل هو ثابتًا على الأرض التى أحبها، لا يتلوّن ولا يبدّل قناعاته، يقول ما يؤمن به ولو خسر التصفيق. كان فى جوهره تجسيدًا لمثقف نادر: متدين فى إنسانيته، علمانى فى عدالته، محبّ فى كل حالاته.
ولأنه عاش بهذا الصفاء، فقد أحب نجيب محفوظ وأدبه كما يحب صديقا لا يخذل، وآمن أن الطريق إلى العالمية يبدأ من الأزقة الضيقة التى يعرفها القلب. آمن بأن التجديد هو استمرار للتراث لا خيانة له، وبأن الكلمة التى لا تُروى بالمحبة تموت عطشًا قبل أن تصل إلى القارئ.
رجاء النقاش لم يكن يكتب عن الآخرين، بل كان يكتبهم، كما لو أن روحه مرآة تعكس أرواحهم. لذلك أحبه الجميع، حتى من اختلفوا معه، لأنه لم يكن يكتب ليثبت ذاته، بل ليجعل من الكتابة صلةً بين الأرواح. ظل حتى آخر أيامه مؤمنًا بأن الثقافة ليست وظيفة، بل طريقة فى الوجود، وأن الناقد الحق هو من يرى فى كل موهبة وعدًا بالخلاص.
وحين نعود إليه اليوم، لا نقرأ سيرة ناقد فحسب، بل نستعيد صورة الإنسان الذى كان يكتب بالدفء، ويعيش بالكلمة، ويترك فى كل من عرفه أثرًا يشبه النور. لقد كان رجاء النقاش سرًّا من أسرار الحياة، ورقةً بيضاء سكنت فى كتاب الزمن، ما زالت تفوح كلما فتحناها بقلوبنا.

















