برهان شاوي
قرأت مؤخرا مخطوطة لرواية عربية أدهشتني، فهي تتحدث عن مقاطعة شمبانيا في فرنسا، في مرحلة عصيبة من التاريخ، ألا وهي مرحلة الحروب الصليبية وتشكل فرقة فرسان الهيكل الأسطورية. والحق يقال لو لم أعرف بأن الكاتب عربي وخاطبني باللغة العربية لظننت أن كاتبها فرنسي!
المناخ الروائي وأسماء الشخصيات، وجغرافية المكان، وسير الأحداث، وطبيعة الشخصيات ومزاجها، كله فرنسي بامتياز، فإلى أي حد يمكن للكاتب أن يجيد تقمص التاريخ وشخصياته ويستوعب أحداثه بهذا العمق والدقة!! حتى يصعب على القارئ أن يتخيل بأن الكاتب عربي، وهو ابن لغة وتراث إنساني وعقائدي واستعارات لغوية وهموم أخرى.
كان الكاتب وليد الأسطل موضوعيا وأمينا لشخصياته ومرجعياتهم الاجتماعية والعقائدية بشكل مدهش. فرواية ذاكرة شمبانيا هي رواية عن الكبرياء والوفاء والأخوة، والأمومة، والحب المكتوم، والدسائس السياسية، والمؤامرات، مطرزة في نسيج روائي وبلغة صورية وكأن القارئ يرى فيلما سينمائيا يتناول هذه الحقبة التاريخية المهمة.
لا أعرف كيف سيستقبل القارئ العربي هذه الرواية، وبأي عين سيقرأها، فهو سيشعر، ربما، وكأنها رواية أوربية مترجمة، ولما فيها من معرفة تاريخية وجغرافية واجتماعية بمقاطعة شمبانيا الفرنسية وتاريخها حيث تنتمي الشخصيات، وحيث تجري الأحداث في الأديرة والقصور والقلاع. وهذا يحسب للكاتب في معرفة موضوعه الروائي وعما يكتب.
لكن من جهة أخرى سيسأل القارئ عن السبب الذي دفع كاتبا عربيا يكتب عن فترة الحروب الصليبية من خلال تفاصيل الجانب الآخر، الجانب المسيحي والصليبي، من دون الاقتراب من الواقع ومشاكله وهمومه العربية، من دون ذكر المسلمين ولا ما جرى في تلك الحروب التي امتدت لعشرات السنين.
علما، وأنا مسؤول عما أذكره هنا، بأن الكاتب كان محايدا بشكل كبير جدا، ومثير للإعجاب المذهل، فلم ينجر لتفخيم الأحداث، ولم يضف بطولات مبالغا فيها على شخصياته، ولم ينتقص من إيمان شخصياته وعقيدتهم ولم يقترب ولو بالذكر البسيط من الطرف المقابل في هذه الحرب.
بكل بساطة أجد أن الكاتب وليد الأسطل كتب رواية مهمة، تنتمي لصنف الروايات التاريخية، وقدم شخصيات، رجالية ونسائية، لا تنسى بسهولة ولا تختفي من ذاكرة القارئ، لاسيما أنه قد توغل في نفسيات شخصياته وتناقضاتها وتحولاتها من كبت ورغبات و أفراح وخيبات.
لا أعرف كم من الأعمال الدرامية والأدبية التي كتبها الأوربيون عن فرسان الهيكل، ولا عن الحروب الصليبية، لكن رواية ذاكرة شمبانيا، ستكون من أهم الروايات التي كتبها كاتب عربي عن مرحلة تاريخية من مراحل مقاطعة شمبانيا، وأيضا عن هذه الحروب التي امتدت لما يقارب القرنين من الزمان.
رواية ستأخذ مكانها عربيا وفرنسيا. ويسعدني كوني قد قرأت مخطوطتها فشكرا لكاتبها الأستاذ وليد الأسطل.
……………..
*شاعر وروائي عراقي











