ماجد الخطيب
يقدم عامر درويش الخطيب في كتابه “البطل الدرامي عند ميخائيل رومان”، الصادر عن دار السرد ببغداد، دراسة عن تطور شخصية البطل الدرامي في كتابات رومان المسرحية عبر نموجين من أعماله .
يقول عامر الخطيب في مقدمته: “أحسب أنه لم يسبق لكاتب مسرحي أن حظي بمثل الإهمال – غير المبرر- الذي حظي به “ميخائيل رومان”، ذلك الإهمال الذي يدعو إلى العجب والتساؤل. فمن يقتحم مثل هذا المضمار الشائك وسط زحم من الكم والنوعية من الكتاب اللذين زخر بهم مسرح الستينات في مصر، لا بد وأن يكون قد وجد له – بموهبته ووعيه – مكاناً مقبولاً بينهم …”
من الواضح ان هذا الإهمال هو ما حرض المؤلف على اختيار ميخائيل رومان .
واقع الحال أن الأدب العربي والعالمي يزخر بالكتاب والشعراء والفنانين الذين لم تحالفهم الشهرة إلا بعد وفاتهم أو بعد انقضاء الظروف السياسية والاجتماعية التي طمست أعمالهم. هذا قد يشمل كاتباً مصرياً بارزاً مثل عبد الحليم عبد الله، أو كتاباً عالميين مثل كافكا وادغار الان بو الذي لم ينشر في حياته غير قصيدة واحد عنوانها “الغراب” مقابل 9 دولارات.
إلا أن الكاتب المسرحي ميخائيل رومان (1924 ـ 1973) ، فضلاً عن الإهمال الذي طال أعماله في مصر، تعرض إلى هجمات غير مبررة (في حينها) من قبل النقاد المصريين الكبار من أمثال محمد عودة ود. لويس عوض. حينها طالب الأول بالرحمة بالمسرح المصري من كتابات رومان ولم ير الثاني في كتباته سوى “دخان”، في إشارة إلى مسرحية “الدخان” لميخائيل رومان.
واقع الحال أن الألماني الحائز على نوبل غونتر غراس تعرض إلى مثل هذا النقد “التشهيري” المغرض بعد روايته المعروفة “حقل شاسع” التي انتقد فيها “العجالة” في توحيد ألمانيا وتسببها بانهيار اقتصاد ألمانيا الشرقية. حينها نشرت مجلة “دير شبيغل” نقداً لاذعاً كتبه شيخ النقاد الألمان مارسيل رايش رانيسكي “مزق” فيها الرواية شر تمزيق.
إذ في بادرة لم يسبق لها مثيل منذ الحقبة النازية نشرت المجلة “المحترمة” على غلافها صورة رانيسكي يمزق كتاب غراس. كان غراس يتعرض حينها إلى هجمة شرسة بسبب مواقفه المؤيدة للشعب الفلسطيني.
على أية حال كان غراس يتمترس ضد نقاده وراء روايات “الطبل الصفيح” وثلاثة غدانسك” التي أوصلته إلى العالمية ومهدت طريقه إلى نوبل للآداب 1999، في حين تخلى حتى التابع سانشو بانزا عن دعم ميخائيل رومان في صراعه مع الطواحين. إذ يصف حمدي نفسه في مسرحية “الدخان” بأنه دون كيشوت القرن العشرين.
هكذا، يكون الناقد والمخرج المسرحي عامر درويش الخطيب أول من حاول إعادة الاعتبار إلى ميخائيل رومان من خلال دراسته الأكاديمية المعنونة “البطل الدرامي عند ميخائيل رومان”، التي صدرت عن دار السرد ببغداد بكتاب من القطع المتوسط في87 صفحة.
قبل أن يخوض الخطيب غمار الدفاع عن كاتب “مقهور”، مثل شخصيته الدرامية “حمدي”، يوجز الكاتب مفهوم البطل في مسرح الدراما الممتد بين الاغريقي والملحمي مروراً بالمدارس، أو لنقل، الاتجاهات الاخرى. يعرض للقارئ أيضاً كيف انحدر البطل الدرامي عبر التاريخ من النبالة والأخلاقية العالية إلى الفرد المقهور والمغترب في مجتمعه، والمحرض الذي يخاطب وعي الناس عند برتولد بريشت.
يعدد الكاتب في الفصول الأخرى أعمال وتواريخ مسرحيات رومان، والمحظوظ منها إلى ظهر على المسارح أو الشاشات المصرية، ثم يركز بحثه على شخصية حمدي في مسرحيتي “الدخان و”الزجاج”.
في حين يقدم لنا نقاد المسرح في مصر، ما قبل هزيمة 1967، أبطال رومان كأبطال إشكاليين وطارئين على أجواء مصر “الديمقراطية” بعد ثورة يوليو، يقدم لنا الباحث بطل ميخائيل رومان على أنه مصري متمرد على واقعه ويعمل من أجل تغييره. ويقترب بذلك من البطل الملحمي في تناقضه مع ذاته ومع مجتمعه وعائلته باحثاً عن الأفضل إلى الجميع.
يرى عامر الخطيب أن حمدي في مسرح رومان هي شخصية بطل مستلب ومغترب اجتماعياً. يتمحور صراعه في المسرحيات في صراع داخل عائلته وضد تطلعاتها الطبقية، وصراع مع شروط عمله الوظيفي وعبثية الواقع السياسي للمجتمع . فهو بطل واع لطبقته يعمل “منحازا إليها ومنحازاً ضدها”.
ونرى حمدي في مسرحية الزجاج(1968) أكثر انفعالاً وحدية في طرح تناقضاته مع مجتمع”الفتارين” و”القفازات” مما كان في مسرحية الدخان. وإذا كان حمدي في الدخان، يدمن على المخدرات، ولا يجد طريق الخلاص من إدمانه إلا بالتمرد على مسببات إدمانه السياسية والاجتماعية، يطرح حمدي نفسه في “الزجاج” كـ” دون كيشوت القرن العشرين”. ونلاحظ هنا كيف تطورت شخصية حمدي”الدخان”(1962)، المتمردة على انتكاسة ثورة يوليو، إلى شخصية حمدي”الزجاج” الذي قهرته وهزته من الأعماق هزيمة”نكسة 1967″.
يختتم رومان مسرحياته بذروة تفاؤلية، قد تستجيب أو لا تستجيب إلى الصراع الكافكوي الذي تخوضه شخصياته، لكنه يعكس بذلك أهداف مسرحه التحريضي التعبوي من أجل التغيير.
يبدو هذا واضحاً في سطور المسرحية الأخيرة(الدخان)
حمدي : انا والله ما ضعفت ولا ساومت ولا كنت بأدور على لذة، أنا كنت بأدور على الإيمان… كنت بأدور على هدف.. وأنا حالاقي هدف(يبكي) لازم ألاقي هدف… لازم ألاقي هدف”.
وينهي كلامه في “الزجاج”:
حمدي : فساد… فساد متكامل… فساد منظم(يكاد يبكي) عصابة، عصابة بتاكل بيت المال… بتخطف طعام الأطفال…”
قد يجد بعض النقاد في هذا الطرح ضعفاً “معيباً” في أعمال الكاتب المسرحي ميخائيل رومان، لكن عامر الخطيب يتوصل في بحثه إلى أن هذه “المباشرة” في النص “ليست معيبة” فقط، بل تكون مطلوبة أيضاً” في مثل عروض المسرحيات الاجتماعية السياسية هذه.








