مرفت رجب
كرهت جدتي عبد اللطيف البغدادي، ودعت عليه، ليس بسبب إزالة المسجد والبيت الجميل الكائنين في مواجهة بيتنا، ولكن بسبب أرض الفوالة التي كان لها بها بيتان، يعني مُلك، يعني إيراد، ناهيك عن دكان البقالة الكبير الفخيم الذي كان يملكه أخ لها شقيق، الحاج سيد فرج، أكبر بقال في بر مصر. وكلما أخذتنا المشاوير إلى ميدان باب الخلق، يحرص جدي على المرور على بقالة كركور وشندي الصغيرة المحندقة، التي تكاد جنباتها تنفجر من ضغط المعلبات المحشورة في رفوفها، وتتكرر المقارنات والتفاخرات بفخامة وأبهة بقالة الحاج سيد فرج وأولاده.
لم أعد أتذكر العلاقة بين كركور وشندي، وهل كان لكل منهما دكان صغير ملاصق لدكان أخيه، ولكنني أتذكر نصاعة بياض المريلة التي كان كركور يلفها حول وسطه البرميلي، ورائحة البسطرمة المتدلية حبالها من سقف المحل، تزينه وتعطره، وتفتح للجد مسارات كلام لا بد أن توصل إلى الفوالة، وناس الفوالة، ومقارنات بين الوجاهة عندهم، متمثلة في دكان العطور الذي كان يملكه الحاج إبراهيم فرحات، صديق جدي المُقرب، وما يقابلها من عراقة في شارع درب الجماميز بنجومه الساطعة: الأخوان سعد، الذي لا يظهر في الشارع إلا وهو يقود سيارة أحدث موديل، وعم إدارة صاحب شونة الدقيق، وعم إبراهيم الجباس بصوته المبحوح طول السنة، ربما من أثر الجير والجبس وأنواع البويات التي يتعامل معها صباح مساء، وعم أبو العلا المنجد المتخصص في تصنيع الستائر والصالونات الفاخرة، ومحمد أفندي البقال، بهندامه ونظارته الطبية وجلسته خلف مكتبه الأنيق في الجانب الأيمن من المدخل. وهؤلاء هم أصحاب الدكاكين تحت بيتنا والبيت المجاور الكائن على ناصية شارع راتب باشا. ظننتهم من أقاربنا من كثرة السلامات وعبارات المودة المتبادلة، كما ظننت أننا نملك الشارع بأكمله، قبل أن أفهم الفرق بين الملكية الخاصة والملكية العامة، وإن كان ذلك لم يغير شيئًا في إحساسي بالفخر أنني وُلدت في درب الجماميز، شارع أول مدرسة للفنون وأول كتبخانة (دار الكتب)…
يقولون: «اعمل الخير وارمه في البحر»، فماذا عن الدعوات؟ هل ينفع أن نقول: ادعُ بحرقة واطمئن، الدعوة واصلة واصلة؛ يا تقصف عمر المقصود، يا تفرّج عليه خلقه! هل صحيح أن دعوة جدتي شاركت في مصير عبد اللطيف البغدادي، وهل يمكن أن يمتد أثرها ليشمل ما آل إليه كورنيش النيل الذي كان من مفاخره؟
واحدة واحدة يا ست مرڤت، أكاد أرى السيد جيمس جويس، مبتكر أسلوب تداعي المعاني (أو تيار الوعي)، يطل علينا من وراء الحجب فاغرًا فاه، خشية أن تتعقد الخيوط فينصرف عنا القراء!
«أنا لا أقوى على كراهية أحد، ولكنني أكره المباني العالية كراهية جدتي لعبد اللطيف البغدادي، لذلك أتساءل: هل تصيب دعواتي مَن بنوا خوازيق ماسبيرو؟ هل يكون لها نفس تأثير دعوة جدتي حين سمعت بقرار إزالة حي الفوالة؟»
لم تكن جدتي كثيرة الكلام، ولا أستطيع أن أتذكر مفردات دعواتها، وإن كنت أتذكر جيدًا كيف كانت ترفع عينيها وتتمتم ولا تفصح. لم أجرؤ يومًا أن أسألها؛ كنت أصغر من أن أقوى على اقتحام حسرتها البادية. كنت أتصور أن سوق الفوالة هو أجمل الأسواق، وحين سألت وقتها لماذا يسمونه السوق الأفرنجي، قالت لي ابنة خالتي إن أغلب زبائنه من الخواجات، سكان هذه النواحي من وسط البلد. وهي نفسها ابنة خالتي التي عرّفتنا أن جدتنا كانت حلوة وغنية، ولذلك تزوجت ثلاث مرات (ما حدش يقدر يزعلها)، إلى أن ابتلاها ربنا بعبد اللطيف البغدادي. لم يكن زوجًا تستطيع أن تنفصل عنه، ولم تكن لها تجربة سابقة مع القهر، فلم تحتمل هدمه لبيوت كانت تملكها في الفوالة، ولا احتمل أخوها هدم دكانه الوسيع الفخيم، ولا زوجها أن تحرمه إزالة الحي من مطارح أعز الأهل والصحاب، فقد اختطفهم الموت على مدى ثلاث سنوات متتالية…
«يا حبيبي تعالى… تعالى بالعَجَل»، غنتها المعلمة سماسم لزينهم السماحي بأصفى صوت يوم تبيّن أنها حامل في الجزء الأول من مسلسل ليالي الحلمية. وحين ترامى إلى مسمعي نفس صفاء الصوت، أثناء مروري بواحد من شوارع روما الضيقة، تسمرت قدماي متشبثتين بأرض الرصيف الضيق، خشية السقوط في نهر الطريق، لحظة مرور الحافلة التي لمحتها تقترب. هل أصابني الدوار من حلاوة صوت أسمعه يغني في الشارع في عز الظهر الأحمر، أم من قدرة حافلة عمومية على المرور في شارع ضيق، أرضه مبلطة بنفس نوع البلاط الحجري الناعم الذي انتزعوه غدرًا من أرض الفوالة؟ وهل كانت تلك أول مرة يلفتني فيها صوت يغني لنفسه في نهار صيفي في روما أو نابولي أو… ليس مهمًّا في أي مكان، فلقد ثبت لي أنهم يعشقون الغناء ويجيدونه، كما يجيدون قيادة السيارات، بل والأوتوبيسات العمومية في شوارع ضيقة مبلطة، من أيام أول شق لطرق روما العتيقة، وأول تصميم لطرز مبانٍ ميّزتهم فاعتنقوا جمالها. ما الجديد إذًا؟ ما الذي يحوّل الدهشة إلى تأثر يكاد يختل له توازني؟ وما شأن مفردات الجمال والأصالة المنتثرة حولي بأداء سهير المرشدي لدور سماسم العالمة؟ ولماذا أفتعل مناسبة للتذكير بتفرد مشهد زيارتها العاصفة لبيت توفيق أفندي الذي ذهبت إليه تسأل عن طه السماحي؟ فاصل من الردح المنضبط، لا نملك إزاءه إلا أن نصفق لها ونحني الرؤوس إجلالًا وعرفانًا لحسن استيعابها لما في الشخصية من فتنة وقوة، ولامتلاكها مهارات الردح الأنيق، فهي لم تُسِفّ ولم تبتذل، ولم تفرّط في كرامة بنت البلد. وهل من الافتعال أن نذكّر بأن أحداث المشهد تقع في زمن سابق على زمن وصول بلدوزرات عبد اللطيف البغدادي لأرض الفوالة، لتنزع عن أرضها البلاط الأملس النظيف، كخطوة أولى على طريق إزالة الحي الملاصق لجامع الكخية؟…
درج الناس على نسبة جامع الكخية إلى ميدان إبراهيم باشا، تسهيلًا للباحث عن العنوان، وربما للفت انتباه الزائر إلى تمثال إبراهيم باشا المهيب، ومن خلفه مبنى دار الأوبرا الخديوية. وفي الضلع الشمالي من الميدان تمتد حدائق الأزبكية. ولقد أبقى جدي على تلك التسميات حتى آخر يوم في عمره، عام 1959، وإن تحوّل كثيرون إلى نسبة الميدان إلى مبنى الأوبرا، ربما من باب الاحتياط، أو خشية جرح كبرياء أحد! وانتهت الإشارة إلى جامع الكخية بأنه جامع الملك، كما كان جدي يفعل، مع حرصه على أن يبيّن أن المقصود ليس محو اسم الأمير كتخدا الذي بناه من حر ماله، ولكن لأن الملك فاروق كان يصلي الجمعة في جامع الكخية، فرفع قدره، وزاد من محبة الناس له.
هل تنفعنا مثل تلك التفاصيل في إيجاد إجابة على سؤال أحسبه جوهريًا: لماذا تقرر إزالة منطقة الفوالة؟ ألم يسمعوا بأفضالها على شوارع وسط البلد، من الأزبكية شمالًا إلى حي عابدين جنوبًا؟ ألم يحكِ لهم أحد عن السوق والمستوقد؟ ألم يأكلوا من خضرها أو فاكهتها الطازجة ذات العطر الفواح؟ ألم تبهرهم حركة تبادل المواقع بين الزبالين والفوالين، وانتظام مواعيد دخول المستوقد ورصّ الزبالة لتغذية الاشتعال الذي يتكفل استمراره بتدميس الفول على أهدأ نار، لحين مقدم عربات اليد ليرفع بائعو الفول قدورهم من أرضية المستوقد المشتعلة، ويُوسِّد كلٌّ قدرَه قلبَ عربة يد تخصه، ملأها بالقش، يحيط به القدر من كل جانب، كأنما يخبئه من العين أو من لفحة هواء بارد.. فهكذا يحافظ على سخونة الفول المدمس، وينطلق به إلى شوارع وحارات وسط البلد وعابدين والأزبكية، مع أول خيوط طلوع النهار.
تفرك جدتي كفيها، وتتمتم: «ربنا يؤذي المؤذي، ربنا يؤذي المؤذي».
لم يكن لي من سلوى غير الراديو؛ أفرّ إليه من تكرار الاستماع إلى حكايات الأملاك ووعود التعويضات، ومن بعدها الصدمات، ختامًا لمسلسل المماطلات، وهزال ما قبضوه.

















