رحاب عمر
اعْتَادَتْ أُمِّي الذَّهَابَ إِلَى بَيْتِ خَالِي عَصْرَ كُلِّ يَوْمٍ. الوُصُولُ إِلَى البَيْتِ لَا يَتَعَدَّى خَمْسَ دَقَائِقَ سَيْرًا عَلَى الأَقْدَامِ. قَبْلَ أَنْ تُغَادِرَ تُوصِينِي عَلَى شُؤُونِ الصِّغَارِ. أَذْكُرُ أَنِّي كُنْتُ حِينَهَا فِي الصَّفِّ الخَامِسِ الابْتِدَائِيِّ، وَكَانَتْ لَحْظَةُ خُرُوجِهَا مِنَ المَنْزِلِ هِيَ أَثْقَلُ لَحَظَاتِ حَيَاتِي، فَبَعْدَهَا أَصِيرُ مَسْؤُولَةً عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَالأَهَمُّ هُوَ وَالِدِي؛ أَتَابِعُ إِشَارَاتِهِ وَأُلَبِّي طَلَبَاتِهِ حَتَّى قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَهَا، فَأَصْنَعُ لَهُ الشَّايَ “الزَّرْدَةَ”، وَأُنَاوِلُهُ المَاءَ المُثَلَّجَ، وَأَمْنَعُ ضَجِيجَ الصِّغَارِ حَوْلَهُ. لَمْ تَخْلُ تِلْكَ الأَوْقَاتُ مِنْ “عَلْقَةٍ سُخْنَةٍ” بِسَبِ كَلِمَةٍ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ، أَوْ حَتَّى ضَحِكَةٍ غَيْرِ مَقْصُودَةٍ أَوْ بِدُونِ سَبٍ.
أَذْكُرُ ذَاكَ اليَوْمَ جَيِّدًا حِينَ تَشَبَّثْتُ بِثِيَابِهَا وَأَقْسَمْتُ عَلَيْهَا أَنْ أَخْرُجَ مَعَهَا، حِينَهَا كُنْتُ قَدْ كَسَرْتُ نَظَّارَةَ أَبِي رَغْمًا عَنِّي. حَمَلْتُ الزُّجَاجَ المَكْسُورَ، بَدَوْتُ كَعُقْلَةِ إِصْبَعٍ عَصَرَهَا الخَوْفُ فَتَضَاءَلَتْ. وَرَغْمَ أَنَّهُ عَاقَبَنِي بِالضَّرْبِ وَالرَّكْلِ حَتَّى تَكَسَّرَتْ ضُلُوعِي، إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ البَقَاءَ مَعَهُ، فَهُوَ لَنْ يَغْفِرَ لِي مُطْلَقًا، وَسَيَظَلُّ – صَاحِبُ الذَّاكِرَةِ الفُولَاذِيَّةِ – يُعَاقِبُنِي إِلَى أَنْ يَنْسَى أَوْ أَمُوتَ. يَوْمَهَا وَافَقَتْ أُمِّي اسْتِسْلَامًا لِإِلْحَاحِي وَدُمُوعِي، وَخَوْفًا عَلَيَّ مِنَ التَّلَاشِي، فَتَرَكْنَا الصِّغَارَ أَمَامَ بَيْتِ جَدِّي وَغَادَرْنَا سَوِيًّا. كُنْتُ فَرِحَةً وَهِيَ تَأْخُذُنِي مِنْ يَدِي، وَتُحَدِّثُنِي عَنْ جَمَالِهَا، وَجَسَدِهَا المَلْفُوفِ، وَحَظِّهَا العَاثِرِ.
جَلَسَتْ أُمِّي مَعَ خَالِي، وَذَهَبْتُ أَنَا لِلَّعِبِ مَعَ ابْنَتِهِ وَرَفِيقَاتِهَا. كَانَتْ أَجْمَلَ اللَّحَظَاتِ وَأَنَا أَجْرِي وَرَاءَ الرَّفِيقَاتِ، مُتَحَرِّرَةً مِنْ هَمِّ الصِّغَارِ، وَمِنْ تَسَلُّطِ أَبِي وَتَعْلِيقَاتِهِ المُحْبِطَةِ، وَبَعِيدًا عَنِ الجَوِّ البَيْتِيِّ الخَانِقِ وَإِضَاءَتِهِ البَاهِتَةِ.
جَمَعَتْنَا الدَّائِرَةُ وَتَشَابَكَتِ الأَيْدِي، وَبَقِينَا نَعُدُّ أَرْقَامًا حَتَّى عَدٍ مُعَيَّنٍ، وَمَنْ تَتَعَثَّرُ تَضَعُ ذِرَاعَيْهَا عَلَى الحَائِطِ وَتُلْصِقُ عَيْنَيْهَا المُغْمَضَتَيْنِ بِهِمَا، وَنُسْرِعُ نَحْنُ فِي الِاخْتِفَاءِ:
– أَجِي… لِسَّهْ.
– أَجِي… لِسَّهْ.
– أَجِي… تَعَالِي.
كُنْتُ أَجْرِي بِخِفَّةٍ وَسَعَادَةٍ، أُقَابِلُ نَسَمَاتِ الهَوَاءِ بِذِرَاعَيْنِ مَمْدُودَتَيْنِ، وَكَأَنِّي أُجَرِّبُ الطَّيَرَانَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، مُتَنَاسِيَةً – كَصَغِيرَةٍ تَلْهُو – عِبْءَ هُمُومِي الكَبِيرَةِ.
اخْتَبَأْتُ وَرَاءَ بَيْتٍ لَمْ يَكْتَمِلْ بِنَاؤُهُ، جُدْرَانُهُ مِنَ الطُّوبِ الأَحْمَرِ، حَوْلَهُ أَكْوَامٌ مِنَ الرِّمَالِ وَبَرَامِيلُ مُمْتَلِئَةٌ بِالمَاءِ. سَمِعْتُ صَوْتَ صُرَاخٍ مَكْتُومٍ، لَمْ أَهْتَمَّ، خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ مَقْلَبًا مِنْ ابْنَةِ خَالِي وَرَفِيقَاتِهَا، فَتَشَبَّثْتُ بِالجِدَارِ غَيْرَ آبِهَةٍ بِشَيْءٍ. مَعَ الوَقْتِ ازْدَادَ وُضُوحُ الصُّرَاخِ وَارْتَفَعَ. شَعَرْتُ بِالقَلَقِ. تَفَقَّدْتُ ضَحِكَاتِ البَنَاتِ وَصَوْتَ قَفَزَاتِهِنَّ، وَعَفَارَةَ التُّرَابِ إِثْرَ وَقْعِ أَقْدَامِهِنَّ عَلَى الأَرْضِ فَلَمْ أَصِلْ إِلَى شَيْءٍ. تَحَوَّلَ الصُّرَاخُ المُتَقَطِّعُ إِلَى صُرَاخٍ دَائِمٍ، وَبَدَأْتُ أَسْمَعُ صَوْتَ ازْدِحَامٍ وَعِرَاكٍ. خَرَجْتُ مِنْ وَرَاءِ الجِدَارِ بِحَذَرٍ، وَجَدْتُ “لَمَّةً” كَبِيرَةً أَمَامَ البَيْتِ، وَرَجُلًا طَوِيلًا يَخْرُجُ مِنَ الدَّاخِلِ مُهَرْوِلًا وَخَلْفَهُ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ، عَلَى ذِرَاعَيْهِ طِفْلَةٌ صَغِيرَةٌ شَعْرُهَا أَصْفَرُ انْسِيَابِيٌّ قَصِيرٌ، تَرْتَدِي جُونْلَةً قَصِيرَةً وَبُلُوزَةً “كَاتْ”. تَبْدُو كَأَنَّهَا مَيْتَةٌ. الدَّمُ يَتَدَفَّقُ عَلَى رِجْلَيْهَا، وَيَتَسَاقَطُ عَلَى قَمِيصِ الرَّجُلِ وَبِنْطَالِهِ. أَصْوَاتُ النَّاسِ مَا بَيْنَ لَيِّنٍ وَأَجَشَّ تَزْعَقُ:
– إِسْعَافٌ، إِسْعَافٌ.
يَتْبَعُهُمْ بَعْضُ الرِّجَالِ وَفِي أَيْدِيهِمْ شَابٌّ صَغِيرٌ، عَلَى وَجْهِ كَدَمَاتٌ مِنْ أَثَرِ الضَّرْبِ العَنِيفِ، يَسُبُّونَهُ بِأَبْشَعِ الأَلْفَاظِ، وَيَبْكِي صَارِخًا:
– مَعْمِلْتْشْ حَاجَةٍ!
يَرِنُّ صَوْتُ الصَّفْعَةِ تِلْوَ الصَّفْعَةِ عَلَى قَفَاهُ.
– امْشِي يَا ابْنَ الكَلْبِ.
النِّسَاءُ حَوْلِي عَاصِبَاتُ الرَّأْسِ، يَتَحَسَّرْنَ عَلَى الشَّرَفِ الَّذِي ضَاعَ هَدَرًا. تَتَجَمَّعُ الصَّغِيرَاتُ مُسْتَفْسِرَاتٍ:
– إِيهْ إِلِّي حَصَلْ يَا خَالَةْ، هُوَ قَتَلْهَا!
تَتَبَادَلُ النِّسَاءُ نَظَرَاتِ الحَسْرَةِ، يُرَبِّتْنَ عَلَى ظُهُورِنَا ثُمَّ يُصَفِّقْنَ بِكُفُوفِهِنَّ قَائِلَاتٍ: يَا حَوْلَ اللهِ.
لَا أَحَدَ يُجِيبُ عَن تَسَاؤُلَاتِنَا. فَنُحَدِّقُ فِي بَقَايَا الدَّمِ، وَالعُقُولُ تَنْسُجُ خَيَالَاتٍ مُرْعِبَةً. رَأَيْتُ الهَلَعَ فِي عُيُونِ رَفِيقَاتِي الصَّغِيرَاتِ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ انْسَلَّتْ مِنَ الزَّحْمَةِ وَهِيَ مَذْهُولَةٌ، وَاسْتَنَدَتْ إِلَى حَائِطٍ مُغَايِرٍ، وَأَنَا فَعَلْتُ مِثْلَهُنَّ تَمَامًا.
– يَعْنِي إِيهْ؟ هِيَّ هَتْمُوتْ!
انْتَظَرْتُهُنَّ كَثِيرًا لِنُكْمِلَ الاسْتِغْمَايَةَ، لَكِنَّهُنَّ ظَلِلْنَ يُسْنِدْنَ ظُهُورَهُنَّ عَلَى جِدَارِ البَيْتِ الَّذِي لَمْ يَكْتَمِلْ بِنَاؤُهُ.
ظَلَّتْ عَائِلَتِي تَتَحَدَّثُ كُلَّ لَيْلَةٍ عَنْ يَاسَمِينَ، وَفِي الصَّبَاحِ يُرْسِلُنِي عَمِّي لِشِرَاءِ “الجُمْهُورِيَّةِ” وَحَجْزِ “الأَهْرَامِ” المَسَائِيِّ. حَكَى فِي مَجْلِسِنَا اللَّيْلِيِّ عَنْ قِصَصٍ تُشْبِهُ قِصَّةَ يَاسَمِينَ، كَقِصَّةِ الفَتَاةِ الَّتِي حَمَلَتْ مِنْ مَلَابِسِ أَخِيهَا. حَرَّكَتْ أُمِّي شَفَتَيْهَا، وَبَكَتْ جَدَّتِي تَأَثُّرًا. صَبَاحًا وَجَدْنَا النَّاسَ يَلْتَفُّونَ حَوْلَ عَمِّي لِيَقْرَأَ لَهُمُ الخَبَرَ، سَارَتْ تِلْكَ الحَادِثَةُ “لُبَانَةً” فِي فَمِ نِسَاءِ حَارَتِنَا وَرِجَالِهَا وَالبَلَدِ كُلِّهِ.
اعْتَادَتْ نِسَاءُ حَارَتِي الخُرُوجَ بَعْدَ العَصْرِ وَالجُلُوسَ عَلَى المَصَاطِبِ، كُلُّ وَاحِدَةٍ تَحْكِي مَا تَعْرِفُهُ. كُلُّهُنَّ أَشْفَقْنَ عَلَى الفَتَاةِ الَّتِي ارْتَدَتْ مَلَابِسَ أَخِيهَا الدَّاخِلِيَّةَ وَحَمَلَتْ مِنْهُ، وَتَحَدَّثْنَ عَنْ شَرَفِهَا وَنُبْلِهَا وَعَنْ سُوءِ طَالِعِهَا. وَحِينَ أَتَتْ سِيرَةُ يَاسَمِينَ، فَتَاةِ البَيْتِ الَّذِي لَمْ يَكْتَمِلْ بِنَاؤُهُ، بَادَرْنَ بِوَصْفِ خَلَاعَتِهَا:
– حَدٌّ يُصَدِّقُ أَنَّهَا بِنْتٌ تِسْعَةَ سِنِينَ!
ثُمَّ تَحَدَّثْنَ عَنْ أُمِّهَا المِصْرَاوِيَّةِ إِلَّيْ
“بِتِلْبِّسْهَا عُرْيَانْ” وَعَنِ “الوَادِ المُرَبَّى ابْنِ الرَّاجِلِ صَاحِبِ مَحَلِّ الأَجْهِزَةِ الكَهْرَبَائِيَّةِ”، الَّذِي تَبَرَّعَ لِلجَامِعِ الكَبِيرِ بِمِرْوَحَةِ سَقْفٍ.
– وَدَهْ يُرْضِي رَبِّنَا؟ دَهْ حَتَّى أَبُوهُ دَابِحٌ عِجْلَ العِيدِ إِلِّي فَاتْ.
ذَاتَ لَيْلَةٍ، سَمِعْتُ أَصْوَاتَ وَأْوَءَاتٍ تَأْتِي مِنَ البَيْتِ المُقَابِلِ لَنَا، عَلِمْتُ أَنَّ جَارَتَنَا وَضَعَتْ طِفْلَهَا الثَّالِثَ، وَكَانَتْ لَا تُطِيقُ الجُلُوسَ بِهِ دَاخِلَ البَيْتِ، فَخَرَجَتْ بِهِ بَعْدَ أُسْبُوعَيْنِ مِنَ الوِلَادَةِ، جَلَسَتْ عَلَى المَصْطَبَةِ. وَكُلَّمَا بَكَى أَلْقَمَتْهُ ثَدْيَهَا، وَكَانَ دَائِمًا يَنْعَسُ وَهِيَ لَا تَنْتَبِهُ لِعُرْيِهَا، لِانْشِغَالِهَا بِالرَّائِحِ وَالجَايِ: الجَارَاتِ، وَالبَقَّالِ، وَالسَّمَكَرِيِّ المُتَجَوِّلِ الَّذِي يَقُومُ بِتَصْلِيحِ “وَابُورِ الجَازِ”، وَالنِّسَاءِ الذَّاهِبَاتِ لِلتَّسَوُّقِ. تَتَحَدَّثُ مَعَهُمْ عَنْ سِعْرِ الطَّمَاطِمِ وَاللَّحْمِ، وَهُمُومِ العِيَالِ. وَلَا تَنْسَى أَنْ تَتَحَدَّثَ عَنْ بَنَاتِ الحَارَةِ: “الطَّوِيلَةِ وَالسَّمْرَاءِ، وَالمَسْلُوعَةِ والثخينة”، وَتَذْكُرُ حَبْكَتَهَا فِي قِصَّةِ يَاسَمِينَ، “وَأَنَّ أُمَّهَا زَقَّتْهَا عَلَى الوَادِ وَرِيثِ أَبُوهُ”. وَفِي النِّهَايَةِ تَحْبِكُ خِلْطَتَهَا الحِكَائِيَّةَ بِأَمْثَالِهَا الشَّعْبِيَّةِ المُعْتَادَةِ. كُنْتُ أَرَاهَا مِنْ بَيْنِ ضُلْفَتَيِ الشُّبَّاكِ تَتَمَادَى فِي الحَدِيثِ وَتَسْهُو عَنْ ثَدْيِهَا العَارِي.
نِسَاءٌ أُخْرَيَاتٌ كُنَّ يَجْتَمِعْنَ بَعْدَ العَصْرِ فِي دُكَّانِ الفَاكِهَةِ عَلَى نَاصِيَةِ الشَّارِعِ، وَقْتَ أَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَ المَحَلِّ ابْنُ الفَاكِهَانِيِّ الشَّابُّ الوَسِيمُ، الَّذِي بَلَغَ الثَّلَاثِينَ وَلَمْ يَتَزَوَّجْ بَعْدُ. إِحْدَاهُنَّ تُطْعِمُهُ مِنْ طَاجِنِ الأُرْزِ المُعَمَّرِ الَّذِي صَنَعَتْهُ عَلَى الغَدَاءِ، وَلَا تَنْسَى الحَمَامَةَ المَدْسُوسَةَ دَاخِلَ حَبَّاتِ الأُرْزِ اللَّيِّنَةِ الدَّسِمَةِ، وَالأُخْرَى تُخَبِّئُ لَهُ الحَلْوَى فِي حَمَّالَةِ الصَّدْرِ، وَغَيْرُهُنَّ تَحْلِفُهُ بِأَيْمَانِ المُسْلِمِينَ أَنْ يَتَذَوَّقَ مَحْشِيَّ وَرَقِ العِنَبِ الَّذِي أَعَدَّتْهُ لِأَجْلِهِ. ثُمَّ يَتَحَدَّثْنَ عَنِ المِسْكِينَةِ الَّتِي حَمَلَتْ مِنْ مَلَابِسِ أَخِيهَا، وَكَيْفَ تَصِيرُ أُمَّ الطِّفْلِ وَعَمَّتَهُ فِي آنٍ وَاحِدٍ. وَيَذْكُرْنَ قُبْحَ يَاسَمِينَ وَطُمُوحَ عَائِلَتِهَا الزَّائِدَ عَنْ حَدِّهِ.
كَانَتْ قَسْوَةُ أَبِي تَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنَ الرَّكْلِ، فَظَلَّ لَا يَعْتَرِفُ بِكَلِمَةِ مَصْرُوفٍ، لِذَا كُنْتُ أُسَاعِدُ جَدَّتِي فِي أُمُورِ البَيْتِ الكَبِيرِ، أَمْلَأُ لَهَا “الجَرَاكِنَ مِنَ الطُّرُمْبَةِ”، وَأَشْتَرِي لَهَا الطَّمَاطِمَ مِنَ السُّوقِ، وَأَذْهَبُ إِلَى “الغِيطِ” أَجْمَعُ الجِرْجِيرَ وَالبَقْدُونِسَ، فَتَكُونُ مُكَافَأَتِي “شِلْنًا” وَأَحْيَانًا عَشَرَةَ “صَاغٍ” تَبَعًا لِرِضَاهَا عَنْ جُهْدِي. أَجْرِي إِلَى البَقَّالِ فَرِحَةً “أَتَحَنْجَلُ” وَأُدَنْدِنُ أُغْنِيَةَ “حِلْوَةٍ يَا زُوبَة”. سَرِيعًا أَكْتُمُ أَنْفِي ضَجَرًا مِنْ رَائِحَةِ الجَازِ الَّذِي يُعَبِّئُهُ لِزَبَائِنِهِ، وَأَقِفُ بَيْنَ نِسَاءِ الحَارَةِ وَهُنَّ يَتَمَايَلْنَ يَمِينًا وَيَسَارًا، يَتَدَلَّلْنَ ضَاحِكَاتٍ مَعَ البَقَّالِ وَرِفَاقِهِ.
يَنْظُرُ إِلَيَّ مُحْتَدًّا:
– عَايِزَةْ إِيهْ يَا بِنْتْ.
– عَايِزَةْ بِشِلْنْ سُكَّرِ نَبَاتْ يَا عَمْ.
يُنْهِي طَلَبَاتِ زَبَائِنِهِ، وَيَمْلَأُ كَفَّيَّ الصَّغِيرَتَيْنِ بِسُكَّرِ النَّبَاتِ، وَيَتْرُكُ السِّتَّ دَلَالْ تَعْبِئُ السُّكَّرَ.
أَذْهَبُ إِلَى بَيْتِ جَدَّتِي، أَمْنَحُهَا بَعْضًا مِنْ حَبَّاتِ السُّكَّرِ، فَتَسْتَحْلِفُنِي أَنْ أَعُودَ لِلْبَقَّالِ
“قَبْلَ الدُّنْيَا مَا تِلِيلْ”؛ لِأَشْتَرِيَ غِطَاءً لِلْمَبَّةِ. أَلُفُّ وَجْهِي عَائِدَةً إِلَى البَقَّالِ، أَجِدُهُ يَقِفُ عَلَى بَابِ الدُّكَّانِ الخَشَبِيِّ يَنْظُرُ يَمِينًا وَيَسَارًا، أَتَوَقَّفُ مُتَابِعَةً سِرَّ تَحَيُّرِهِ البَادِي. أَتَفَاجَأُ بِالسِّتِّ دَلَالْ تَخْرُجُ خَلْفَهُ، وَجُيُوبُهَا مُكتظة بحبات الشوكولاتة، التي تتساقط كلما أسرعت. وَفِي يَدِهَا كِيسَانِ مِنَ السُّكَّرِ الأَبْيَضِ. أُتَابِعُهَا وَهِيَ تَسِيرُ مُرْتَبِكَةً، تَضَعُ السُّكَّرَ عَلَى عَتَبَةِ بَيْتِ يَاسَمِينَ، تَقُومُ بِرَبْطِ شَالِهَا المَفْكُوكِ. تَلُوكُ قِطْعَةَ لُبَانٍ كَبِيرَةً، تُهَذِّبُ مَلَابِسَهَا، تَدْفَعُ اللُّبَانَ مِنْ فَمِهَا عَلَى السُّلَّمِ، ثُمَّ تَتْفُلُ عَلَى عَتَبَاتِهِ بِقُوَّةٍ، وَهِيَ تَسُبُّ وَتَلْعَنُ فِي البِنْتِ الَّتِي لَوَّثَتْ شَرَفَ الحَارَةِ وَأَضَاعَتْ هَيْبَتَهَا.
تَمُرُّ عَيْنَايَ عَلَى كَوْنِي الصَّغِيرِ، أَرَى اليَاسَمِينَ فِي شُرْفَتِي يَنْزِفُ دَمًا، يُخَايِلُنِي زُجَاجُ نَظَّارَةِ أَبِي المَكْسُورُ. أُخَبِّئُ عُقْلَةَ الإِصْبَعِ كُلَّ لَيْلَةٍ تَحْتَ وِسَادَتِي، أَتَهَيَّأُ لِلنَّوْمِ، لَكِنِّي لَا أَنَامُ.
عُقْلَةُ الإِصْبَعِ تَتَلَوَّى تَحْتَ الوِسَادَةِ وَأَنَا أَزْدَادُ طُولًا، النِّسَاءُ فِي الشَّوَارِعِ يَمْضَغْنَ العِلْكَ لَيْلًا، يَسْهَرْنَ عَلَى عَتَبَةِ دُكَّانِ الفَاكِهَانِيِّ. جَارَتِي تَتْرُكُ ثَدْيَهَا عَلَى السُّلَّمِ، وَتَجُرْجِرُ لِسَانَهَا الطَّوِيلَ. فَجْرًا تَتَحَدَّثُ عَنْ بَابِ بَيْتِ يَاسَمِينَ المَوْصُودِ، وَهُرُوبِ أُسْرَتِهَا مِنَ العَارِ. فِي الصَّبَاحِ أَرْتَدِي سَخَطِي، أَسِيرُ بَيْنَ غَرَابَتَيْنِ، أَسْمَعُهُمْ يُهَنِّئُونَ الحَاجَّ بِبَرَاءَةِ ابْنِهِ مِنْ تُهْمَةِ العِرْضِ. أَمُرُّ عَلَى بَيْتِ خَالِي وَأَنَا فِي طَرِيقِي إِلَى الجَامِعَةِ، أَرَى الصَّغِيرَاتِ لَازِلْنَ يُسْنِدْنَ ظُهُورَهُنَّ عَلَى البَيْتِ الَّذِي لَمْ يَكْتَمِلْ بِنَاؤُهُ، فَأَتَوَجَّعُ مِنْ رَكْلَةِ أَبِي الأَخِيرَةِ، وَأَشْتَاقُ لِلَعِبِ الاسْتِغْمَايَةِ.








