خيانة النقد

osama kamal

أسامة كمال أبو زيد

ليست أخطر خيانات الأدب تلك التي تأتيه من خصومه، وإنما تلك التي تأتيه أحيانا من الذين يقفون على أبوابه باسم النقد. فالناقد لا يدخل النص دائما خاليا من ظلاله؛ قد يدخل ومعه ذائقته، وصداقاته، وخصوماته، ومنافساته، وأحيانا قلبه أيضا. وحين يحدث ذلك، يصبح الحكم على الكتاب حكما على صاحبه، أو على موقعه في الخريطة الأدبية، لا على ما كتبه بالفعل.

تشارلز ديكنز يقدم لنا حكاية كاشفة. كان القراء الإنجليز مولعين به، وكانت الملكة فيكتوريا نفسها تقرأ أعماله بإعجاب، بينما وقف الناقد جورج هنري لويس في الجهة الأخرى، يراه كاتبا ميلودراميا، مفرطا في العاطفة والمصادفات، يصنع شخصياته بصورة كاريكاتورية، ويخاطب القارئ الذي يريد أن يضحك ويبكي أكثر مما يريد أن يفكر. وكان لويس يضع في المقابل جورج إليوت، الروائية التي ارتبط بها عاطفيا وفكريا، ويرى في كتابتها عمقا فلسفيا وجدية فنية لا يجدها عند ديكنز.

قد يكون في بعض هذا الحكم ما يمكن مناقشته فنيا، لكن السؤال الذي يظل معلقا في الهواء: أين ينتهي المعيار النقدي، وأين يبدأ الهوى؟

فالناقد ليس آلة قياس، وقد تختلط عنده الذائقة بالإعجاب، والإعجاب بالموقف، والموقف بعلاقات لا تظهر في النص. وربما لهذا كان تاريخ النقد مليئا بأحكام تبدو لنا اليوم غريبة، لا لأن أصحابها كانوا قليلي الذكاء، وإنما لأنهم كانوا يرون الأدب من داخل زمنهم، ومن داخل مصالحهم ومنافساتهم أيضا.

ديكنز نفسه احتاج إلى أجيال أخرى كي تستعيد القراءة جانبا من عظمته. جاء جورج أورويل وإدموند ويلسون، فظهرت في عالمه الروائي طبقات لم يرها النقد القديم بسهولة: حس اجتماعي عميق، ووعي نفسي، وسخرية، ورموز، ومآس إنسانية تختبئ خلف ذلك العالم الصاخب الذي كان بعض النقاد يراه مجرد تسلية.

وهناك هيرمان ميلفيل، صاحب موبي ديك. صدرت الرواية سنة 1851، فلم تستقبل بما يتناسب مع قيمتها التي نعرفها اليوم، وانحسر اسم ميلفيل نفسه حتى كاد يختفي. لم يكن النص قد تغير، وإنما تغيرت العيون التي تقرأه. وبعد عقود عاد الكاتب من الظل، وعادت موبي ديك واحدة من علامات الأدب العالمي.

ومارسيل بروست دخل معركته الخاصة مع سانت-بوف، الناقد الفرنسي الكبير، لأنه رأى أن الناقد قد يخطئ حين يقرأ الكاتب من خلال حياته وعلاقاته ومكانته الاجتماعية، بدلا من أن يترك العمل نفسه يتكلم. كأن بروست كان يقول لنا إن حياة الكاتب قد تضلل الناقد عن كتابه، وإن معرفة الاسم أحيانا تكون حجابا بين العين والنص.

حتى شوبنهاور، الذي لم يكن رحيما بالنقاد، رأى أن الناقد الجيد نادر ندرة العنقاء. وربما كان يرى ما نراه نحن أيضا: أن أصعب شيء في النقد ليس اكتشاف العيوب، وإنما أن تكون عادلا حين تحب، وعادلا حين تبغض، وموضوعيا حين يكون اسم الكاتب قد سبق الكتاب إلى ذهنك.

ولذلك أخطأ غوته وفولتير وغيرهما من كبار العقول في أحكامهم على أدباء وفنون عصرهم. لم تكن عظمتهم عصمة، ولم يكن اتساع أفقهم كافيا دائما لحمايتهم من ذائقتهم الشخصية.

وهنا تكمن الخيانة في صورتها الأكثر خفاء: أن يصبح الكاتب صديقا، فيصبح النص أجمل؛ وأن يصبح خصما، فيصبح النص نفسه أقل قيمة؛ أن يدخل شاعر إلى الناقد باسمه، لا بقصيدته؛ وأن يخرج الحكم قبل أن تبدأ القراءة.

وفي أدبنا المصري من القسوة والفواجع ما تنوء الكتب بحمله أو التعبير عنه؛ أسماء عبرت إلى الظل، وأسماء أحاطتها الأضواء، وأعمال لم تأخذ دائما ما تستحقه من الإنصاف، لا لأن الأدب كان عاجزا عن الكلام، وإنما لأن بعض الأصوات التي كان يفترض أن تساعده على الوصول إلى القارئ كانت تحمل معها أحيانا شيئا آخر غير النص.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نحاكم النقد كله بسبب نقاده. فالنقد العظيم قادر على أن ينقذ كتابا من النسيان، وأن يعيد اكتشاف كاتب بعد عقود، وأن يرى في النص ما لم تره عيون عصره. لكن عليه، قبل كل شيء، أن يتذكر أن مهمته ليست صناعة المجد ولا صناعة النسيان….مهمته أن يقرأ.

أن يضع الاسم جانبا، والصداقة جانبا، والخصومة جانبا، ثم يقف أمام النص وحده.فالأدب أطول عمرا من النقاد، وما يظنه ناقد اليوم نهاية كاتب، قد يكون في الغد بداية اكتشافه.

وربما لهذا لا يبقى في النهاية إلا السؤال الذي لا يستطيع الهوى أن يجيب عنه:هل أحببت النص لأنه جميل، أم رأيته جميلا لأنني أحببت صاحبه؟

 

كاتب وشاعر مصري. من أعماله: لك الموت يا راعى اليمامة 2000 رائحة الغياب 2013 بورسعيد شهادات في الحرب والحب كتابة…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع