د. هند محسن حلمي
ثمة خراب لا تُسمع له أصوات الانهيار، ولا تتناثر في أعقابه الحجارة، وإنما يحدث في مكان أكثر استعصاءً على الرؤية: داخل المعنى. هناك، حيث لا تسقط الجدران وإنما تسقط الثقة بها، ولا تغيب الوجوه وإنما تغيب دلالاتها، ولا يموت الإنسان بالضرورة، لكنه يفقد شيئًا من قدرته على التعرف إلى نفسه وإلى العالم. ولعل هذا هو الخراب الأكثر فتكًا؛ أن تظل الأشياء في أماكنها، فيما تغادرها الأسباب التي جعلتها جديرة بالبقاء.
من هذه العتبة الوجودية يمكن الدخول إلى قصيدة «في هباء المعنى» للشاعر محمد العويطي؛ وهي تجربة لا تقف عند حدود البوح بالخذلان، ولا تكتفي بتسجيل مرارة الفقد، وإنما تحاول أن تجعل من الانكسار سؤالًا فلسفيًا مفتوحًا على طبيعة الوجود الإنساني، وعلى هشاشة القيم التي يتكئ عليها الإنسان في رحلته. فالقصيدة لا تسأل عن الذين غادروا فحسب، بل عن العالم الذي جعل المغادرة ممكنة، ولا ترثي الأشياء التي ضاعت بقدر ما ترثي المعاني التي كانت تمنحها قيمتها.
إنها كتابة تنطلق من جرح شخصي، لكنها لا تظل أسيرة خصوصيته؛ إذ تتسع تدريجيًا لتصبح مساءلة للإنسان في علاقته بالآخر، وللجماعة في علاقتها بالقيم، وللذاكرة في علاقتها بالماضي، وللشعر نفسه في مواجهة عالم تتناقص فيه مساحة اليقين.
ولعل أول ما يستوقفنا أن العنوان لا يقدم المعنى بوصفه حقيقة مفقودة، وإنما يضعه في مواجهة الهباء، وكأننا أمام جوهر يتعرض للتآكل، أو حقيقة تفقد كثافتها كلما حاول الإنسان الإمساك بها. إن «الهباء» ليس فراغًا عاديًا؛ إنه بقايا الأشياء بعد أن تفقد قدرتها على التماسك، وهو ما يجعل العنوان مشحونًا بمفارقة فلسفية: كيف يمكن للمعنى أن يكون موجودًا ومتبخرًا في آن واحد؟
هنا لا يعود الفراغ نقيضًا للامتلاء، بل يصبح شكلًا من أشكال الامتلاء الزائف؛ عالم مزدحم بالوجوه والكلمات والشعارات والروابط، لكنه عاجز عن إنتاج الطمأنينة. ومن ثم يمكن قراءة العنوان باعتباره إعلانًا عن أزمة لا تخص الأشياء، وإنما تخص علاقتنا بها؛ فربما لم يتغير العالم وحده، وإنما انكشفت لنا المسافة بين صورته التي أحببناها وحقيقته التي لم نكن نريد رؤيتها.
يفتتح الشاعر نصه بقوله:
«لا شيء في هذا الفراغ سوى الصدى»
إنها بداية تضعنا مباشرة أمام مفارقة الحضور والغياب. فالصدى صوت بلا صاحب حاضر، وذاكرة صوتية لشيء انقضى، ووجود لا يستطيع أن يؤكد أصالته إلا بالإحالة إلى ما سبقه. ولذلك فإن اختيار الصدى ليكون الناجي الوحيد من الفراغ ليس تفصيلًا تصويريًا عابرًا؛ إنه تأسيس لرؤية كاملة ترى أن ما يتبقى من بعض التجارب الإنسانية ليس حقيقتها، وإنما أثرها.
والأكثر دلالة أن الصدى لا يكتفي بتجسيد الغياب، بل يفضح استحالة استعادة الأصل. فما يعود إلينا ليس الصوت نفسه، وإنما صورته المرتدة، وما نستعيده من بعض العلاقات ليس دفء التجربة، بل ارتدادها في الذاكرة. وهكذا تتحول البداية إلى استعارة كبرى للإنسان الذي يعيش بين أصداء ماضيه، ويحاول أن يجد في الأصوات المرتدة ما لم يعد موجودًا في الواقع.
ثم ينتقل الشاعر إلى صورة «الناس تسجد للرماد»، وهي من الصور التي تمنح النص بعدًا يتجاوز الانفعال الفردي إلى النقد الأخلاقي والحضاري. فالرماد هو ما يتبقى بعد أن تستنفد النار وجودها، وهو شاهد على الاحتراق أكثر من كونه دليلًا على الحياة. لكن الشاعر يمنحه فعلًا تعبديًا، فيقلب العلاقة بين الإنسان والشيء، ويجعل البقايا موضع خضوع.
إننا أمام استعارة لا تسخر من التعلق بالماضي فحسب، بل تكشف مأساة تقديس المظاهر بعد احتراق الجوهر. فالرماد هنا يمكن أن يكون صورة للقيم التي احتفظ المجتمع بأسمائها وتخلى عن مضمونها؛ للوفاء حين يصبح شعارًا، وللأخوة حين تتحول إلى قرابة بلا رحمة، وللانتماء حين يُختزل في طاعة عمياء.
وإذا كان الصدى هو بقايا الصوت، فالرماد هو بقايا النار؛ وبين الصورتين تتشكل ثنائية لافتة: الأولى تمثل غياب المعنى في اللغة، والثانية تمثل غيابه في الفعل. وكأن الشاعر يرسم عالمًا لا يستطيع فيه الإنسان أن يسمع الحقيقة أو يلمسها، وإنما لا يجد سوى آثارها الباهتة.
وتزداد هذه الرؤية وضوحًا مع صورة بيع الوهم في سوق الكساد. هنا تتحول اللغة الشعرية إلى ما يشبه الاقتصاد الرمزي؛ فالأوهام تُعرض، والمواقف تُشترى، والصمت يدخل دائرة التداول. إنها ليست مجرد استعارة عن النفاق، بل عن عالم اختلت فيه معايير القيمة، حتى أصبح الزيف قابلًا للتسويق، وأصبحت الحقيقة نفسها سلعة لا تجد من يشتريها.
وفي هذا الموضع يمكن استدعاء عبارة والتر بنيامين في أطروحاته عن فلسفة التاريخ: «ليس هناك وثيقة من وثائق الحضارة إلا وهي في الوقت نفسه وثيقة من وثائق الهمجية». وهي مقولة تفتح أفقًا لقراءة التناقض بين المظهر الحضاري والحقيقة الأخلاقية؛ فليس كل ما يبدو منظمًا عادلًا، ولا كل ما يحمل اسم الانتماء يحفظ كرامة الإنسان. وقد يكون الخراب أكثر قدرة على التخفي حين يرتدي ثياب الفضيلة.
لكن العويطي لا يحصر المأساة في فساد الجماعة، بل ينقلها إلى سؤال الوعي نفسه:
«ماذا ستفعل حين ينطفئ السؤال؟»
هنا تبلغ القصيدة إحدى لحظاتها الفلسفية الأكثر إثارة. فالاستفهام لا يتعلق بإجابة ضائعة، بل بإمكانية انطفاء السؤال ذاته. والفرق بين الأمرين جوهري؛ فغياب الإجابة يترك باب البحث مفتوحًا، أما غياب السؤال فيعني أن الوعي قد فقد قدرته على الاعتراض، وأن الإنسان استسلم لعالم لم يعد يرى ضرورة لمساءلته.
إن السؤال هو آخر أشكال الحرية الداخلية؛ به يرفض الإنسان أن يتعامل مع المألوف باعتباره صحيحًا، وبه يستعيد حقه في الشك والتفكير وإعادة تسمية الأشياء. وحين ينطفئ، لا يصبح العالم أكثر وضوحًا، وإنما يصبح أكثر قدرة على فرض أوهامه.
ومن هنا تكتسب صورة اغتيال أجنحة الخيال دلالتها العميقة؛ فالخيال ليس هروبًا من الواقع، بل قدرة على تصور ما يتجاوزه. إنه المسافة التي تفصل الإنسان عن سجنه، حتى حين لا يستطيع مغادرته فعليًا. وحين تُغتال الأجنحة، يصبح الواقع قدرًا مغلقًا، ويغدو الحلم فعلًا محاصرًا قبل أن يولد.
إن الشاعر يضعنا أمام سؤال شديد الحساسية: هل يستطيع الإنسان أن يحتفظ بحريته إذا فقد حقه في تخيلها؟
وتتخذ القصيدة بعدًا آخر حين تدخل القرية إلى المشهد:
«في قريتي.. ماتت عصافير الحقول من الظما»
إن القرية هنا ليست مجرد مكان جغرافي، وإنما ذاكرة أولى، ومخزن للحميمية، وصورة للمكان الذي يتعلم فيه الإنسان أسماء الأشياء قبل أن يتعلم أسماء الخسارات. لذلك فإن موت العصافير لا يقتصر على المشهد الطبيعي، بل يصبح موتًا رمزيًا للخفة والحرية والبهجة.
والعطش في هذه الصورة ليس احتياجًا إلى الماء وحده، بل احتياج إلى الحياة في أبسط شروطها. أما جفاف الريح، بما يحمله من انزياح عن طبيعتها المادية، فينقل الخراب من الكائنات إلى عناصر الطبيعة نفسها؛ وكأن العالم لم يعد قادرًا على أداء وظائفه الأولى.
وهنا تتشكل علاقة عضوية بين الطبيعة والنفس: الطبيعة لا تصف حزن الشاعر من الخارج، وإنما تتكلم بلسانه. العصافير تحمل عطشه، والريح تحمل جفافه، والقرية تحمل ذاكرته. وهذا التداخل بين الداخل والخارج من أبرز ملامح التشكيل الجمالي في النص.
غير أن أكثر ما يستحق التوقف هو أن الشاعر لا يكتفي برثاء المكان، بل يجعل الانتماء نفسه موضوعًا للمساءلة. فالقرابة والعشيرة والأخوة، وهي مفردات تحمل في أصلها دلالات الحماية والألفة، تظهر في سياق تتراجع فيه هذه الدلالات أمام الحواجز والخذلان.
وهنا تتحول القصيدة إلى تشريح لفكرة الآخر. فالإنسان لا يكتشف وحدته فقط عندما يبتعد عنه الناس، بل عندما يكتشف أن القرب المكاني أو الاجتماعي لا يضمن القرب الإنساني. وقد يكون أشد أشكال الغربة أن تكون بين أهلك ولا تجد فيهم ما كنت تنتظره من الأمان.
وحين يستدعي الشاعر الأصدقاء الذين يتساقطون كالدخان من الشقوق، فإنه يختار صورة تنطوي على حساسية بلاغية واضحة؛ فالدخان لا يترك أثرًا يمكن الإمساك به، ولا يعلن اختفاءه في لحظة واحدة. إنه يتسرب ويتبدد، ويترك العين أمام حضور يتلاشى بينما تحاول الذاكرة الاحتفاظ به.
والشقوق هنا ليست مجرد منافذ للاختفاء، بل إشارات إلى تصدعات سابقة في بنية العلاقة. فربما لم يكن الرحيل بداية الخراب، وإنما كانت هناك شقوق صغيرة لم نرها، حتى صار الغياب نتيجة نهائية لما تراكم في الخفاء.
وهذا يفتح مجالًا لتأويل أكثر عمقًا: إن بعض العلاقات لا تموت حين ينتهي أصحابها من الكلام، وإنما تموت حين يفقد الكلام قدرته على ترميم ما انكسر.
أما صورة بيع الموانئ القديمة، فهي من أكثر الصور قابلية للتأويل الرمزي. فالميناء فضاء للعبور، ومكان للانتظار، وذاكرة للرحلات التي انتهت وتلك التي لم تبدأ بعد. إنه الحد الفاصل بين الثبات والمغامرة، بين الوطن والعالم. وحين يُباع، يصبح البيع رمزًا للتخلي عن الذاكرة وعن حق الإنسان في العودة.
وفي مقابل الميناء الذي يُباع، يأتي الصمت الذي يُشترى؛ وكأن الشاعر يبني تقابلًا بين ما ينبغي الحفاظ عليه وما ينبغي رفضه. تُباع الذاكرة، ويُشترى السكوت؛ يُهدر التاريخ، وتُكافأ المساومة. إنها مفارقة أخلاقية تكشف أن الخراب لا يصنعه الغائبون وحدهم، وإنما يشارك فيه أولئك الذين يختارون الصمت حين يصبح الكلام ضرورة.
ثم تعود الذات إلى جسدها، إلى الدم والجرح والخيام، فيتحول الفقد من قضية اجتماعية إلى إقامة نفسية:
«وبنت خيام الجرح في أقصى دمي»
هذه الصورة ليست مجرد تعبير عن عمق الألم، وإنما عن تحوله إلى مكان. فالجرح لم يعد حدثًا وقع وانتهى، بل صار مساحة للسكن، والخيمة التي توحي عادة بالمؤقت تتحول إلى إقامة طويلة داخل الدم.
وفي هذا الانزياح تتجسد مأساة الذاكرة؛ فالإنسان قد ينجو من الحدث، لكنه لا ينجو بالضرورة من صورته الداخلية. وقد ينتهي زمن الألم بينما يظل الألم قادرًا على إنتاج زمنه الخاص.
وهنا أرى أن القصيدة تقترب من مفهوم الاغتراب الوجودي؛ فالذات لا تشعر بأنها غريبة عن العالم وحده، بل عن صورتها السابقة أيضًا. إنها لا تستطيع العودة إلى نفسها القديمة، ولا تملك يقينًا كافيًا لصناعة ذات جديدة.
وتأتي صورة الصخرة المحمولة نحو الجبال الخاويات لتمنح هذا الاغتراب بعدًا أسطوريًا، إذ تستدعي سيزيف، الذي حمل صخرته في رحلة لا تنتهي. لكن خصوصية الصورة عند العويطي تكمن في أن الجبال نفسها خاوية؛ أي أن العبء لا يفتقد خفته فقط، وإنما يفتقد الغاية التي تمنح احتماله معنى.
وهنا يختلف المشهد عن تأمل ألبير كامو في أسطورة سيزيف، حيث يكتب في خاتمة كتابه الشهير: «علينا أن نتخيل سيزيف سعيدًا». فكامو يمنح الإنسان إمكانية صناعة موقفه من عبث الوجود، بينما يبدو صوت القصيدة مشغولًا بلحظة انكسار الغاية نفسها؛ لحظة لا يعود فيها السؤال عن القدرة على حمل الصخرة، بل عن جدوى الصعود إلى جبل لا ينتظر أحدًا.
وهذه المقارنة لا تجعل النص تابعًا للفلسفة الوجودية، وإنما تمنح صورته أفقًا أوسع؛ فالشاعر لا يستعير الأسطورة ليكررها، بل يعيد توطينها داخل تجربته الخاصة، حيث تتحول الصخرة إلى عبء الذاكرة، والجبال إلى فراغات لا تمنح وعدًا بالخلاص.
ومن الناحية البلاغية، يلفت النظر أن الصور لا تعمل منفردة، بل تتبادل الأدوار داخل شبكة دلالية متماسكة. الصدى والرماد والدخان والسراب والقبور ليست مفردات متفرقة، وإنما تنتمي إلى عالم تتراجع فيه الكثافة، وتصبح الأشياء آثارًا لما كان. وفي المقابل تظهر الأجنحة والنهار والمطر والندى بوصفها إشارات إلى عالم آخر، عالم تحاول الذات استعادته دون أن تمتلك القدرة الكاملة على ذلك.
وهنا تكمن المفارقة الجمالية الأهم: القصيدة تتشكل من صراع بين معجمين؛ معجم التبدد ومعجم الحياة. الأول يصف ما آل إليه العالم، والثاني يلمح إلى ما كان يمكن أن يكون عليه.
أما الأسئلة المتكررة فتمنح النص إيقاعًا احتجاجيًا؛ فهي لا تسعى إلى تحصيل المعرفة بقدر ما تسعى إلى فضح استحالة التعايش مع التناقضات. إن سؤال الشاعر عن انقلاب الخمر إلى دم، وعن انطواء وجه النهار، ليس سؤالًا عن تبدل الأشياء في ظاهرها، وإنما عن انقلاب وظائفها في التجربة الإنسانية. فما كان يمنح النشوة صار علامة للألم، وما كان يضيء الطريق صار عاجزًا عن كشفه.
وهذه المفارقات تمنح اللغة قدرتها على إنتاج الدهشة، لأنها لا تكتفي بتسمية الأشياء، بل تعيد ترتيب علاقاتها، وتجعل القارئ يرى المألوف من زاوية غير مألوفة.
ومع ذلك، فإن القراءة النقدية لا تكتمل بالاحتفاء وحده. فالنص، في بعض مواضعه، يراهن على كثافة المعجم المأساوي وتوالي الصور ذات الشحنة الانفعالية العالية، وهو ما قد يؤدي أحيانًا إلى تقارب بعض الصور في أثرها، وإلى تراجع المسافة التي تمنح كل صورة استقلالها وفرادتها. كما أن بعض المعاني كان يمكن أن تبلغ تأثيرًا أكبر لو تُركت للإيحاء بدلًا من استكمال شرحها بالصورة التالية.
إن قوة الصورة لا تقاس بكمية الألم الذي تحمله، بل بقدرتها على توليد ألم جديد في وعي القارئ. وقد تكون لحظة صمت واحدة، في موضعها الصحيح، أبلغ من سلسلة طويلة من مفردات الفقد.
وهذا لا ينتقص من صدق التجربة، بل يفتح أمامها أفقًا فنيًا أرحب؛ أفقًا ينتقل فيه النص من وفرة التعبير عن الوجع إلى اقتصاد التعبير الذي يجعل الوجع أكثر رسوخًا وأقل استهلاكًا.
وتأتي النهاية لتعيدنا إلى القصائد الأولى وإلى وطن الندى ومواعيد المطر. وهنا لا يبدو استدعاء البدايات مجرد حنين إلى زمن مضى، بل محاولة لقياس المسافة بين الذات التي كانت تكتب بحلم، والذات التي أصبحت تكتب بذاكرة مثقلة.
إن المطر في المخيال الشعري ليس ماءً فحسب، بل وعد بالخصب والتجدد والغسل، ولذلك فإن خيانة مواعيده تحمل معنى أعمق من تأخره؛ إنها خيبة الانتظار نفسه. فحتى الطبيعة التي كانت تمنح الذات وعدًا بالحياة تبدو الآن بعيدة عن الاستجابة.
لكن المفارقة أن الشاعر، وهو يكتب عن خيانة المطر، يصنع من القصيدة مطرًا آخر؛ مطرًا من الصور والأسئلة والذكريات، يعيد إلى الغياب صوته، ويمنح ما تلاشى فرصة للظهور من جديد.
وهنا تتبدى القيمة الأكثر عمقًا في النص: إنه لا ينجح بالضرورة في استعادة العالم، لكنه ينجح في مساءلة الطريقة التي فقدنا بها العالم. ولا يقدم خلاصًا نهائيًا من الخيبة، لكنه يحول الخيبة إلى معرفة، ويجعل من الكتابة فعلًا لمقاومة النسيان.
فالشعر، في جوهره، لا يملك أن يعيد الراحلين، ولا أن يرمم كل ما تهدم، لكنه يمتلك قدرة نادرة على إنقاذ التجربة من أن تتحول إلى عدم؛ يمنحها شكلًا، ويضع لها صوتًا، ويحولها من جرح خاص إلى سؤال إنساني قابل لأن يتقاسمه الآخرون.
خاتمة:
في نهاية المطاف، تبدو «في هباء المعنى» أقرب إلى مرثية مزدوجة؛ مرثية لعالم فقد كثيرًا من إنسانيته، ومرثية لذات تحاول أن تنجو من أثر هذا الفقد. إنها قصيدة عن الذين غادروا، وعن الذين بقوا ولم يعودوا كما كانوا، وعن الأماكن التي احتفظت بأسمائها بينما فقدت قدرتها على احتضان ساكنيها.
وإذا كان الشاعر قد اختار الهباء عنوانًا لتجربته، فإن القصيدة نفسها تقيم مفارقة مضادة لهذا الاختيار؛ فالكلمات التي تصف التبدد لا تتبدد، والصور التي تستحضر الرماد تمنح النار حياة ثانية، والذاكرة التي تتحدث عن الغياب تعيد الغائب إلى فضاء اللغة.
وهنا تتبدى إحدى حقائق الشعر الكبرى: ليس مطلوبًا من القصيدة أن تهزم الخراب، بل أن تمنعه من احتكار الرواية؛ أن تمنح الضحية حق الكلام، والذاكرة حق الشهادة، والمعنى فرصة أخيرة للظهور.
فربما لا تنجو الأشياء من الحريق، لكن الشعر يعرف كيف يحتفظ بحرارة النار؛ وربما لا تعود الوجوه التي أكلها الغياب، لكن القصيدة تستطيع أن تمنع المرايا من نسيان ملامحها.
وهذا، في تقديري، هو الرهان الجمالي الأعمق في تجربة محمد العويطي: أن يكتب عن عالم يتآكل فيه المعنى، دون أن يتنازل عن حق الشعر في البحث عنه.

















