محمد السيد الطناوي
في “دروز بلغراد” لربيع جابر ستتعلم أن أوراق الدولة وسجلاتها هي “طيات” تُنتج الواقع لا أدوات إدارية فحسب، وأن أمور مثل المرض والتعب والألم هي أيضًا “طيات” تتيح تعلمًا ربما لا تمنحه الكتب.
و”الطية” فعل يُنشئ وضعًا جديدًا، فعندما تقول جهة رسمية أنت مواطن أو أجنبي أو مطلوب فهذا معناه إدراج الجسد داخل شبكة قوانين وحدود وحقوق وعقوبات، أي أن هذه “الطية” الرسمية تغير موقعك في العالم، وتعيد تنظيم الواقع وإنتاجه وفق صورة مُرمزة.
وفي هذه الصورة لا تسبق الهوية الدولة، كما نتعرف عليها، لتأتي بعد ذلك الدولة فتنظمها، إنما الدولة هي التي تمنح الهوية طابعها الفعلي، محددة للجسد موقعه.
مع ذلك فـ”دروز بلغراد” ليست عن طغيان الدولة أو عن الهوية الملتبسة أو المأساة الفردية أو القدر القاسي، كل ذلك يمكن قوله، لكنه لا يمس ما تقدمه الراوية فعليًا، فهي تتجاوز، في طلبها من القارئ، الفهم إلى التعلم؛ وهو طموح نادر في الرواية العربية، إن لم يكن شبه معدوم.
تسعى الرواية إلى تعليمنا كيف يُجبر الفكر على التفكير عندما يتعطل التعرف، ويقع ذلك حين يعترض ربيع جابر طريقنا إلى الحكم الأخلاقي السريع، محرضًا إيانا، عبر دقة التصوير وبراعة السرد وجمال البيان، على الانخراط في تتبع مسار جسد منهك يُنقل من مكان إلى آخر، ليعاني في صمت، لكنه يتكيف ويستمر.
هذا الانخراط الجمالي يعلق سؤال العدالة، فبدل أن نفكر وفق معادلات جاهزة: ظلم/ عدل، طبيعي/استثنائي…، نسأل كيف يعيش بطل الرواية محنته؟ وكيف يحتمل ما احتمله؟ وكيف تبدل إحساسه بالزمن والهوية تحت الضغط؟.
بهذا يتعطل التعرف الذي اعتاد عقلنا أن يعمل وفقه حتى يحافظ على استقرار العالم كما نعرفه، ليبدأ التفكير عندما لا يتيح الروائي اللبناني لذهن القارئ بأن يواصل الاشتغال وفق تلك الآلية، أي يُجبر الفكر على التفكير، بعد تعرضه لصدمة أربكت عاداته الإدراكية، وجعلته يعيش التعقيد بدل أن يختزله في حكم ما.
ويقع ذلك حين يتحول حنا يعقوب بائع البيض إلى رقمٍ بديل عن آخر. هذه القابلية للاستبدال وإن بدت فكرة مألوفة، من ثم يُفترض ألا تكون صادمة، إلا أن المألوف اجتماعيًا، لا يعني أنه غير صادم أنطولوجيًا، فإن كنا قد نتعرف على أنفسنا أرقامًا في السجلات، لكننا نعيش كما لو كنا استثناءات، لتضعنا “دروز بلغراد” في مواجهة هذا التناقض سرديًا، خصوصًا حين تُعرض عن تحويل ما جرى لحنا إلى ملحمة بطولية أو إلى انتصار روحي يعوض الألم.
لا تقدم له الرواية أي تعويض رمزي أو عدالة شعرية أو تطهير أو مكافأة روحية، وكذلك لا تمنح القارئ عزاءً واضحًا، فلا حزن يتبعه تطهير، أو ظلم يعقبه إنصاف، أو معاناة تتوج بحكمة نهائية، ليسود فراغ، يتمثل في غياب أي نوع من التعويض الرمزي.
تخرج الرواية من قالب الميلودراما إلى فضاء أكثر برودة وأشد إقلاقًا، فضاء لا تختزل فيه الاثنتا عشر عامًا التي قضاها حنا في المنفى، في لحظة انفجار كبرى تمنح ما سبقها معنى نهائيًا، إنما تُعاش كتراكم بطيء، وكثقل زمني متواصل.
فلو رجع إلى بلده بشخصية مستنيرة تعبر عنها تأملات وجودية عميقة لأعادت الرواية إنتاج قالب خلاص تقليدي، لكنه لا يعود كذلك. كان يتآكل ويتكيف ويستمر في صمت، وهذا الصمت هو ما جعل التغير بنيويًا لا خطابيًا.
في التصور التقليدي نبحث عن الفكر في الأقوال، حين تصرح الشخصية بموقف أو تعلن رأيًا أو تتأمل ذاتها. يُقاس الفكر هنا بالكلمات، أما الفكر الذي تكشف عنه الرواية فلا يتمثل في مضمون ذهني إنما هو حدث يتعلق بإعادة ترتيب القوى لدى بطلها.
الفكر بهذا المعنى نمط وجود، لا خطاب، إعادة تنظيم للحساسية والإمكان، لا وعيًا معلنًا، فعندما يدخل الإنسان في وضع قسري طويل (سجن، منفى، حرب) تتغير علاقته بالمعاني الأساسية، من أمان وخوف وصداقة وزمن…، وهذه، بطبيعة الحال، ليست أفكارًا تُقال، بقدر ما هي علاقات تُعاش، والفكر هنا هو إعادة توزيع تلك القيم داخل الجسد.
كان حنا قبل النفي بائع بيض مسيحي من بيروت، يحمل هوية واضحة ومستقرة، لكن بعد إدراجه في قائمة المرحلين، تنهار هذه البنية. يصبح جزءًا من كتلة منفية، ومن جسد جماعي. ليتغير وجوده نفسه، وهذا التحول في علاقة الشخص بهويته هو تغير فكري عميق، حتى لو لم يُعبر عنه بالكلمات.
فلا تضيف اثنتا عشر عامًا من السجن والانتظار “أفكارًا” جديدة بقدر ما تغير الإيقاع الداخلي للبطل، عندما يصبح يومه أثقل، وزمنه أبطأ، وأمله أندر. في حين تكتسب الأشياء الصغيرة (ذكرى، لفتة إنسانية، خبر) وزنًا مختلفًا.
والخطأ الذي يقود بطلنا إلى هذا المصير ليس حدثاً بقدر ما هو بنية وجودية، لتفكك هذه الرؤية فكرة الحقيقة المستقرة، عندما لا تصور الرواية عالمًا نتخيله ونحيا فيه، وتوجد به الحقيقة واضحة لكن يساء تطبيقها، لننتقل إلى عالم تتحدد فيه الحقيقة بحسب موقع الفرد داخل شبكة من القوى.
فحين نقول أن حنا نقطة عبور لشبكة من القوى، فهذا يعني أن الدولة قامت بتعيينه، والسجن أعاد تشكيل نمط وجوده، والطبيعة (البرد، الجوع، المرض) عاودت تحديد حدوده.
بهذا تتخلى الرواية عن صورة يعتمدها القالب السردي المألوف عندما يفترض الإنسان مركزًا ثابتًا تتجمع حوله الأحداث، لتقدمه “دروز بلغراد” بدلًا من ذلك موضعًا تتقاطع فيه قوى متعددة، تضم السوق والطائفة والحي والعلاقات اليومية… هي الأصل الفعلي، والذات نتيجة مؤقتة لتوازن هذه القوى.
وحنا وفق ذلك ليس جوهرًا إنسانيًا يُختبر، إنما تركيبًا يتغير حسب توزيع هذه القوى، وهو ما يخرج عن تصورنا الحدسي؛ لأننا نعيش كما لو كنا نمتلك جوهرًا سابقًا على كل شيء.
في بيروت كان حنا يعقوب بائع بيض وزوجًا وأبًا ومسيحيًا. لا تحتاج هويته إلى إثبات يومي لأنها معترف بها ضمنيًا داخل هذا النسيج. غير أن هذه الحقيقة ليست جوهرًا قائمًا بذاته، هي نتيجة لتفاعل شبكة القوى التي أقررناها.
وعندما يُقتاد مع المنفيين، لا تعود “حقيقته البيروتية” ذات وزن. ليست كذبة، لكنها غير معترف بها داخل شبكة القوى الجديدة. ما كان حقيقة هنا يغدو بلا أثر هناك.
وهذا معناه أن الحقيقة مشروطة بسياقها، تتحدد بحسب موقع الفرد داخل شبكة القوى، فما يُعد حقيقيًا ليس معطى ثابتًا مستقلًا، هو وظيفة ضمن نظام من العلاقات.
والأخطر الذي تلمح له الرواية أن هذا ليس استثناءً مأساويًا، هو أمر ممكن الحدوث ضمن منطق السلطة. من ثم لا يعود الخطأ لحظة انحراف عن النظام، بل أحد مظاهر عمله. فالنظام لا ينهار حين يخطئ؛ ولا تتأثر قدرته على الاستمرار رغم الخطأ، ليستمر ربما من خلاله.
وهنا يتزعزع تصورنا البسيط عن الحقيقة بوصفها جوهر يُكتشف، ففي عالم الرواية الحقيقة وضع يُفرض، لا ماهية كامنة تنتظر الاعتراف، وما نعتبره خطأ ليس خللًا عارضًا، حيث يصوره العمل الأدبي نتيجة حتمية لبنية ترى البشر عبر تصنيفاتها، لا من خلال ذواتهم.
ولو استُبدل حنا بشخص آخر، لما تغير شيء وهنا تكمن القسوة، فالرواية لم تكن بحاجة إلى حنا يعقوب بوصفه إنسانًا فريدًا، هي فقط كانت تحتاج جسدًا يملأ الموقع. هذه البرودة البنيوية هي ما منح الرواية اختلافها وتفردها.
وجاءت النهاية وفية لتلك البرودة، حين عاد حنا إلى منزله فلم يزد عن أن احتضن زوجته وابنته وبكى. لم تكافئ النهاية صبره، ولم تُنصف معاناته، ولم تُحول ألمه إلى معنى سامٍ، مع ذلك فالرواية اعتنت بأن تخلف إحساسًا يهز القارئ من الأعماق، لا فكرة تُغلق النص عندما تختزله في معنى، لتبقيه الرواية مفتوحًا يعمل داخلك، لأنه يمس موقعك أنت داخل العالم، لا مجرد فهمك له.









