سيما رضا
ترجمة: ممدوح رزق
“لم أكن أكتب بدافع التحدي أو المنفعة أو لإثبات ذاتي. كنت أكتب لأنني أردت ذلك.”
أجلس الآن على السرير في غرفة نوم سأهجرها قريبًا، داخل المنزل الذي عليّ التنازل عنه مقابل اتفاقية حضانة عاجلة، كي أحظى بفرصة المضي قدمًا. هذا ليس الأسبوع المخصص لي، لذا أحاول الابتعاد عن الأنظار بينما يقوم زوجي السابق، الذي يكاد يكون طليقي، بإعداد الفطور لأبنائنا في الطابق السفلي.
في بنغلاديش، على الجانب الآخر من العالم، يعيش والداي خيبة أمل كبيرة من قراري، ولا يكلماني. أشعر بالغربة عن الجميع، حتى عن نفسي. ينتابني حزن عميق، وخوف نابض يلفّني. في الوقت ذاته، يتملكني شعور بالإثارة الممزوجة بالترقب لبلوغي حدود ما يُفترض بي فعله. في الطابق السفلي، أسمع قرعًا، وأصوات الأطفال العالية، وردود والدهم الخافتة.
في الطابق العلوي، تنطلق أصابعي لكتابة مقال لا يحتاج إلا لتعديل طفيف. أكتب لأن الكلمات تصاحبني. نسبة ضئيلة فقط من الكتابة تكون بهذه السهولة، وبهذا الإلحاح. إنها تلك الأشياء التي تُشعل فيك الشوق للمزيد، والحظ الذي يجعلك تشعر بالرضا لكونك فنانًا.
*
عندما انتقلت إلى منزلي الخاص؛ شقة من غرفتي نوم تبعد خمس عشرة دقيقة عن ذلك المنزل، التقيت بنفسي لأول مرة منذ أكثر من عقد. كنت أعمل بدوام كامل في تدريس الفن والكتابة في المستشفيات العسكرية، أدفع عربة ثقيلة مليئة بمستلزمات الفن إلى الأجنحة، وأوزع قصائد لمناقشتها مع المرضى الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة والأذى النفسي.
بعد طلاقي حديثًا، ومع كوني طالبة بدوام كامل، تلازمها وفاة والدها المفاجئة؛ كنت أقرأ في ساعات الصباح الباكرة جدًا قبل أن أستعد أنا والأطفال لليوم، أقوم بالتحرير على هامش مبارايات كرة القدم، وأكتب في الحافلة من وإلى العمل، وفي عطلات نهاية الأسبوع بدون أطفالي.
كنت أكتب على هامش الحياة، أكتب لأنجو. أنجزت كتابي الأول بهذه الطريقة. كتاب أنقذ حياتي. لكن ذلك لم يكن كافيًا. كنت أتوق إلى وقتٍ هادئٍ مع نفسي. أردت أن أختبر شعور أن أكون كاتبة تضع الكتابة في صميم يومها، تجعلها جوهرًا لحياتها.
مع وجود طفلين في سن الدراسة وإجازات قليلة مدفوعة الأجر، كان شرط الإقامة لمدة أسبوعين كحد أدنى في معظم البرامج الفنية أمرًا عسير التحقق. تصفحت قوائم البرامج ووضعت علامة على تلك التي قد أتقدم إليها بعد عشر سنوات. في مكان ما ضمن إحدى هذه القوائم، عثرت على برنامج صيفي في مركز الفنون الجميلة في بروفينستاون – التزام لمدة ستة أيام، وإشراف كاتب بارع – والأهم من ذلك كله، أنه بعيد كل البُعد عن كل شيء.
*
في شقة صغيرة غير مكيّفة، ذات إنترنت بطيء للغاية، تقع على بُعد مبنيين من خليج كيب كود، كنت أستيقظ كل صباح قبل الفجر، أتناول القهوة وأقرأ، ثم أتمشى على طول الخليج. أعود لأجلس مع حاسوبي المحمول على الطاولة الخشبية قبل الاستحمام وارتداء ملابسي، ثم أسير مسافة ثلاثة مبانٍ إلى شارع بيرل لحضور المحاضرة في التاسعة صباحًا.
على مدى ثلاث ساعات في غرفة بيضاء، حثّنا أستاذنا – مجموعة من الكُتّاب في مراحل مختلفة من حياتنا المهنية والشخصية – على كتابة أشياء جديدة وصعبة. عندما انتهى الدرس في الثانية عشرة ظهرًا، بقي زملائي في الصف، يخططون للغداء والسباحة، أما أنا فكنت أتسلل للخارج لأتمشى تحت أشعة الشمس الحارقة، مارةً بين زهور الشاطئ والدراجات الهوائية، عائدة إلى شقتي. كنت أحمّص شريحة من الخبز، أقسم بيضة مسلوقة إلى نصفين، وأتناول حفنة من رقائق البطاطس، ثم أجلس على الطاولة أراجع ما كتبته ذلك الصباح، القصائد التي ستصبح كتابي الثاني.
أحيانًا كنت أستلقي في سريري، وأشغّل المروحة بأقصى سرعة لأخفف حرارة الظهيرة، وأغفو. أحيانًا أخرى أقود سيارتي إلى الشاطئ وأشاهد الفقمات وهي تطفو على سطح الماء، بين خوفها من أن تلتهمها أسماك القرش ورغبتها في رؤية ما يحدث. عند الغسق، كنت أتناول عشاءً بسيطًا ثم أتجوّل في المقبرة، على أمل أن يلمحنى أحد المارة ويظنني شبحًا. أعود إلى المنزل، وأغسل الرمل عن جسدي، وأبلل شعري لأحصل على برودة خلال الليل.
خلال أسبوعي في بروفينستاون، كان كل ما أفعله يدور حول احتياجاتي الشخصية: السير على الممشى الخشبي، القراءة، الاستحمام مرتين في اليوم، أخذ القيلولة، والتجوّل في المقبرة. ضحكت على نكاتي الخاصة، وأبكيت نفسي.
في بروفينستاون، لم أكن أكتب لأني مضطرة لاقتناص وقتٍ لمعالجة ما يجري في حياتي. لم أكن أكتب بدافع التحدي أو المنفعة أو لإثبات ذاتي. كنت أكتب لأنني أردت ذلك ، ولأني فضولية، ولأنني أستطيع. كانت تلك أولى بوادر طريقٍ آخر.
عدت إلى المنزل وكتبت على ورقة: “كتاباتك ليست مفيدة لأي شخص”. ثم ألصقتها على مرآة حمامي.
*
قبل عامين، ولأول مرة منذ طلاقي قبل عقد من الزمان، انتقلت للعيش مع شريكة حياتي. أماندا التي وقعت في غرامها حقًا. يعمل كلانا من المنزل معظم الأيام – انتهى عملي في المستشفى العسكري، وأنشأت مؤسسة غير ربحية لمواصلة رسالته. يتصل مكتبي ومكتب أماندا المنزلي عبر حمّام. طوال اليوم، أكبح رغبتي في اقتحام مكتبها للتحدث معها، ومضايقتها، وإضحاكها بنكاتي. إخبارها بشيء مثير للاهتمام يدور في ذهني أمر يُشعرني بالرضا الفوري، على عكس تحويله إلى عمل إبداعي.
في الأشهر الستة الأولى بعد لقائي بها، لم أكتب شيئًا يُذكر. كنا نجد أنفسنا في السرير عصر يوم الاثنين ونضحك قائلين: “هكذا تفشل الصناعة”. حين يطرق صوت اللوم بابي؛ كنت أذكّر نفسي بأن تعلّم الحب وأن أُحَب هو أيضًا مهمة حياتي. الحياة هي مهمتي. لم يُخفف ذلك من ذعري تمامًا، لكنه سمح لي بالعودة إلى تلك الحياة، والانغماس في تفاصيلها، في سخافة بناء تاريخ مع شخص آخر. الفرحة المطلقة التي كانت تغمرني عندما أُصدَم، مرارًا وتكرارًا، بمدى إعجابي بوجهها. بمدى سعادتي التي كنت أشعر بها.
هذه هي الحالة النفسية الأكثر صحةً وأمانًا التي اغتنمتها على الإطلاق. لم أكتب قط بشكل متقطع كهذا.
أصبحت كاتبة خلال فترة عزوبيتي، عندما كان الوقت الوحيد الذي أشعر فيه بالأمان الحقيقي هو ما أقضيه وحدي. كبر أبنائي وأصبحوا بالغين. يمكنني حاليًا الاستفادة من برامج الإقامة الطويلة أو حتى تنظيمها. أعيش في أوج استقراري، مهنيًا وشخصيًا. أختبر الآن حالتي النفسية الأفضل وأكثرها سكينة. لم أكتب مطلقًا بهذه الانقطاعية.
*
تروي آني ديلارد كيف غطّت نافذة مكتبها بورق الجدران لتحافظ على تركيزها. وتكتب جين هيرشفيلد عن التركيز باعتباره المسار التحويلي للقصيدة، وعن الصوت باعتباره نتيجة الإصغاء المتيقظ لأفكار المرء. وتحذر غريس كافالييري قائلةً: “كل ما لا تكتبه يعيق طريقك نحو ما ستكتبه لاحقًا”.
إن الطريقة الوحيدة لإيجاد مساحة للكتابة، حين يكون ثمة عمل آخر بعائد أكبر، ويحتاج طاقتي أكثر، وعندما يعاملني الناس بودٍ يتخطى ما تمنحه لي مخطوطتي؛ هي أن أُذكّر نفسي، أو أحاول إقناعها، بأن للعزلة نشوتها أيضًا، وأن ذلك سبب كافٍ للغوص في طبقات المقاومة، ومساحات السكون الفاصلة بين عالم العلاقات وذاتي الأكثر حكمة.
أجلس هنا الآن، في الرابعة صباحًا. الظلام حالك في الخارج والمطر يهطل. ابتعدت عن دفء أماندا لأجلس متربعة في مكتبي، على أعتاب يوم جديد. الكلمات لا تتدفق بسهولة، عمل شاق على عكس كتاباتي الأولى التي كانت بمثابة متنفس عاطفي. يتطلب الأمر تحضيرًا: إبريق قهوة، عود بخور مشتعل، دفتر للكتابة اليدوية، وبعض تمارين اليوغا. يستلزم انضباطًا، وتذكيرًا لطيفًا دائمًا كلما راودتني رغبة في فتح نافذة متصفح، أو عندما تتحرك يدي كالمغناطيس نحو هاتفي: إنني أستطيع. أريد الاستمرار في السعي نحو حدود معرفتي.
*
عدتُ إلى مركز FAWC الصيف الماضي، هذه المرة كمدرّبة. تفاوتت أعمار طلابي العشرة الرائعين على مدى ستة عقود. جلبت إليهم طقوسي: تمارين التنفس (براناياما) وبخور خشب الصندل، وشمعة معطرة بالعسل، وفرقة داخابراخا الأوكرانية. طوال الصباح، حاولنا الانغماس في أحلامنا، والتأمل في ضباب اللاوعي. قرأنا نصوصًا مميزة، وتركنا الكلمات تتردد في الأذهان. طلبتُ منهم أن يكونوا أكثر غرابةً عن أنفسهم، لأبعد حد ممكن، أن يكتشفوا ما يحتاجونه ليبلغوا أقصى درجات الإبداع، وأن يتدربوا على المثابرة من أجل امتلاك ذلك تحديدًا.
كانت توجيهاتي مجرد اقتراحات. جاؤوا إلى هناك ليستمعوا إلى أصواتهم الداخلية. كتبوا وكتبوا وكتبوا. أشياء رائعة، غريبة، مذهلة، ومؤثرة: مقالات، قصائد فيلانيل، شعر حر، رسائل. ثم تنفسنا معًا. اختتمنا بحفلة رقص لمدة ثلاث دقائق قبل أن نخرج جميعًا إلى الشمس، إلى حياتنا القصيرة الفريدة التي كلٌّ منا مسؤول عن عيشها.
20 فبراير 2024 Literary Hub –
…………………..
*سيما رضا: كاتبة أمريكية من أصل بنغالي. مؤلفة كتابي “مجموعة من أنصاف الأعمار” و”عندما ينفتح العالم”. تقيم في ولاية ماريلاند، وتشغل منصب الرئيسة التنفيذية لمنظمة “بناء المجتمع من خلال الفنون”، وهي منظمة فنية تشجع استخدام الفنون كأداة للسرد والرعاية الذاتية والتواصل الاجتماعي بين أفراد الجيش الذين يعانون من إصابات جسدية ونفسية. تخرجت رضا من كلية غودارد ومنظمة فونا، ونُشرت كتاباتها في العديد من المختارات الأدبية، كما ظهرت في صحف ومجلات مرموقة مثل ” واشنطن بوست” و”ماكسويني” و”ذا إل إيه ريفيو” و”ليت هب” و”إلكتريك ليتريتشر” . حصلت رضا على زمالة باولي موراي للفنون من أجل العدالة الاجتماعية لعام 2023 في مركز أبحاث وسياسات مكافحة العنصرية بالجامعة الأمريكية. عام 2017، شاركت في برنامج ورشة العمل الصيفية التابع لمركز الفنون الجميلة كطالبة، ثم عادت كمعلمة للكتابة في عام 2023.
















