حقيبة الذكريات

نجوى غنيم

د. نجوى غنيم

    الساعة الواحدة ظهرًا، أسرعت الخطى أنا وصديقتي نحو محطة الحافلات المركزيّة، فموعد انطلاق الحافلة بعد دقائق، حركة غريبة في المحطة، رجال الشرطة يجوبون في المكان، المسافرون يهرولون في عدة اتجاهات، ففي المحطة جسم مشبوه، والجميع ينتظرون خبيرًا لتفكيكه، توجّهنا نحو محطة بعيدة، أسندت ظهري إلى أحد المقاعد الخشبيّة التي تحمل ندوبًا وحكايات غير مرويّة ننتظر انتهاء الحدث، وجلست أراقب الرائحين والغادين بصمت، وجوه غارقة في شاشات الهواتف، عيون تراقب الطريق بلهفة، وتشبّثت بالذاكرة محاولة الإمساك بلحظات قديمة، قلبت ساعتي الرمليّة لأعيد اشتباك الحاضر بالماضي، متذكّرة قصّة لا تخلو من طرافة.   

   إنّه يوم الجمعة “يوم التعزيل العالميّ”، كانت والدتي تحرص كلّ يوم جمعة على تنظيف كلّ شيء رغم أنّها كانت تنظف المنزل يوميًّا، فهي “تخلق الشغل” على حدّ قول والدي… فكلّ شيء يجب أن يُجلى ويلمّع ويرتّب، تعمل كنحلة دؤوب لا تستقر ولا تهدأ.

  لكنّ يوم الجمعة هذا لم يكن عاديًّا، إنّه الأول من أيار، يوم العمال العالميّ، عطلة للجميع، وبدل أن ترتاح في هذا اليوم، أصرت والدتي على ترتيب الخزائن، فأخرجت كلّ ما فيها وراحت ترتّب الثياب الشتويّة على الرفوف العلويّة، والثياب الصيفيّة على الرفوف السفليّة، تضع الثياب غير المناسبة في سلة خاصة لتغسلها قبل إرسالها لمن يحتاجها، وتضع ما لا يلزم في أكياس أخرى لإلقائها في حاوية النفايات، أمّا أنا فكنتُ أرتّبُ الملابس الصيفيّة إلى جانبها بعد أن قمتُ بإلقاء النفايات.

  الأصوات في الخارج تتعالى، خرجنا إلى الساحة مهرولين لنستطلع الأمر، كان هناك مجموعة من رجال الشرطة قد انتشروا في المكان، قلت في نفسي: لا شك أنّ الأمر جديّ.

–       أمي، أمي، لا بدّ أنّ هناك مجرم هارب.

وقفنا أنا وإخوتي نراقب رجال الشرطة الذين ملأوا منطقة القشلة، وبدأ الجيران يتوافدون ويتساءلون عمّ يحدث.

-هناك جسم مشبوه مشكوك بأمره.

– إنّه هناك على الرصيف.

– يبدو أنّها قنبلة.

كان التجمهر يمنعنا من رؤية تلك القنبلة، ترى كيف شكلها؟  كم يبلغ حجمها؟ وتداعت إلى ذهني تنبيهات والدي عند الخروج في نزهة: “لا تلمسوا شيئًا لا تعرفونه، لا تمسكوا أشياء ملقاة على الأرض”.

وتذكّرت كلام معلمتي: “أحيانًا تكون القنبلة على شكل ألعاب أو دُمى”.

وتخيّلت كطفلة في الثامنة من عمرها آنذاك شكل تلك القنبلة، فتارة هي دمية جميلة، وتارة أخرى هي كبيرة مستديرة كالكرة…

   رجال الشرطة يحاولون إخلاء المكان، كانت ساحة بيتنا الأقرب للمراقبة، فبدأت الجارات بالتجمّع، وكانت هذه أجمل الأوقات بالنسبة لي، حضّرت أمي القهوة وحلوى لذيذة أعدّتها، وجلسن في ساحة بيتنا يتحدّثن ويتابعن ما يحدث، بينما تجمّع الرجال في ناحية أخرى من الساحة يتناقشون ويتبادلون أحاديث السياسة والتاريخ التي كان والدي متحدّثًا بارعًا فيها، أمّا نحن الصغار فكنّا نلعب ونراقب ما يحدث.

صاح الشرطيّ: ابتعدوا عن المكان.

ابتعد الجميع وأمعنت النظر لأرى ما هو شكل القنبلة، وأغرقت في الضحك… إذ لم تكن القنبلة سوى حقيبة يد قديمة لأمي ألقيتُها في الحاوية، ولكنّ القطة فلة أخرجتها وراحت تلعب بها وتركتها على الرصيف.

عرف جميع الحاضرين بالأمر، ولكنّنا تكتّمنا الحديث، صمتنا وواصلنا المشاهدة… وتساءلت بعد مرور فترة زمنيّة على الحدث: أيمكن أن يكون للصمت فلسفة؟ أصمتنا طوعًا أو كرهًا؟ وتذكّرت قول سليمان الحكيم:” إذا كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب”…تابعنا تحرّك رجال الشرطة في المكان خشية أن تنفجر القنبلة المزعومة، إلى أن قدم رجل مختصّ وقام بتفجيرها.

كسرتُ الصمتَ بقولي: لقد فُجرت حقيبتك يا أمي!

وتعالت الضحكات والتعليقات، وحمدنا الله أنّها مجرّد حقيبة.

   أخرجني صوت صديقتي من فوضى أفكاري، فتوقّفتُ عن التوّغل في أروقة الذاكرة: “عزيزتي، انتهى كلّ شيء، هيا نتوجّه إلى الحافلة”. يأتي صوت الحافلة، أحفظ إيقاعها، صوت ثابت متكرّر، يذكّرني بأنّ الزمن لم يتوقّف بعد.

أسأل صديقتي: ماذا كان ذلك؟

-الحمد لله، لا شيء، إنّها مجرّد حقيبة منسيّة.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع