برتولد بريخت
ترجمة: ماجد الخطيب
بلغ يوم الحساب نهايته، وطرح ملائكة الإيقاظ أبواقهم جانباً، وانتهى حكم التمييز بين الخير والشر. اطفئت نيران التطهير، وعوضاً عنها احتدمت النيران في جهنم، وأشيعت البهجة والسعادة في الجنة. صدرت الأحكام على الجميع، عدا عن شخص واحد، وكان أنا. كانت أعمال الخير عندي تتساوى مع أعمال الشر، وهذا دعا الرب العظيم لاستدعاء كافة القديسين إلى اجتماع عام للتشاور حول ما إذا كان ينبغي أن أذهب إلى الجنة أم إلى النار. في هذه الأثناء سمح لي بالتجوال في مساحات كونية هائلة إلى أن يصدر الحكم.
ذهبت أتجول…
طرقت عقلي فكرة أن أتفرج قليلاً على ما يحدث في جهنم وأتعرف على ما يجري هناك. فتحتُ بإصرار البوابات الهائلة التي تعشعش فيها الوطاويط والغربان والأبوام. هناك قابلني رئيس الشياطين وسألني عن مرادي. أفصحت له عن رجائي. عبر عن موقفه بلطف قائلاً بعد تردد إنه يستطيع أن يفرّجني على القسم الأول فقط، لأن زيارة الأقسام الأخرى محظورة. أدخلني.
أف!! لفحتني حرارة عالية ودخان- تقترب من 800 درجة مئوية-، لكنني تحملتها، لأن رئيس الشياطين صدها عني. شياطين صغار منهمكون بالعمل ذهاباً ومجيئاً. على اليمين مرجل عظيم معلق فوق نار هائلة والشياطين الصغار يذكونها بنشاط.
ألقيت نظرة في المرجل فشاهدت رجلاً باكياً يجلس فيه؟ إنه سقراط. ضحكت من كل قلبي وأنا أسأله لماذا وقع عليه أن يكفّر عن أفعاله. اعول باكياً “أفسدتُ شباب أثينا، لأنني تحدثت لهم عن خلود الروح”.
واصلت جولتي. وسرعان ما واجهني مرجل آخر يحتوي ماء ساخناً. أحدهم كان يسبح فيه. إنه سولون(1)، الحكيم الأغريقي. هتفت به”لماذا؟”. بدلاً منه شرح لي شيطان صغير الأمر بلطف.” قال سولون مرة: لا ينبغي للمرء قبل الموت أن يصف أحداً بالسعادة، لأن السعادة لا تتحقق إلا بعد الموت، وهو ما يعيشه الآن”. ضحكت مجدداً وواصلت جولتي.
وجدت نفسي قرب منضدة عظيمة يجلس إليها- لم أصدق عيني- قيصر. يكتب ويكتب بدم قلبه النازف بغزارة منه مثل العرق. سألته ماذا يكتب؟ “الحقيقة” رد علي.” لماذا؟” استفسرت منه. صرخ قيصر”لأنني كذبت كثيراً في”حرب الغال”(Bellum Gallicum). ضحكت مجدداً ومضيت.
وصلت حديقة زهورها لهب نار، ومن أعمدة نار أكشاكها، ووسط هذه النيران وقف فيلسوف سانسوتشي(Sanscouci)(2) فريدريش العظيم. زعقت بهتاف” لماذا؟” رد علي شاتماً”لأنني قلت مرة أن يُبارك كل شخص حسب مذهبه”. وددت لو أضحك مجدداً،- لكن هنا بلغني صوت الرب يدعوني للحضور عند صدور القرار فمثلت أمام كرسي القاضي. كانت كل أعضائي ترتجف حينما… استيقظت.
كان ضوء الصباح قد انبلج. وقع نظري على التقويم المثبت على الجدار. كان يوم أحد الكرنفال 1914(3).
ملاحظة من هيئة التحرير: من المحتمل أن يحاكم كاتب هذا النص، لو أنه واصل الحلم، بالبحث الأبدي عن موضوع في جهنم.
هيئة التحرير
…………………………………
(1)سولون أو صولون (حوالي 640 – 560 ق.م.)، مشرّع، شاعر ورجل قانون أثيني، قام بسن مجموعة من القوانين الإصلاحية التي تعارضت مع نظام الدولة المتبع آنذاك. ورغم أن إصلاحاته فشلت فيما بعد إلا أنه يعتبر الممهد لقيام ما تم تسميته لاحقا بالنظام الأثيني الديمقراط.
قال: كل إنسان هو سعيد طالما كان حياً، لا يفسد سعادته إلا الموت.
(2) قصر سانسوتشي. القصر المفضل واستراحة فريدريش العظيم(ملك بروسيا الذي يوصف بالحكمة والعدالة والدهاء(1712-1786). واسم سونوتشي يعني” بدون قلق”. كان ينسحب إليه مع كلابه في الصيف وفي الأزمات.
(3) يخصص يوم الأحد من الكرنفال في ألمانيا لمهرجانات تلاميذ المدارس التنكرية.
* بمناسبة الذكرى السبعين لوفاة المسرحي والشاعر الألماني الكبير برتولد بريشت (10/2/1898-14/8/1956). أعاد مؤرخو الأدب الألماني، المتخصصون بأدب برتولد بريشت، كتابة سيرة حياته الشخصية والأدبية بعد العثور على النسخ “الضائعة” من نشرة”الحصاد” المدرسية التي نشر فيها بريشت قصائده وقصصه الأولى.
نشر بريشت، المولود سنة 1898، نصوصه الأولى في”الحصاد” بين أغسطس1913 ويناير 2014، أي قبل سنة من نشر أعماله في صحيفتي”اوغسبورغر نويسته ناخرشتن” و “مونشن- اوغسبورغر ناختتسايتونغ” في اغسطس1914. ويعرف الخبراء في أدب الكاتب اليوم أنه نشر أعماله الـ”مجهولة” في “الحصاد” سنة 1913، لكن تاريخ كتابتها قد يعود إلى سنين سبقت تلك السنة، ما يعني أن نشاطه الإبداعي ربما بدأ وهو بعمر13 أو14 سنة، وربما أصغر.
حتى لحظة العثور على نشرة”الحصاد”، كانت سيرة حياة الكاتب برتولد ريشت تعتبر مسرحية” بعل”، التي كتبها سنة، وكان بعمر19 سنة، هي أولى أعمال بريشت المسرحية، لكن “الإنجيل” احتلت مكان”بعل” في هذه السير منذ سنة العثور على النشرة المدرسية سنة 1997. كان بريشت خصص عدداً كاملاً من نشرة”الحصاد” لنشر مسرحية الأولى هذه.
لم تكن ظاهرة “النشرات الثقافية المدرسية” شائعة في ألمانيا آنذاك، إن لم نقل غير معروفة في المدارس الألمانية عامة وفي المدارس البافارية(اوغسبورغ) بشكل خاص في ذلك الزمن. ربما يسجل التاريخ وجود بعض النشرات الخبرية الساخرة في بعض المدارس، وهي قليلة جداً، لكنه لم يعرف نشرات ثقافية مدرسية بعد.
هذا دليل آخر على عبقرية الصبي برتولد بريشت. ربما ناجمة عن رغبته بالنشر بعد أن رفضت الصحافة نشر أعماله المبكرة، لكنها تظهر لنا إبداعيته في مجال النشر والطباعة أيضاً. هل كان تحرير وطباعة ونشر مجلة ثقافية مدرسية وتوزيعها بنحو أربعين نسخة كل مرة عملاً هيناً بالنسبة لتلاميذ مدرسة؟
عثرت سيدة ألمانية مسنة تعيش في لندن على أعداد نشرة الحصاد في علية منزلها بينما كانت تنقب في مخلفات والدها الذي زامل بريشت في مدرسة اوغسبورغ(جنوب ألمانيا) في مطلع القرن العشرين. نشرت دار”مارو فيرلاغ” محتويات نشرة الحصاد سنة 1979 ثم صدرت بنسختها العربية عن الهيئة العامة لقصور الثقافة في مصر سنة 2023 (معرض القاهرة الدولي للكتاب) وترجمها الكاتب والصحفي ماجد الخطيب.
الصورة تظهر برتولد بريشت و”هيئة تحرير الحصاد” سنة1917










