مروان ياسين الدليمي
في السنوات الأخيرة من عمري، بعد أن تجاوزت الستين ونيف، بدأت أستيقظ قبل شروق الشمس كما لو أن جسدي ما زال يتذكر موعدا قديما لم يعد له صاحب.
أفتح عيني في الظلام، فأرى السقف أولا، ثم أسمع الصمت وهو يتحرك في الغرفة.
كان الصباح في السابق يعني شيئا. يعني أن أنهض، أغسل وجهي، أعد الشاي، وأجلس إلى الطاولة لأكتب.
أما الآن، فقد صار الصباح يصل إلي، ولا أعرف ماذا أفعل به. أبقى مستلقيا. ساعة. ثم ساعتين. وأحيانا أكثر. أنظر إلى رفوف الكتب المقابلة للسرير، فأشعر أنها تنظر إلي أيضا. صفوف طويلة من الكتب التي جمعتها طوال سنوات عمري، بعضها اشتريته بحماس، وبعضها وصل إلي مصادفة، وبعضها كنت أعتقد أنني سأحتاج إليه يوما ما. ذلك اليوم الذي لم يأت.
أحيانا أتخيل أن أنهض فجأة، أفتح باب الغرفة، أحمل الكتب كلها إلى مرآب البيت، أسكب عليها النفط، وأشعل فيها النار. فأرى الدخان يتصاعد من بين الصفحات.
ويعجبني، في تلك اللحظة المتخيلة، أن أرى الكلمات وهي تتحول إلى رماد. لكنني لم أكن أعرف: هل كنت أريد إحراق الكتب، أم إحراق السنوات التي قضيتها وأنا أعتقد أن الكتابة والقراءة يمكن أن تنقذا شيئا؟.
قبل يومين، فعلت شيئا أقل بطولة من الحريق وأكثر قسوة منه.
نهضت. وقفت أمام الرف الأول، ومددت يدي إلى كتاب. تصفحته . ثم أعدته.
أمسكت بآخر. لم أتذكر لماذا احتفظت به. سحبته. ثم آخر. ثم آخر.
بدأت الكتب تسقط على الأرض، الواحد بعد الآخر، والغبار يتصاعد منها مثل أرواح صغيرة أفزعتها اليقظة بعد نوم طويل.
لم أهتم بالغبار. كنت أريد أن أرى الرفوف وهي تخف. كان هناك نوع من الحساب يجري أمامي. هذا الكتاب لا ضرورة له. وهذا أيضا. أما هذا، فقد انتهى دوره منذ زمن. وهذا لم يكن له دور أصلا.
بعد قليل، صار على الأرض كومة كبيرة. وحين رفعت رأسي، رأيت الفراغ الذي تركته الكتب على الرفوف.
شعرت بشيء غريب. تنفست. للمرة الأولى منذ زمن، شعرت أن الهواء يدخل إلى صدري من دون أن يصطدم بشيء.
جلست على الأرض.
أخذت كتابا من الكومة.
مزقت غلافه.
ثم مزقت الصفحة الأولى.
ثم الثانية.
وجدت الأمر أسهل مما توقعت. كانت الصفحات تتمزق بصوت خافت، صوت يشبه احتكاك ورقة بشيء ميت. واصلت حتى صار الكتاب كتلة من القصاصات البيضاء.
لم أكن أمزق الكتاب لأنه رديء، بالضرورة. كنت أمزقه لأنه، في نظري، لم يعد يستحق أن يصل إلى يد أخرى. كانت تلك هي الفكرة التي لم أستطع التخلص منها. لا أريد لهذا الكتاب أن يجد قارئا آخر. لا أريد لشخص، بعد سنوات، أن يفتحه، فيظن أن بين صفحاته شيئا يستحق البقاء.
ربما كنت أتصرف كحارس غاضب لمكتبة انتهى زمنها.
وربما كنت أعاقب الكتب لأنها بقيت، بينما تغير صاحبها.
مزقت أكثر من خمسين كتابا.
وضعتها في كيسين من النايلون. خرجت بهما إلى حاوية النفايات خارج البيت.
كان الصباح قد أصبح أكثر وضوحا. رأيت رجلا يمر في الشارع، فخفضت رأسي قليلا، كأنني أخفي شيئا. لم يكن هناك ما أخفيه. مجرد كتب ممزقة.
في اليوم التالي فعلت الشيء نفسه.
وفي اليوم الثالث أيضا.
وبعدها بدأت الغرفة تتغير. لم تتغير الجدران، ولم تتسع النافذة، ولم يتحرك السرير من مكانه، لكنني شعرت بأنها أصبحت أكبر. كان هناك فراغ جديد. فراغ يمكن التنفس فيه. الرفوف نفسها بدت أخف. والهواء أنقى. ومع ذلك، لم يتغير شيء في الصباح. كنت ما زلت أستيقظ قبل الشمس. وما زلت أحدق في السقف. وما زلت لا أرغب في الكتابة.
اكتشفت أنني لم أكن أكره الكتب. كنت أكره ما تذكرني به. كل كتاب كان يحمل معه نسخة قديمة مني؛ الرجل الذي كان يعتقد أن عليه أن يقرأ، وأن يكتب، وأن يترك وراءه شيئا. الرجل الذي كان ينهض باكرا لأنه يخشى أن يضيع عليه يوم كامل من الكتابة. أما الآن، فقد صرت أخشى شيئا آخر:أن يبدأ اليوم.
ومع ذلك، بين فترة وأخرى، يحدث أمر لا أفهمه. أمد يدي إلى القلم. أكتب جملة. ثم جملة أخرى. فأشعر، فجأة، بأن شيئا ما يتحرك في داخلي، شيئا صغيرا، يكاد لا يرى، لكنه موجود. أواصل الكتابة قليلا. وعندما أتوقف، أشعر براحة لا أستطيع تفسيرها. كأنني، لبضع دقائق، كنت شخصا آخر. ولأنني لا أعرف كيف أشكر ذلك الشخص، أذهب إلى المطبخ. أملأ إبريق الشاي بالماء من الصنبور. أضعه على الطباخ. أشعل النار. ثم أنتظر.
أراقب الماء وهو يبدأ بالارتجاف داخل الإبريق. وأفكر، للمرة الأولى في ذلك الصباح، أنني ربما لم أكن أمزق الكتب كي أتخلص من الكتابة. ربما كنت أمزقها لكي أجد بينها، في مكان ما، كتابا واحدا لم أكتبه بعد.






