د. رضا صالح
الطبيب:
جاءتني اليوم سيدة عجوز تشكو من التهاب بالحلق، صوتها مبحوح، توقعت – نظرا لسنها الطاعن- أن تكون مصابة بسرطان الأحبال الصوتية، سألت ذويها؛ وجدتهم يعيشون على الكفاف؛ لن يستطيعوا متابعة العلاج والأتعاب؛ قررت ألا أكلفهم عناء أشعة وتحاليل وعينة للفحص الباثولوجي، قلت لابنتها مختصرا الوقت والجهد:
الحاجة تعانى من سرطان بالحلق، إنها أيام تقضيها.. لا تتعبوا أنفسكم كثيرا فى شراء الأدوية وعمل الفحوص. يكفى هذا الدواء..
وحررت لهم وصفة طبية بها نوع من المضادات الحيوية والفيتامينات.
انصرفوا من العيادة، لم تبد عليهم مسحة حزن أو أسى.
الحفيدة:
يا سلام.. يا سلام يا دنيا.. آه لو تحقق ما أهفو إليه وأتمناه منذ زمن.. أمى سيدة طيبة ليس لها فى الثور أو الطحين؛ تسكن مع أمها.. لن تعترض إذا ما جئنا لنقيم معها فى شقة المرحوم جدى الرحيبة، العقبة الكئود على وشك الانفراج.. توقع الطبيب وفاة جدتى الشرسة – التى جاوزت الثمانين منذ مدة طويلة – عن قريب.
قلت لأمى: سوف أجيء أنا والأولاد لنسكن معك يا أمى.. لن نتركك وحدك تواجهين المتاعب. لابد أن نكون بجوارك. ربما يحدث مكروه لجدتي؛ لا قدر الله!!
فى صمت؛ وجدت فى عينيها نظرة تنم عن عدم الممانعة.
زوج الحفيدة:
نحن فى مدينة الزهور بأطراف شبرا الخيمة، الشقة التى نقيم فيها متواضعة؛ بل وضيقة جدا؛ إيجارها فقط خمسة جنيهات.. على النظام القديم… مازلنا نستعمل مياه الطلمبة؛ لكن؛ والحق يقال؛ الجيران هنا على درجة كبيرة من الطيبة والألفة، كلنا يد واحدة، وأبناؤنا نشأوا وترعرعوا هنا، ومعظم أصدقاؤهم ومعارفهم هنا.. زوجتى المتسلطة الحمقاء هى التي تريد أن تخلعنا من هنا؛ لنسكن فى شقة جدتها بحدائق شبرا.. عموما لو نجحت هذه الفكرة فلا مانع عندى! مادمنا سوف لا نغرم شيئا، وهل نملك شيئا حتى نغرمه ؟ سوف نطل على شارع شبرا، ونتمتع بمياه نقية؛ مدفوعة داخل المواسير لنا.. وسوف تقيم حماتى فى حجرة، ويكون لدينا حجرة منفصلة للبنات وحجرة أخرى للبنين؛ بالإضافة إلى حجرتنا أنا والحمقاء.. آسف.. أنا وزوجتى…
ما حدث:
قالت الزوجة الحفيدة:
لابد أن نكون أول من يقيم بالشقة؛ لو تمكنت إحدى أخواتي من الدخول والإقامة بها، ستضيع عليتا.. لا بد أن نسرع!
ماذا تريدين بالضبط؟
من اليوم.. نأخذ عفشنا؛ ونترك هذه الشقة لأصحابها؛ ونغادر إلى هناك. حتى نضع الجميع أمام الأمر الواقع
تأمل الزوج كلامها، وقال:
ولكن..
قالت بحزم:
ولكن ماذا؟؟
كعادته؛ صمت الزوج
—***—
قبل الظهيرة حضر العربجى؛ وأحضر معه حمالا، تناوب الاثنان على فك العفش وتحميله على العربة الكارو التى تقف أمام البيت.
قالت الزوجة؛ سوف نأخذ الحافلة ونكون فى انتظاركم عند تيتا..
ارتقى الولدان والبنتان العربة مع العفش، وانطلق الحمار بالجميع.
فى الطريق؛ أخذت العربة تهتز يمنة ويسرة حتى وصلت إلى شارع شبرا؛ ارتفعت الشمس فى كبد السماء؛ كان الهواء خليطا من عادم السيارات ورائحة الإطارات المحروقة؛ صار الجو خانقا والحرارة مرتفعة
مازالت رقبة الحمار منكفئة إلى أسفل؛ وهو يحاول جاهدا أن يكمل المهمة الموكولة إليه؛ صدر منه صوت أشبه بالأنين مع أنفاسه التى تكاد تتقطع.
قال الولد الكبير بهاء:
سأقيم أنا وماجد فى الحجرة التى تطل على الشارع.
ردت أخته غاضبة:
اسكت يا حمار.. هذه الحجرة لى أنا وسالى..
ردت سالى:
أنا لا أحب الضجيج.. أريد أن أسكن فى الحجرة الداخلية..
رد بهاء بخبث:
أرأيت يا سلمى؟ سالى تريد ما فى بالى!!
ردت سلمى:
سوف تريان أنتما الأثنان!!
—***—
فى شقة المستقبل، أسرع الزوج إلى النافذة؛ نظر منها مبحلقا؛ تدلى نصفه العلوى منها؛ وقف متطلعا ومستكشفا؛ يميل بجذعه يمنة ويسرة؛ متجها بنظره إلى أعلى وأسفل، ومنتظرا وصول المكارى والأبناء والعفش بسلام.
بعد الغروب وصلت العربة محملة بالعفش والأولاد..
قبيل منتصف الليل؛ كان كل شىء قد تم؛ وساد الهدوء.
انتشت الزوجة بنجاح خطتها؛ نظرت إلى جدتها الراقدة فى السرير وقد تلفعت بالأغطية؛ ولا صوت لها؛ أومات إلى زوجها؛ وهمست قائلة:
كانت إلى – عهد قريب – تمص القصب؛ وتقضم الدوم بأسنانها؛ كما كانت تجرى وراء الترام لتلحقه!!
—***—
بعد ثلاثة أيام بالضبط، كانت الجدة قد استردت عافيتها، أتضح أن شربة النابت والفيتامينات كانت ذات أثر فعال فى سرعة قيامها من رقدتها..
أسقط فى يد حفيدتها، التى لم تستطع أن ترد عندما قالت لها جدتها محذرة:
إذا لم يخرج هذا العفش من شقتى، سوف أرميه لكم من النافذة؛ إياكم وعدم سماع الكلام.
بلعت الزوجة ريقها قائلة:
سوف نضطر إلى البحث عن شقة أخرى…
عودوا إلى شقتكم.
لقد مزقنا العقد؛ وأعطينا المفاتيح لصاحب البيت ولم ننس أن نشكره على ضيافته لنا.
اطلبوا منه شقتكم.
لا ينفع يا تيتا..
ولماذا لا ينفع يا حبيبتى ؟
لأنه كان منتظرا أى شقة ليسكن ابنه العريس فيها..
قالت الجدة باستهزاء واضح:
برافو عليكم… برافو… !!
—***—
فى اليوم الرابع حدثت مشادة هائلة، بين الحفيدة وجدتها؛ أصرت على طرد هؤلاء اللصوص كما أسمتهم؛ لم تطق وجودهم بالشقة، تعجبت من حفيدتها التى تريد أن ترثها وهى مازالت تدب فيها الحياة.. قالت وقد أطلقت لحنجرتها العنان:
تحسبيننى مت؟ نزلة برد وانزاحت… ! أنتم فاكرين إيه؟ اسم الله عليكم! يا للجرأة! وأيضا أسرعتم فى إحضار العفش؟!
فى اليوم الخامس عاد الزوج إلى نفس المكارى؛ لينقل العفش مرة ثانية؛ تعجب الرجل عندما عرف القصة قائلا:
يا حفيظ بالطيف.. الطف بنا يا رب.. إلى أين إن شاء الله؟
لا أدرى.. وغمغم:
هناك هناك..
كان العفش خارجا من باب الشقة؛ وقد وقفت الجدة بجواره؛ زعقت فى الجميع:
إياكم أن تعودوا هنا مرة أخرى.. إذا لم تجدوا شقة؛ فالرصيف يسعكم..
—***—
بدأ الحمار رحلته قبيل العصر؛ ولكنه فى هذه المرة اخترق شارع شبرا، سار فى بعض الطرق الجانبية حتى انفرجت الرؤيا أمامه.. عندما اقترب من كورنيش النيل؛ شعر بلفحة هواء زادت من سرعته..
ظل سائرا بحذاء النهر طوال الليل، كانت العائلة كلها هذه المرة مكومة فوق العفش، لحسن الحظ كان الهواء رطبا، بين الحين والآخر كانت نسمة عليلة تسرى فى الجو، والحمار يسير الهوينى باتجاه الشمال؛ وهو يصدر صوتا رتيبا من دبيب حوافره على الإسفلت؛ ابتعد كثيرا عن زحام المدينة وضجيجها،أخيرا وصل إلى كورنيش النيل وسار بحذاء النهر، سقط قرص الشمس مؤذنا بالغروب؛ استمرت العربة فى سيرها، شمل الجميع صمت وحيرة؛ استمر الحمار فى حركة دؤوبة؛ حتى أسدل الليل أستاره؛ تصاعد شخير الأبناء؛ بين الحين والأخر يشعل المكارى سيجارة ينفث دخانها فى الهواء… آثر الرجل الصمت؛ مشفقا على حال هذه الأسرة؛ غادر الحمار شبرا البلد وشبرا الخيمة؛ واصل سيره حتى اقترب من قرية باسوس.. فجأة توقفت العربة عن الحركة، مد الوالدان رقبتاهما وتطلعا إلى الأمام، شاهدا الحمار يبول فى عرض الطريق؛ رمى له المكارى حزمة من البرسيم، واصل سيره , عبر القرية ومازال سائرا إلى الأمام؛ انتظرت الزوجة كلاما من زوجها؛ لم يجد الزوج ما يقول؛ أراح ظهره على دولاب يقف منتصبا وراءه؛ استمرت الرحلة فى الظلمة،أطبقت الوحشة والإرهاق على الجميع؛ أفاق الأب من غفوة على صوت المؤذن لصلاة الفجر، لم يكن يعرف أين يذهب؛ أخيرا استجمع شجاعته و سأل زوجته:
أين نذهب ؟
ردت فى قلق:
لا أدرى.. هل أنا الرجل أم أنت؟
الآن فقط تعترفين أننى الرجل؟!
—***—
نظر إلى صفحة المياه؛ كان النهر ساكنا، محتفظا بسره على مدى السنين؛ بدا فى الأفق شفق منذر بيوم جديد؛ زاد من قلقه صوت زقزقة العصافير؛ مازالت العربة تهتز بهم يمينا ويسارا؛ اتجه إلى أبنائه بعينيه وقد علا شخيرهم؛ وغطوا فى نوم عميق.. أخيرا ظهرت أمامه مبان عديدة؛ ارتفعت إلى أعلى بعشوائية؛ وقد اتفقت جميعها فى لون طوبها الأحمر الزاعق؛ تناثرت بينها مساحات ضئيلة من الأرض الخضراء..
أوشكت الشمس على الانبلاج؛ ومازال الحمار سائرا؛ ودبيب حوافره الرتيب مستمر فى الانبعاث؛ حتى بانت عليه إمارات اليأس والإرهاق والضجر.






