تيمة «الكيف» في السرد الطنجي:  قراءة تحليلية في مرويات  «أحاديث من باب مرشان»

عثمان بن شقرون

 المقدمة:

«الكيف» كعلامة سردية غير مُصَرَّح بها نقديًا  

يبدو حضور «الكيف» في المتخيل السردي الطنجي حضورًا عارضًا للوهلة الأولى، شذرات صغيرة متناثرة في نصوص تتباين في أساليبها ورهاناتها الجمالية. لكن الاقتراب المتأني من هذا المتن يكشف أن هذا الحضور ليس تفصيلاً ثانويًا، بل هو علامة دالة، وصورة ثقافية عميقة الجذور، تؤطر علاقة الإنسان الطنجي بفضائه، وتضيء جوانب معتمة في البنية الاجتماعية والرمزية للمدينة. فمنذ رواية عبد القادر الشاط (1932)، مرورًا بكتابات ما سُمِّي بـ جيل البيت في طنجة، ثم نصوص محمد شكري، وأعمال كتّاب مغاربة آخرين، ظل الكيف يظهر كأثرٍ سرديٍّ يتكرر بإلحاح، وإن في مستويات متفاوتة، تارة بوصفه خلفية لطقوس جماعية، وتارة كعنصر لتشييد الإيقاع النفسي للشخصيات، وتارة أخرى كنافذة تُطل منها الكتابة على قاع المدينة ومخيالها الشعبي.

غير أنّ النص الأكثر كثافة في تمثل هذه التيمة، والأشد قدرة على تحويلها إلى مفهوم نقدي قابل للدراسة، يبقى، في تقديرنا، هو نص الدكتور حمزة المساري في كتابه «أحاديث من باب مرشان»، الذي ينتمي إلى جنس «المرويات»، حيث فضل صاحبه الشكل السردي المروي على التقييدات الجمالية للرواية. هذا الاختيار المنهجي ذاته يمنح النص قوة تحليلية، حيث يركز على المكون الثقافي العميق، خصوصاً في الصفحات 18–21. ففي هذه الصفحات تتكثّف دلالة الكيف بشكل غير مسبوق، ليس كعادة اجتماعية، ولا كفعل فردي للاستمتاع، وإنما كمنظور للعالم، وكـتقنية سردية تُفصح عن علاقة الإنسان الطنجي بالذاكرة والزمن، وبالتجمعات الصغيرة التي تُعيد إنتاج المدينة مجازًا داخل «سْطيلة» أو «سبسيّ».

والفرضية التي نقترح الانطلاق منها هنا هي الآتية: إن تيمة الكيف، كما تتجلى في نص حمزة المساري، تشكل عدسة تفسيرية يمكن عبرها إعادة قراءة التراث السردي الطنجي بأكمله، بما يكشف تحول الكيف إلى علامة ثقافية مُؤسِّسة في المتخيل الأدبي للمدينة. هذا النص، بكثافته وعمقه وفرادته، سيكون المركز الذي تدور حوله النصوص السردية الأخرى، لكونه الأكثر تركيبًا في تحويل «الكيف» إلى بنية دلالية تتجاوز حدود المشهدية إلى بناء واقعه الرمزي والنفسي. وتهدف هذه المقالة إلى تحليل آليات توظيف تيمة الكيف في هذا النموذج، من خلال ثلاثة محاور رئيسية:

·      الكيف كلغة غير مكتوبة: تأصيل المعجم الطقوسي للكيف وتحديد وظيفة اللغة العامية في بناء الثقافة الاستهلاكية الموثقة.

·      الكيف كـمحفّز للبوح والتحوّل: تحليل الوظيفة السردية لتيمة الكيف في بناء الشخصية، وكيف يتحول المدخن رمزياً من شخصية مذلة إلى طبيب من أهل الاختصاص.

·      الكيف كـأداة للسيادة والجرأة السياسية: تحليل قدرة التيمة على تفكيك هرم السلطة وفتح قنوات الاتصال الميتافيزيقي مع السلطات العليا.

أولاً: التمهيد التاريخي – من « وصمة» الشّاط إلى « تجريب» الأجانب  

 لكي ندرك طبيعة التحول في أفق تمثّل الكيف داخل السرد الطنجي، وجب استحضار صورته في بواكير الرواية المغربية عند عبد القادر الشاط في «فسيفساء باهتة» (1932).  يحضر الكيف، في نص الشاط كبؤس مادي ملوث وبؤرة للرثاثة؛ حيث يربطه بالمتوسلين على «حصير بال تلطخ بالحروق ورماد مسحوق الكيف» وبأسمال تعشش فيها الطفيليات. الكيف هنا يحضر بوصفه “عيبًا” سلوكيًا يُفتتح به شريط الاعترافات القاتمة، وهو ما يتجسّد في شخصية “العلمي” التي يقدّمها الراوي في صورة إيجابية، مثنيًا على طيبتها، قبل أن يحصر عيبها الوحيد في تدخين الكيف، الذي يُعاد تأطيره سرديًا بوصفه علامة على “عتمة” الوعي وضياع المروءة، وتُرسَم من خلاله ملامح بنظرة “ماكرة” وعيون حمراء تعكس لذة مدمن الأفيون.

هذا المنظور الخارجي توازى لاحقاً مع نصوص الأجانب من “جيل البيت” (بول بولز، ويليام بوروز وغيرهم) ممن أقاموا في طنجة أو عبروها، حيث كان الكيف وسيلة لكسر الحدود الحسية والهروب من ضيق الحضارة الغربية نحو “غرائبية” الشرق، باحثين عن “اغتراب” تجريبي دون النفاذ إلى الروح الأنثروبولوجية للطقس. لقد ظل الكيف في هذه المرحلة “مادة” موضوعية، تُوصف من الخارج كعلامة بؤس أو كأداة للهلوسة، دون أن تتحول إلى “ذات” سردية تملك لغتها وقوانينها الداخلية.

غير أن تمثّل الكيف داخل السرد الطنجي يعرف مع محمد شكري تحوّلًا نوعيًا، لا يندرج لا ضمن أفق الوصم الأخلاقي، ولا ضمن أفق التجريب الاغترابي، بل يتخذ شكلًا ثالثًا يمكن وصفه بـالتمثّل المعيشي الخام. ففي نصوصه، وخاصة «الخبز الحافي»، لا يظهر الكيف كعلامة على الانحراف، ولا كأداة لتوسيع الإدراك، بل كجزء من اقتصاد يوميٍّ للهامش، حيث يتداخل مع ضرورات العيش نفسها.

في هذا السياق، يغدو تدخين الكيف ممارسة تكاد تكون مكافئة للأكل أو النوم، أي فعلًا من أفعال البقاء، يخفف قسوة الواقع دون أن يلغيها. كما يتحول إلى طقس جماعي مؤقت، يُنتج شكلًا هشًا من الألفة داخل فضاءات المقاهي والأزقة، حيث يتقاسم الأفراد لحظات من “الأخوة العابرة” تعوّض غياب الانتماء الاجتماعي المستقر.

غير أن خصوصية هذا التمثّل لا تكمن فقط في إدماج الكيف داخل اليومي، بل في طابعه المزدوج: فهو، في الآن نفسه، أداة للهروب من الألم، ووسيط لوعي حاد به. إذ يمنح لحظات من الصفاء العابر، لكنه يكشف أيضًا عن قسوة الواقع بدل أن يحجبها، بما يجعل التجربة عند شكري خالية من أي تمجيد أو إدانة، ومفتوحة على عرضها في عريها الخام.

ويتقاطع هذا الحضور مع ما يمكن تسميته باقتصاد اللذة الهامشي، حيث يتجاور الكيف مع الجسد والجنس والخمر، ضمن شبكة من الممارسات التي لا تسعى إلى المتعة بوصفها قيمة جمالية، بل بوصفها شكلًا من أشكال مقاومة البؤس. ومع ذلك، يظل الكيف داخل هذا الأفق عنصرًا مندمجًا في التجربة، لا يرتقي إلى مستوى البنية الرمزية المستقلة، إذ لا يمتلك بعدُ لغته الخاصة أو نظامه الطقسي، بل يظل جزءًا من تدفق الحياة الهامشية في فوضاها.

وبذلك، تمثل كتابة شكري لحظة انتقالية حاسمة: فهي تنقل الكيف من موقع الموضوع المُدان إلى التجربة المعيشة، لكنها لا تمنحه بعدُ صفة الأفق المؤسِّس أو النظام الدلالي الذي سيجد اكتماله في نصوص لاحقة، حيث يتحول الكيف من ممارسة إلى بنية، ومن معيش يومي إلى جهاز رمزي.

ثانياً: المحور الأول – الكيف كـلغة غير مكتوبة (تأصيل المعجم الطقوسي)

يتجاوز الجهد الذي بذله حمزة المساري في «أحاديث من باب مرشان» مجرد توثيق ظاهرة استهلاكية، ليتحوّل إلى تأسيس نظام لغوي- ثقافي متكامل، يشكّل ما يمكن تسميته بـالمعجم الطقوسي للكيف. هذا المعجم لا يعمل بوصفه رصيدًا اصطلاحيًا فحسب، بل بوصفه لغة غير مدوّنة، تتداولها الجماعة بوصفها أداة للتواصل الداخلي، ولإعادة إنتاج انتمائها الرمزي داخل فضاء طنجة.

فإذا كان الكيف عند عبد القادر الشاط مجرد أثر مادي منحط—رماد يلطخ الحصير ويشي بالبؤس—فإنه يرتقي عند حمزة المساري إلى مستوى الأداء الشعائري، حيث تتم أسطرة الأداة ذاتها، ويُعاد بناؤها داخل أفق رمزي يمنحها كثافة دلالية غير مسبوقة. فالسبسي لا يُقدَّم كغليون وظيفي، بل كـكيان شبه حي، يتكوّن من “ذكر” و”أنثى”، وله “غمده كالسيف” المسمى “الجوا”، وهو توصيف لا يكتفي بالتشخيص، بل يضفي على الأداة بنية جندرية ورمزية، ترفعها من مادة صماء إلى موضوع شعائري يحظى بنوع من الهيبة.

ولا يتوقف هذا البناء عند مستوى التسمية، بل يمتد إلى تفصيل تقني دقيق يحوّل الفعل الاستهلاكي إلى طقس مُقنَّن: من “المطوي” بوصفه شرطًا بنيويًا لحزم الكيف، إلى “الشقف”باعتباره عنصرًا ماديًا يخضع بدوره لمعايير جودة وتفضيل وعناية أيضا، بما يجعل النص أقرب إلى مروية أنثروبولوجية ترصد طقسًا مكتمل العناصر، لا مجرد ممارسة عابرة. إننا أمام عملية طقسنة (ritualisation) للكيف، حيث تتحول كل مرحلة من مراحل الإعداد إلى لحظة ذات دلالة داخل نظام متماسك.

وتؤدي هذه اللغة الطقسية وظيفة حاسمة في تنظيم الجماعة من الداخل، عبر إنتاج تصنيفات دقيقة للخبرة والسلوك. فمصطلح “الكيايْفي” لا يدل على مجرد مستهلك، بل على ذات تمتلك رأسمالًا رمزيًا داخل الجماعة، يتجلى في المهارة، وضبط المقادير، والقدرة على “إصلاح الشأن”، بما يؤسس لهرمية باطنية تُقاس فيها المكانة وفق الكفاءة الطقسية. وفي المقابل، يُصنَّف “المسوس”  — الكيف خالصا غير ممزوج بالتبغ— بوصفه انحرافًا عن القاعدة، إذ يُربط مباشرة بـ”التهلكة والخروج عن الأحوال”، وهو ما يكشف أن استهلاك الكيف، داخل هذا الأفق، ليس فعلاً منفلتًا، بل ممارسة مُؤطَّرة بقواعد وضوابط، تضبطها الجماعة وتحرسها.

وتتجلى ذروة هذا النظام اللغوي في تحوله إلى حِكَم مُتداولة تختزن معرفة جماعية مكثفة، من قبيل: “الكيف بلا دكة، كالقطار من دون سكة”، حيث لا تعمل العبارة كتشبيه بلاغي فحسب، بل كـقانون طقسي يُحدِّد شروط الممارسة السليمة. وهنا، يغدو التدخين فعلاً يتجاوز الحسّ إلى أفق تأملي، تُستعاد داخله فكرة التوازن والقياس والاعتدال، بما يحوّل الكيف من مجرد استهلاك إلى ممارسة ذات بعد معرفي ضمني.

وبهذا المعنى، لا يكشف نص حمزة المساري عن معجم خاص فحسب، وإنما يكشف عن لغة كاملة تُنظِّم الفعل، وتُؤطِّر الجماعة، وتمنح الممارسة معناها، بما يؤسس لتحول نوعي في تمثّل الكيف: من مادة مُدانة أو معيشة إلى نظام رمزي يُنتج دلالاته من داخله.

ثالثاً: المحور الثاني – الكيف كـمحفّز للبوح والتحوّل (بناء الشخصية)

لا يقتصر دور الكيف في سرد المساري على التوثيق، بل يتعداه ليعمل كـآلية سردية فعالة تؤدي إلى تحولات جذرية في وضع الشخصية ومكانتها الرمزية. إن أعمق مساهمة للمساري في هذا الصدد هي تحويله البطل المدخن من شخصية هامشية مطاردة بالوصم إلى شخصية ذات هيبة وحكمة. فإذا كان الشاط قد اعتبر تدخين الكيف من “عيوب العلمي لا غير”، فإن المساري يقلب هذه الوصمة رأساً على عقب.

يبدأ التحول السردي بالاعتراف الصريح بالوصم الاجتماعي المرير، لكن هذه الملاحظة تُنفى مباشرة بالفعل الطقسي؛ حيث يظهر المدخن في كامل لباس الهيبة (“برويه الطنجي، بسرواله القندريسي”) وهو يقوم بالطقس في “اعتزاز بنفسه وفي هيبة” تفرض حضورها على المكان. ويبلغ التحول ذروته الدرامية بتحويل المدخن من حامل “العكاز” (الذي يرمز سردياً إلى الوهن والسقوط وشرف صاحبه المهدور) إلى “طبيب من أهل الاختصاص” و “بلسماً من ترياق العلاج” حينما “يبوخ” على الطفل الصغير ليشفي داء الربو. هذه المقابلة الجذرية تمنح الشخصية سلطة علاجية وروحية ترفعها من هامش النبذ الاجتماعي إلى مركز الحكمة والمعرفة، محققة ملجأً ذهنياً هادئاً وسط صخب العالم وكروبه.

إن هذا التأصيل المنهجي عند المساري يمنحنا المفتاح النقدي لفهم شخصيات محمد شكري في قاع المدينة. فشخصية شكري لا تمارس فعل التدخين كهروب سلبي من الواقع الرث، بل كاستعادة للهيبة المفقودة في صراع البقاء. فحين تجلس هذه الشخصية في “الحلقة”، فإنها تتلقى نوعاً من الاعتراف الاجتماعي والسلطة المعرفية التي يغيب عنها في حياتها اليومية المهدورة. الكيف هنا، وبناءً على منظور المساري، هو ما يحول الشخصية محمد شكري من “مُذل” اجتماعي إلى “صاحب رأي” ومالك لزمنه الخاص. إن مفهوم “التحول والاعتزاز بالنفس” الذي قعّد له المساري، كان عنصراً سردياً كامناً في ثنايا نصوص شكري، وبدونه تظل مشاهد التدخين عنده مجرد رصد لواقع بائس، بينما هي في العمق محاولة لاسترداد السيادة المفقودة على الذات والجسد.

رابعا المحور الثالث – الكيف كأداة للسيادة والجرأة السياسية

 في هذا البعد تتجلى أرقى وظائف تيمة الكيف في علاقتها بالآخر وبالفضاء العام، حيث يتحول من ممارسة فردية إلى قوة رمزية وسياسية تمنح المستهلك جرأة وقدرة على تفكيك رموز السلطة التقليدية.

في نص حمزة المساري، تتجلى هذه القدرة الرمزية في حادثة تآكل درج سلم مركب السلطان الحسن الأول، المركون في ميناء طنجة. يجيب الريس محمد الزمبليطي السلطان بعد استفساره: “البحرية كيتقسسو عليها الكيف”. هنا يصبح الكيف أداة لفرض إيقاعه اليومي حتى داخل معقل السلطة المطلقة، فيما يرمز التآكل التدريجي للخشب إلى تآكل الهيبة الرسمية لصالح الهيبة الرمزية للطقس الشعبي، ويُظهر أن التدخين ليس مجرد استهلاك، بل فعل يخلق سلطة رمزية ويفرض حضور الجماعة على فضاء القصر.

يتوسع هذا البعد في رواية أحمد بروحو «حكاية طنجة» ، حيث يستخدم “با امحمد”، نادل مقهى الحافة الشهير، الكيف كوسيط رمزي وميتافيزيقي للتواصل مع الملك الشريف. يقول بَّا امحمد أمام زبائنه: «سوف أخاطب ملكنا الشهم. إنه الشريف ولد النبي، لسوف يسمعني رغم مسافة ثلاث مائة كيلومتر التي تفصلنا: سيدنا! الطنجيون الذين يحبونكم، والذين بنوا آمالهم على روحكم العظيمة، يتضرعون إليكم بأن تستأنفوا رحلاتكم إلى طنجة. الطنجيون يا سيدي، لا يجب أن يُؤخذوا بجريرة هؤلاء المسؤولين الانتهازيين. بدونكم يا مولاي نحن هالكون، أتهلكنا بما فعل السفهاء منا.”  وعندما يسقط السبسي فجأة من يده، يسأله أحد الحضور: “ما بك آ بّا امحمد؟ هل الكيف…” فيرد مبتسمًا: “لا! الملك كلمني.” »

تجمع هاتان الواقعتان بين الهيبة الرمزية التي يمنحها الكيف داخل الجماعة المحلية، وبين الجرأة على اختراق رمزية السلطة الرسمية. في نص المساري، يظهر الكيف قدرة جماعية على تعديل البروتوكولات السلطانية اليومية، وفي نص بروحو، يتحول الكيف إلى قناة اتصال مباشرة مع السلطة العليا، يمنح الهامشي صوتًا سياديًا يتجاوز الوسائط التقليدية.

بهذا، يمكن القول إن الكيف في السرد الطنجاوي يتطور في نص حمزة المساري من طقس شعائري واجتماعي إلى أداة للجرأة السياسية والاتصال الرمزي، حيث يجمع المساري جميع مستويات الطيف في نصه، مع الحفاظ على الوظيفة الرمزية التي تجعل منه علامة دالة على إعادة توزيع السلطة الرمزية والاجتماعية في المدينة. وعلى هذا المستوى يشترك معه أحمد بروحو في استخدام الكيف كوسيلة لتحويل الطقس الشعبي من مجرد استهلاك إلى قوة قادرة على تحدي المركز من أقصى الهامش.

الخاتمة: تيمة الكيف كنواة سردية وثقافية

تؤكد هذه المقالة أن تيمة الكيف في المتخيل السردي الطنجي قد غادرت مربع الفلكلور والوصف العابر، لتستوي نواةً ثقافية وسردية تعيد إنتاج بنية المدينة الرمزية وتؤطر وجدانها الجماعي. ومن خلال تحليل نص حمزة المساري، يتجلى الكيف ليس كمادة استهلاكية، بل كنظام لغوي واجتماعي وسيادي متكامل؛ فهو الطقس الشعائري الذي يمنح الهيبة، والمحرك الرمزي القادر على إرباك تراتبيات السلطة اليومية.

وإذا كانت هذه الوظائف تمتد في سرديات أخرى—باعتبارها أداة لاسترداد الهيبة الفردية في “هامش” محمد شكري، أو جسراً للجرأة السياسية والاتصال الرمزي لدى أحمد بروحو— فإن تجربة المساري تظل الأكثر تكاملاً؛ لقدرتها الفريدة على صهر الطقسي بالاجتماعي، والواقعي بالرمزي، في توازن نادر يتحدى سلطة المركز.

خلاصة القول، إن الكيف في السرد الطنجي يتحول من مجرد “عشبة” تمنح سعادة عابرة إلى علامة فارقة لإعادة توزيع السلطة الرمزية، مؤسساً لوعي جماعي خاص بالمدينة. إنه يقدم اليوم إطاراً منهجياً ونقدياً لإعادة قراءة التراث السردي الطنجي عبر هذه “العدسة الفريدة”، التي تزاوج بين الواقعية الشعبية والسيادة الرمزية في نصوص ترفض الاختزال وتتعدد في أبعادها وزمنها.

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع