تفكيك السرديّة الرسميّة واستعادة الهامش الإنسانيّ

قراءة نقديّة في رواية توت فاروق لروبير الفارس

روبير الفارس توت فاروق

القس عيد صلاح

تُعد رواية توت فاروق للأديب والروائيّ المصريّ روبير الفارس، الصادرة عن دار روافد للنشر والتوزيع، عام 2025م، وتقع في 147 صفحة من القطع المتوسط، من الأعمال التي تتجاوز البناء الروائيّ التقليديّ لتقدم قراءة مغايرة للتاريخ المصريّ، إذ تنطلق من رؤية ترى أن الماضي ليس معطىً ثابتًا، بل نصًا يحتاج إلى إعادة اكتشاف وتأويل. ومنذ العتبة الأولى للرواية، يضع الكاتب القارئ أمام سؤال العلاقة بين الحقيقة والخيال، ليصبح السرد محاولة لتفكيك الرواية الرسميّة للتاريخ، واستعادة الأصوات التي همشتها السلطة السياسيّة والاجتماعيّة والدينيّة.

وقد سبق وصدر لروبير الفارس مجموعة من الروايات، وهي: “البتول” مجموعة قصصية، تحوت الأدبية الطبعة الأولى 2000م، طبعة ثانية دار الفنون 2008م. “عيب احنا في كنيسة” مجموعة قصصية، دار ميريت 2009م. “جومر جريمة في دير الراهبات“، دار سفنكس طبعة أولى 2012 م وطبعة ثانية 2015م. “لعبة الضلال” دار روافد 2016م. “جلابية ستان” مجموعة قصصية، الهيئة المصرية العامة للكتاب 2016م. “مترو مارجرجس” روايات الهلال 2018م. “صلاة القتلة“، دار روافد 2019م. “الرعاع نيوفيلا” 2020م. “نيافة الراعي والنساء“، 2022م. ثم “توت فاروق “، دار روافد 2025م، وهي موضوع قرأتنا.

على المستوى الفنيّ، تقوم رواية توت فاروق على بناء تجريبيّ يعتمد تقنية الرواية داخل الرواية، حيث يتلقى الصحفيّ بطل العمل مخطوطًا بعنوان توت فاروق من شخصية غامضة تدعى فاروق الروضي، الذي يزعم أنه الابن غير الشرعي للملك فاروق. ومن خلال هذا المخطوط تتداخل مستويات السرد، فيتحول النصّ إلى ما يشبه لعبة البازل التي تتكشف ملامحها تدريجيًا أمام القارئ، كما أن إدخال كواليس النشر، وحذف رئيس التحرير لبعض المقاطع، وإتاحة حق الرد، يجعل عملية كتابة الرواية نفسها جزءًا من الحكاية، والنصّ لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يكشف للقارئ عملية الكتابة أو النشر أو صناعة الحكاية، فيلفت الانتباه إلى أن ما يقرأه هو عمل أدبيّ مصنوع، وليس واقعًا يُنقل كما هو.

لا تسير رواية توت فاروق في خط درامي مستقيم أو زمني متتابع، بل تعتمد على تقنية التنقل المستمر بين الماضي والحاضر، في حركة ذهاب وإياب تجعل القارئ شريكًا في إعادة تركيب الأحداث. وتمتد الرواية عبر حقبة زمنية طويلة تبدأ من عصر محمد علي وصولًا إلى عهد السادات، لتكشف كيف ما زالت تحولات تلك المراحل التاريخية تلقي بظلالها على الواقع المصري الراهن. ولهذا لا تُعد الرواية من الأعمال التي تُقرأ قراءة عابرة؛ فهي تتطلب تركيزًا في تتبع الشخصيات والأحداث، وقدرة على الربط بين ما يصرح به الكاتب وما يتركه للقارئ في المساحات الصامتة، حيث يصبح المعنى في كثير من الأحيان كامنًا فيما لم يُقل بقدر ما هو حاضر فيما قيل.

تستمد رواية توت فاروق تميزها من قدرتها على الجمع بين التجريب الفنيّ والرؤية النقديّة، بحيث لا تكتفي بتقديم حكاية روائيّة، بل تتحول إلى مساحة لإعادة مساءلة التاريخ والواقع السياسيّ والاجتماعيّ والدينيّ. ويأتي هذا التميز من خلال عدد من العناصر التي منحت العمل خصوصيّته.

فعلى المستوى السرديّ، تعتمد الرواية بناءً غير تقليديّ يقوم على تداخل الأزمنة والحكايات، إذ تتكشف الأحداث تدريجيًا عبر رواية داخل رواية، فيشارك القارئ في إعادة تركيب الوقائع وربط أجزائها، وكأنه يجمع قطع صورة متفرقة حتى تكتمل في النهاية. كما تجعل الرواية من عملية الكتابة والنشر نفسها جزءًا من السرد، من خلال إدخال شخصية رئيس التحرير، والإشارة إلى المقاطع المحذوفة، وكواليس النشر، وهو ما يضفي على النصّ بعدًا تأمليًا يتجاوز مجرد رواية الأحداث، ثم التوقع الأخير بعد نشر ما حذفه رئيس التحرير أن القراء حذفوا الرواية بأكملها إشارة إلى سلطة رقابة المجتمع.

وتبرز قوة الرواية كذلك في محاولتها إعادة قراءة التاريخ من منظور مختلف، فهي لا تنطلق من الرواية الرسميّة التي كتبها المنتصرون، وإنما تمنح الأولوية لأصوات المهمشين والمنسيين. ومن هنا تأتي شخصية فاروق الروضي، الذي يدعي أنه الابن غير الشرعي للملك فاروق، بوصفها مدخلًا لإعادة مساءلة التاريخ، لا باعتبارها حقيقة تاريخيّة، وإنما باعتبارها أداة أدبيّة للكشف عن الجوانب التي أهملتها السرديّات الرسميّة.

ومن الجوانب اللافتة أيضًا تقديم الرواية لما يمكن تسميته تاريخ البطن، إذ تربط بين الجوع والسلطة والسلوك الاجتماعيّ، وترى أن فهم كثير من التحولات السياسيّة والاجتماعيّة يقتضي النظر إلى الاحتياجات الماديّة للناس قبل الشعارات الكبرى، وقد تذكرت مقولة كنت قد قرأتها منذ سنوات طويلة بأن الشعوب كالثعابين تزحف على بطونها. وبهذا تقدم الرواية قراءة سوسيولوجية تتجاوز الأحداث المباشرة، وتحاول تفسير العلاقة بين السلطة والجماهير من منظور اجتماعيّ وإنسانيّ.

كما تتسم الرواية بجرأة واضحة في تناول القضايا الدينيّة، حيث تناقش موضوعات حساسة مثل قضايا قوانين الأحوال الشخصية للمسيحيّين وأزمة الطلاق، دون أن تكتفي بعرض المواقف الرسميّة، بل تركّز على الآثار الإنسانيّة التي تترتب عليها، وما قد تدفع إليه من صدام مع المؤسّسة الدينيّة أو البحث عن حلول بديلة خارج الإطار المعتاد. وبهذا تتحول الشخصيات إلى وسيلة لطرح أسئلة حول العلاقة بين النصّوص القانونيّة وواقع الإنسان. وتعتمد الرواية كذلك على رمزيّة كثيفة، يتصدرها رمز شجرة التوت التي تمثل بساطة الفقراء وهشاشة أحلامهم، وتحمل في الوقت نفسه دلالات وطنية وإنسانيّة متعدّدة، بما يجعل العنوان نفسه مفتاحًا لفهم كثير من أبعاد العمل.

ومن عناصر القوة أيضًا إعادة الاعتبار لشخصيات مهمشة، مثل إبراهيم كنشور وسيدهم بشاي، إذ لا تقدمهم الرواية بوصفهم شخصيات تاريخيّة جامدة، بل باعتبارهم أفرادًا عاشوا تجارب إنسانيّة معقدة، تجمع بين الطموح والضعف والمعاناة. ومن خلالهم تعيد الرواية كتابة التاريخ من أسفل، أي من منظور الأشخاص الذين غابت أصواتهم عن الروايات التاريخيّة السائدة.

وفي مجملها، تبدو توت فاروق رواية تتجاوز وظيفة الترفيه، لتصبح عملًا يسائل التاريخ والسلطة والمؤسّسة الدينيّة، ويستفز القارئ للمشاركة في إعادة التفكير في المسلمات التي تحكم فهمه للماضي والحاضر. وهذه القدرة على الجمع بين التجريب الفني والطرح الفكريّ هي إحدى أبرز نقاط قوة الرواية، وجزء أساسي من فرادتها في المشهد الروائي المصريّ المعاصر.

تكمن قوة رواية توت فاروق” في أنها تجمع بين الطموح الفنيّ والطرح الفكريّ، فلا تكتفي بسرد الأحداث، بل تسعى إلى إعادة مساءلة التاريخ والواقع من خلال أدوات روائيّة تجريبيّة ورؤية نقديّة جريئة. ومن أبرز عناصر تميزها ما يأتي:

أولًا، تتميز الرواية ببناء سردي غير تقليدي يعتمد على تداخل الأزمنة والأصوات والروايات، مما يجعل القارئ شريكًا في إعادة تركيب الأحداث واكتشاف العلاقات بينها تدريجيًا. ويمنح هذا البناء النصّ حيوية خاصة، ويجعل القراءة عملية تأويل مستمرة لا مجرد متابعة خطية للأحداث. والمساحة الزمنية التي تدور فيها أحداث الرواية كبيرة من محمد على حتى الآن.

ثانيًا، تنجح الرواية في تقديم قراءة بديلة للتاريخ، إذ تمنح مساحة للأشخاص والأحداث التي غابت عن السرديات الرسميّة، فتنتقل من تاريخ الملوك والحكام إلى تاريخ الناس العاديين، ومن الرواية الرسميّة إلى الرواية الإنسانيّة، وهو ما يضفي على العمل بعدًا نقديّا واضحًا.

ثالثًا، تقدم الرواية رؤية اجتماعيّة مبتكرة من خلال فكرة تاريخ البطن، التي تربط بين الجوع والسلطة والسلوك الاجتماعيّ، لتقترح تفسيرًا مختلفًا لكثير من الظواهر السياسيّة والثقافية في المجتمع المصريّ. وتمنح هذه الرؤية العمل عمقًا فكريّا يتجاوز كونه مجرد رواية تاريخيّة.

رابعًا، تتسم الرواية بجرأة كبيرة في مناقشة القضايا الشائكة، سواء السياسيّة أو الدينيّة أو الاجتماعيّة، مثل العلاقة بين السلطة والمواطن، وقضايا الأحوال الشخصية، وأزمة الطلاق في المسيحيّة، والتمييز الاجتماعيّ، دون الاكتفاء بإثارة هذه الموضوعات، بل من خلال شخصيات وتجارب إنسانيّة تجعل القارئ يواجه آثارها الواقعية.

خامسًا: ينجح الكاتب في توظيف الرموز بصورة فاعلة، ويبرز ذلك في رمز شجرة التوت التي تتحول إلى دلالة على أحلام البسطاء، وهشاشة الإنسان، والانتماء الوطني، بما يضفي على الرواية مستويات متعدّدة من القراءة تتجاوز المعنى المباشر.

سادسًا: تتميز الرواية بلغة تجمع بين الفصحى والعامية المصريّة، بما يمنح الحوار قدرًا كبيرًا من الواقعية، ويجعل الشخصيات أكثر قربًا من بيئتها الاجتماعيّة، مع احتفاظ السرد بلغة أدبيّة قادرة على التعبير عن الأفكار الفلسفية والرمزية.

ومن وجهة نظر نقديّة، فإن اللافت في توت فاروق أن عناصر قوتها هي نفسها مصدر كثير من الانتقادات الموجهة إليها؛ فالتجريب السردي (وهو استخدام الكاتب لأساليب غير تقليدية في بناء الرواية أو طريقة الحكي، بهدف تقديم تجربة قراءة مختلفة عن السرد المعتاد) قد يُعد عند بعض القراء تشتيتًا، والجرأة الفكريّة قد تُقرأ بوصفها استفزازًا، وإعادة كتابة التاريخ قد تُفهم على أنها تشويه للوقائع. وهذه المفارقة تجعل الرواية من الأعمال التي تثير الجدل أكثر مما تسعى إلى تحقيق إجماع حولها، وهو غالبًا ما يميز الروايات ذات الطابع التجريبيّ والفكريّ.

توظيف الجسد في رواية توت فاروق

من الملاحظ أن مساحة الجسد كبيرة في رواية توت فاروق، والسؤال: ما هو القصد من ذلك؟ للإجابة على هذا السؤال توجد رؤية مهمة لغالي شكري في كتابه “أزمة الجنس في القصة العربية” أهمية خاصة؛ إذ يذهب إلى أن الجنس في السرد العربي لا ينبغي النظر إليه بوصفه غاية في ذاته أو مجرد وسيلة للإثارة، وإنما باعتباره مؤشرًا على البنية الاجتماعية والثقافية والسياسية التي أنتجت النص. فالمشاهد الجنسية تكشف، في تصوره، عن علاقات الهيمنة والقهر، والتفاوت الطبقي، والصراع بين القيم التقليدية والنزعات الحداثية، كما تعبر عن أزمة الإنسان العربي في علاقته بذاته وبالمجتمع. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة توظيف روبير الفارس للجنس في رواية توت فاروق بوصفه أداة سردية ونقدية تتجاوز الوصف الجسدي، لتفكيك الخطابات الدينية والتاريخية والسياسية، وكشف التناقضات الكامنة في المجتمع وآليات إنتاج السلطة. وهكذا، لا يؤدي الجنس في الرواية وظيفة تزيينية أو صادمة فحسب، بل يصبح عنصرًا بنائيًا يسهم في إنتاج الدلالة، ويعكس رؤية الكاتب إلى التاريخ والهوية والإنسان، وهو ما يتقاطع مع المنظور النقدي الذي طرحه غالي شكري في قراءته لتطور السرد العربي الحديث.

 ومن هنا لا يوظف روبير الفارس الجسد والجنس في توت فاروق باعتبارهما عنصرًا لإثارة القارئ أو غاية في ذاتهما، بل يجعلهما أداة سردية ورمزية للكشف عن علاقات السلطة، والحرمان، والتهميش، والتناقضات الاجتماعية والدينية. فالجسد في الرواية يتحول إلى مساحة تتقاطع فيها السياسة والدين والتاريخ، ويصبح مدخلًا لقراءة المجتمع أكثر من كونه موضوعًا مستقلًا.

فعلى المستوى السياسي، يستخدم الكاتب الإشارات الجنسية بوصفها استعارات تعبر عن الهيمنة والانكسار، حيث تتحول العلاقة بين الحاكم والمحكوم إلى علاقة تقوم على السيطرة والقهر. كما أن ادعاء فاروق الروضي بأنه الابن غير الشرعي للملك فاروق لا يُقصد به إثبات واقعة تاريخية، وإنما يمثل محاولة رمزية لإرباك السردية الرسمية للتاريخ، وإعادة مساءلة صورة السلطة والشرعية.

وعلى المستوى الاجتماعي، يمثل الحرمان الجنسي أحد المحركات الرئيسة لعدد من الشخصيات، إذ يرتبط ببعض القرارات المصيرية والصراعات التي تدفع الأفراد إلى البحث عن حلول استثنائية، بل وأحيانًا غير مشروعة. ومن خلال ذلك، تحاول الرواية إظهار الكيفية التي يمكن أن تتحول بها الاحتياجات الإنسانية غير المعالجة إلى مصدر للأزمات الشخصية والاجتماعية.

أما في علاقتها بالمؤسسة الدينية، فتستخدم الرواية موضوع الجسد لإثارة النقاش حول التوتر بين القواعد الدينية والواقع الإنساني، ولا سيما في قضايا الزواج والطلاق، حيث تعرض شخصيات تجد نفسها عالقة بين التزامها بالتعاليم الكنسية وبين احتياجاتها النفسية والجسدية، بما يجعل الجسد أحد ميادين الصراع بين القانون والإنسان.

كما يوظف الكاتب الرموز والإيحاءات اللغوية المرتبطة بالجسد لإنتاج مفارقات دلالية تكشف اختلاف المعاني باختلاف السياقات الثقافية واللغوية، وتبرز الفجوة بين ما يُعد مقدسًا في سياق معين وما قد يُفهم بصورة مغايرة في سياق آخر. وتأتي رمزية شجرة التوت ضمن هذا الإطار، إذ تحمل دلالات متعددة تتراوح بين البراءة والرغبة، وبين الحياة والهشاشة.

وفي بعض المقاطع، يتخذ الجسد بعدًا رمزيًا يعبر عن التمرد على القيود الاجتماعية والدينية، بحيث يصبح وسيلة للتعبير عن الرغبة في التحرر من القهر أو استعادة السيطرة على الذات. ومن ثم، لا يقدم الكاتب هذه التصرفات بوصفها نماذج أخلاقية يُحتذى بها، وإنما يوظفها للكشف عن الأزمات النفسية والاجتماعية التي تعيشها الشخصيات.

وفي المجمل، يبدو أن روبير الفارس يجعل من الجسد والجنس أداة نقدية أكثر منهما موضوعًا روائيًا، فيستخدمهما لتفكيك أنماط السلطة، ومساءلة بعض البنى الاجتماعية والدينية، وإبراز التوتر الدائم بين الرغبات الإنسانية والقيود التي يفرضها المجتمع والتاريخ والمؤسسات.

رؤية رواية توت فاروق لقضية الطلاق في المسيحيّة:

عبر سبع سنوات قرأت كثيرًا عن الطلاق في المفهوم المسيحيّ وخصصت رسالتي لنيل درجة الدكتوراه عن هذا الموضوع “أسباب الطلاق لدى المسيحيّين المصريّين دراسة تحليلية مقارنة مع المسيحيّين اللبنانيين”، وكنت أود أن أتعرض بعد الانتهاء من هذه الدراسة لمعرفة كيف تناول الأدب المصريّ الطلاق في المسيحيّة في دراسة مستقلة، وجمعت عددًا من النصّوص الأدبيّة التي تتناول هذا الموضوع للكتابة عنها. وعند قراءة هذه الرواية وجدتها تلقي الضوء على هذا الموضوع بصورة طيبة.

 تتناول رواية توت فاروق قضية الطلاق في المسيحيّة بوصفها واحدة من أكثر القضايا الإنسانيّة تعقيدًا، إذ تقدم رؤية نقديّة ترى أن التشدّد في تطبيق قوانين الأحوال الشخصية قد يؤدي إلى معاناة إنسانيّة تتجاوز حدود النصّ القانونيّ. ومن خلال عدد من الشخصيات والأحداث، تطرح الرواية تساؤلات حول العلاقة بين الالتزام بالعقيدة والاستجابة للظروف الإنسانيّة التي قد تطرأ على الحياة الزوجيّة.

وتتجسد هذه الرؤية في قصة كامل ومريم، حيث تتمسك المؤسّسة الكنسيّة بمبدأ عدم جواز الطلاق إلا لعلة الزنا، حتى بعد تعرض الزوجة لحريق أدى إلى تشوه جسدها ووجهها بصورة كاملة. ويرفض البطريرك منح الزوج تصريحًا بالزواج الثاني، معتبرًا أن المأساة الجسديّة لا تُعد سببًا يبرر إنهاء الرابطة الزوجيّة. ومن خلال هذا الموقف، تصور الرواية الصدام بين التطبيق الحرفيّ للقانون الكنسيّ والظروف الإنسانيّة الاستثنائيّة التي قد تجعل استمرار الحياة الزوجيّة بالغ الصعوبة.

وتبرز الرواية الآثار النفسيّة والاجتماعيّة لهذا التشدد، إذ يشعر كامل بالإهانة وعدم تفهم معاناته، قبل أن ينتهي به الأمر إلى الحرمان الكنسيّ والإقصاء الدينيّ. وفي المقابل، ترسم الرواية صورة مأساوية لمريم التي تعيش معزولة عن المجتمع وحتى عن أبنائها الذين ينفرون من مظهرها بعد الحريق، لتصبح الأسرة بأكملها ضحية وضع لا تستطيع الخروج منه. وبهذا لا تقتصر الأزمة على الخلاف القانونيّ، بل تمتد إلى انهيار العلاقات الأسرية وتفاقم العزلة النفسيّة والاجتماعيّة.

ولا تكتفي الرواية بعرض هذه الأزمة في إطارها المعاصر، بل تعود إلى التاريخ لتبين أن التشدد في قوانين الزواج والطلاق كثيرًا ما دفع بعض الأشخاص إلى البحث عن وسائل غير مشروعة للخروج من أزماتهم. ويتضح ذلك في قصة فرنسيس وكنورة، حيث أدى رفض إنهاء الزواج إلى اللجوء لتزوير وثائق رسميّة بغية الحصول على الطلاق والزواج من جديد، وهي الحيلة التي انتهت بعواقب قاسية كان من بينها نفي إبراهيم كنشور وتحوله إلى ضحية لصراع معقد بين الحب والقانون الكنسيّ.

كما تشير الرواية إلى محاولات البحث عن مخارج قانونيّة داخل أنظمة كنسيّة مختلفة، من خلال شخصية عايدة التي تفتش عن إمكانية الاستفادة من بعض الأحكام الكنسيّة الخاصة بالزواج المختلط بعد أن اصطدمت برفض كنيستها لعلاقتها بشخص مسلم. ويعكس هذا المسار رغبة الشخصيات في البحث عن حلول قانونيّة بديلة عندما تعجز القوانين التي تنتمي إليها عن معالجة أوضاعها الخاصة.

وفي مجملها، لا تقدم الرواية معالجة فقهيّة أو لاهوتيّة لقضية الطلاق، بل تطرح رؤية أدبيّة وإنسانيّة تنتقد ما تراه فجوة بين النصّ القانونيّ والواقع المعيش. فهي ترى أن التشدد في تطبيق القواعد الكنسيّة قد يدفع بعض الأشخاص إلى الصدام مع السلطة الدينيّة، أو إلى التحايل على القانون، أو إلى الاستسلام لحياة يغلب عليها الألم والعزلة، الأمر الذي يجعل الرواية تثير سؤالًا أوسع حول كيفية الموازنة بين الحفاظ على قدّسيّة الزواج ومراعاة الحالات الإنسانيّة الاستثنائية.

ترى الرواية أن القوانين الحالية للطلاق في المسيحيّة تحول العش الزوجيّ في بعض الأوقات إلى سجن، وتدفع المؤمنين إما إلى الصدام مع السلطة الدينيّة والحرمان، أو اللجوء إلى الاحتيال والتزوير، أو العيش في عزلة وتشوه نفسيّ يفوق تشوه الجسد.

وفي المجمل، تكمن القوة الأساسيّة لرواية توت فاروق في قدرتها على تحويل الرواية إلى مساحة للحوار مع التاريخ والسلطة والدين والذاكرة، بحيث لا تقدم إجابات جاهزة، بل تدفع القارئ إلى إعادة التفكير في المسلّمات التي تحكم فهمه للماضي والحاضر. وهذه القدرة على الجمع بين التجريب الفنيّ والطرح الفكريّ والنقد الاجتماعيّ تمنح الرواية مكانة مميزة بين الأعمال الروائيّة التي تسعى إلى تجاوز حدود الحكاية التقليديّة.

وفي ختام هذه القراءة، رواية تستحق التوقف أمامها، سواء اتفق القارئ مع رؤيتها أم اختلف معها؛ فهي عمل يثير الأسئلة أكثر مما يقدّم إجابات جاهزة، ويفتح مساحات واسعة للتفكير في التاريخ والهوية والدين والإنسان. ومن هنا، فإنَّ التحية واجبة للأديب والروائيّ المصريّ روبير الفارس على جرأته في خوض مناطق شائكة، وعلى اختياره أن يجعل من الرواية مساحة للحوار والتأمل لا مجرد وسيلة للترفيه. ولعل الأدب في جوهره لا يُقرأ بمنطق المصادرة أو التسليم المطلق، بل بعقل منفتح يميز بين العمل الإبداعيّ والخطاب الأيديولوجيّ، ويمنح النصّ حقَّه في النقاش والتأويل. فكل قراءة جادة للأدب هي فرصة لاكتشاف الإنسان، وإعادة النظر في المسلمات، وإثراء الحوار الثقافيّ الذي لا يزدهر إلا بتعدّد الأصوات واحترام الاختلاف.

 

 

راعي الكنيسة الإنجيليّة بعين شمس، القاهرة. باحث في التراث العربيّ المسيحيّ

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع