محمود خليفة
منزل الجدة دائم الجلبة لا تنقطع فيه الزيارات ولا مكان فيه للخصوصية حتى منتصف الليل.. واسع تحوطه الشرفات المطلة على حقول شاسعة وترعة طويلة لم أعرف أبداً أين بدايتها أو نهايتها. أما جدرانه من الداخل فهي حكايا ترويها الصور..
في الصباح، بعد أداء الصلاة، تخرج أصغر الجدات من الباب وتسير بخفة على لوح الخشب الذي يعبر الترعة إلى بقعة مليئة بالخضروات التي تزرعها بدأب، وتعود بنفس الخفة حاملة حبات الخيار والبازلاء والبامية والبطاطا، تفرغهم أمام الباب. ثم تذهب خلف المنزل لتعود بأكواز الذرة. وبعد صلاة الظهر يصبح المنزل ملبدا ببخار الطهي ومعبق بروائح عرق النساء وصلصة الطماطم. تقترب أصغر الجدات من السبعين عاما والعادات لا تتبدل. كل يوم عيد، كل شيء له طقوسه، كل شيء له احتفال. الاحتفال بالأحياء واجب، ومن يعرف الواجب غير الجدات؟
بعد صلاة العشاء تأتي الأكواب المغسولة وعدة الشاي.. الجدة وشقيقاتها الثلاث يجلسن على الكنب الإسطنبولّي ويتجمع حولهن كل من كان.. أولاد وأحفاد وأقارب وجيران.. الكل يأتي ليشرب الشاي في صحبتهن ويشاركهن الثرثرة عن فلان الذي فعل كذا وعلانة التي قالت كذا.. ولابد أن يتطرق الحديث إلى ذكر عشرات من الفلانيين والفلانيات مع تكرار جملة (الله يرحمه/ها) وكأن الموت قد حصد الكثير بالفعل. الجدة الصغرى لا تنسى الأطفال، فتوزع عليهم الحلوى. تنظر لي وأنا أراقبها. كنت قد وصلت لسن البلوغ. تضحك وتمد لي يدها بقطعة حلوى لكنني أتذرع بالشاي الذي لا يتناسب مع حلوى بطعم البرتقال. تصر الجدة. أخذها بخجل. تخبرني أن الملائكة تحرس الأطفال وأنها تعطيهم الحلوى وتلاعبهم ليشعروا بالفرح فتفرح الملائكة معهم. الاحتفال بالملائكة واجب مقدس أيضاً.
الجدات أنهكهن السير في الجنازات وتوديع الأحباء وإحياء ليالي الخميس والأربعين وحتى الذكري السنوية. أما زيارة القبور فلها طقوساً تبدأ بخبز الشُرك ليلة الخميس عندما تتجمع النسوة حول الفرن.. وبالطبع يتشاركن الحديث عن فلان الله يرحمه إبن العم فلان الله يرحمه وعلان الآخر الله يرحمه ابن الخالة علانة الله يرحمها، وهكذا.. قلوب الجدات لا تختلف عن قلوب الآخرين من أهل القرية التي تجتمع في القبور صباح الجمعة لتوزيع الصدقات عن روح فلان الله يرحمه وفلانة الله يرحمها مع الكثير من أكياس الشُورك والبرتقال أو الجوافة أو الخيار. ما شاهدته هو احتفاء بالغائب الحاضر، وبث للأرواح من جديد في قلوب الأحياء. بالطبع من في القبور صاروا في ذمة الله، لكن سيرتهم بالخير والمحاسن لا تنقطع.
قالت الجدة الصغرى، أم أمي، أن الموت هو بداية حياة البني آدم في الدار الآخرة، كلنا أحياء، هنا أو هناك. قلت لها إني سأفتقدها إن رحلت، فوضعت ذراعيها حولي وقالت: “لن أموت وأنا في قلبك وقلب من يذكرني بالخير”..
وقد كان.










