محمد الفخراني
وُلِدَتْ ولها نافذة في بطنها: مُربَّع من زجاج شفاف بحجم سنتيمتر واحد بدلاً عن السُرَّة.
لم تشعر الأم بقلق على طفلتها، نظرَتْ في مُربَّع الزجاج بإحدى عينيها، رأت خلفه موجات من سحاب أزرق وأبيض، أدركَتْ لماذا ظلَّتْ طوال الشهر الأخير من حَمْلِها تحلم بنوافذ زجاجية مفتوحة.
“حسنًا صغيرتي، لا خوف عليكِ، أعرف ذلك”.
لم تمنع الأم طفلتَها عن اللعب مع أقرانها، لم تطلب منها ألا تكشف لهم عن نافذتها، فكَّرَتْ أنَّ الطفلة ربما تعتقد أنَّ الجميع مثلها، فلا تهتم أنْ تكشف لهم عمّا يُميزها.
أثناء اللعب، طلبَت الطفلة من أقرانها أن يلعبوا لعبة جديدة: يكشف كلٌ منهم عن نافذته للآخرين ليروا ما خلفها، لا بد أن النوافذ تختلف عن بعضها بعضًا.
اكتشفَتْ أنها الوحيدة التي لديها نافذة.
طلبَتْ من أصدقائها أن يخلعوا ملابسهم كلها حتى تُصدِّق أنهم بلا نوافذ، ضحكَتْ منهم، وصَفَتْهم بأنهم ناقصون، وبهم شيء غريب، كيف يسمحون لأنفسهم أن يكون جسمهم مُغلقًا هكذا، كيف استطاعوا أن يبقوا أحياء، ولماذا لم يفعل أهلهم شيئًا لأجلهم؟ سألَتْهم إنْ كان هذا مَرَضًا منتشرًا بين الأطفال وهي الوحيدة التي نَجَتْ منه؟
شعرَ أصحابها بالخوف، جروا إلى أهلهم وهم يتعثرون في ضحكاتها.
سألَت الطفلةُ أمها إنْ كانت لديها نافذة.
“لا صغيرتي، ليس لدىَّ نافذة”.
“أنتِ أيضًا مريضة، كأصدقائي؟”.
“لا حبيبتي، لستُ مريضة، ولا أصدقاؤك، ولا أنتِ، ليس هناك أحد مريض، فقط أنتِ مميزة”.
في اليوم التالي، جعلَتْ أصدقاءها يقفون في صَفٍ طويل، وكشَفَتْ عن بطنها، يقترب كلٌ منهم، وينظر عبر زجاج نافذتها فيرى منظرًا جديدًا: حيوانات، طيور، بحار، أشجار، أراض، وسماوات.
تكشف الطفلة عن بطنها أمام مرآتها، تحاول أن ترى ما خلف نافذتها، تلمح طيفَ فتاة تشبهها يمرُّ سريعًا هناك، تتحرك الطفلة كأنها تجرى خلفه، تنتبه بعد لحظات أن الطيف يتحرك بداخلها ولا يمكنها ملاحقته، همسَتْ له:
«أنتِ، أنتِ، أظهري لي نفسكِ، أعرف أنكِ هنا».
أخبرَت الطفلةُ أمها عن طيفها، تجلس الأم بالساعات تراقب النافذة، لكن لا طيفَ يمرّ.
في الليلة التي بلَغَتْ فيها الطفلة عشر سنوات من عمرها كَبُرَت النافذة وصارت بحجم الكَفّ، شعرَت الفتاة ليلتها بحركة الطيف داخلها، رأت صورته منعكسة في المرآة أمامها، كان يتحرك بسرعة في البداية، ثم بدأ يتباطأ ويزداد كثافة ووضوحًا، حتى رأته خلف النافذة، ثابتًا، وحقيقيًا، لم يكن غير فتاة نسخة عنها، كأنها هي، ابتَسمَت الفتاةُ النسخة، فتَحَت النافذة، أطلَّت برأسها خارجها، ابتسمَتْ للفتاة الأصلية، وقالت: «مرحبًا».
الآن لدينا فتاتان: الأولى يمكن تسميتها “الفتاة الأصلية”، هي التي في بطنها النافذة، والأخرى موجودة خلف النافذة، ويمكن تسميتها “الفتاة النسخة”.
رفضَت الأم الكثير من العروض التي تقدَّمَت بها فِرَقُ سيرك جوَّالة كي يصحبوا ابنتها معهم، لكنها لم تمانع أن تعرض طفلتها نافذتها للجميع في الشارع أو داخل البيت دون مقابل، تفتح “الفتاة النسخة” نافذتها، تتبادل مع الآخرين الكلام والحكايات، كانوا نادرًا ما يتحدثون إلى “الفتاة الأصلية” أو ينظرون إليها، كأنها غير موجودة تقريبًا، هل كان هذا يثير غيرتها وغضبها أحيانًا؟ ليست متأكدة.
يطلبون من “الفتاة النسخة” أن تمُد يدها إليهم ليصافحوها، تفعل، يطلبون أن تَصِفَ بيتها بالداخل، لا تفعل، كانت تختفي أحيانًا، ولا يرون خلف زجاج النافذة عُشْبًا أو طيورًا أو عوالم عجائبية، يطلبون من “الفتاة الأصلية” أن تسمح للنسخة بالظهور، تبتسم وتقول: “أنا لا أتحَكَّم بها”.
كبرَت “الفتاة الأصلية”، تجاوزَتْ مرحلة الطفولة، وظلَّتْ “الفتاة النسخة” على حالها: طفلة عمرها عشر سنوات.
يمكننا الآن أن نُغيِّر اسم “الفتاة النسخة” إلى “الفتاة الطفلة”، يبدو أنها لن تكبر أبدًا، على الأقل سنستعمل هذا الاسم الجديد حتى يحدث شيء آخر يجعلنا نُغيِّره.
بدأت الفتاة تقضى معظم وقتها خارج البيت، تتجوَّل في الشوارع، صادفَت أثناء تجوالها في ليلة باردة قطة تحتضن أطفالها الثلاثة تحت إحدى الأشجار، اقتربَتْ منها، قالت لها: “تعالي”، تطلَّعَت إليها القطة، أَطلَّت “الفتاة الطفلة” من النافذة، ومدَّت يدها إلى القطة، قالت: «تعالي»، نقَلَت القطة عينيها بينهما، وابتسمَت، التقطَتْها “الفتاة الأصلية” وناولَتْها إلى “الفتاة الطفلة”، وبسرعة التَقَطَت الأطفال الثلاثة حتى لا تعتقد أُمهم أنّ هناك خدعة ما.
بالداخل، خلف النافذة، أعدَّت “الفتاة الطفلة” طعامًا ساخنًا للقطة وأطفالها، ثم وضعَتْهم في فراش دافئ.
صارت الفتاة تفتح نافذتها للكلاب والقطط المتشرِّدة ليدخلوها، تُطعمهم، تُدفئهم طوال الليل، وتُخرجهم صباحًا مُبتسمِيِن.
لم يمرّ وقت طويل حتى كانت تستضيف كل أنواع المتشردين، وأجناسهم.
يحْكُون أنّ مَنْ يدخل مِن النافذة يجد بالداخل بعض أحلامه، يعيش حياة كاملة، حَكوا عن أشخاص دخلوا ولم يخرجوا، غير أنّ أحدًا لم يكن متأكدًا إنْ كانوا يبقون هناك برغبتهم أَمْ تُبقيهم الفتاة رغمًا عنهم.
لا أحد يرى “الفتاة الطفلة” بعد أن يدخل من النافذة، ربما يرون طيفًا يمرُّ بعيدًا، يطاردونه ولا يحصلون على شيء، فقط يسمعون ضحكات طفولية بين لحظة وأخرى.
تمشى الفتاة في البلاد، عندما تقترب من بلدة ما، ترتعش نوافذها بخفَّة كأنها تفرح بها، وكلما مرَّت بشارع انفتَحَتْ كل نوافذ بيوته، ترسم بإصبعها في الفراغ نوافذ بأشكال مختلفة، فتصير حقيقية وتَظل عالقة في الهواء لدقائق.
في أحد الأيام نظرَت “الفتاة الأصلية” إلى “الفتاة الطفلة” التي كانت تطلُّ من النافذة.
سألَتْها:
“لماذا لا تخرجين؟ أيتها الطفلة”.
هزَّت “الفتاة الطفلة” كتفيها.
ظلَّتْ كلٌ منهما تنظر إلى الأخرى دون إجابة، بدا لهما السؤال مُتأخِّرًا بعض الوقت.
لم تكن أيٌّ منهما تعرف ما يدور في عقل الأخرى.
ظَلَّ عقل “الفتاة الأصلية” يتطوَّر مع تقدُّمها في العمر، توقَّفَ عقل “الفتاة الطفلة” عند عمر العاشرة، لكنه كان يتطوَّر أفقيًا في عالم الطفولة، كأنها تعيش طفولة كل الأطفال حتى سن العاشرة، بالإضافة إلى طفولتها الخاصة، يُمكن توقُّع أنّ جسمها لم يتغيَّر، ولا ملامحها.
أحبَّت “الفتاة الأصلية” مئات الشباب والرجال، أحبَّت “الفتاة الطفلة” على طريقتها مئات الفتيان في مثل عمرها، غير أن كل قصص حبهما كانت قصيرة، أطولها لم تُكمِل ساعة واحدة، أحيانًا لا تتجاوز دقيقة، لكنها تكون كافية جدًا.
تتجوَّلان في العالم، ترسمان نوافذ، تنفتح لهما نوافذ، تستضيفان كل أجناس المتشردين، يدخل بشر عاديون من نافذتهما، يبقى بعضهم بالداخل دون سبب معروف، ويخرج البعض ليحكي ما رآه.
الآن، بعد مرور سنوات طويلة يمكننا أن نُطلق على “الفتاة الأصلية” اسمًا جديدًا يناسب عمرها، نسميها “المرأة العجوز”.
نظرَت “المرأة العجوز” إلى “الفتاة الطفلة”.
سألَتْها:
“لماذا لا تخرجين، يا صغيرة؟”.
“غير مسموح لي”، أجابت “الفتاة الطفلة” هذه المرة.
لم تعرف لماذا ردَّتْ بهذه الإجابة، كان لها في النهاية أنْ تعثر على ردٍ جديد بدلاً من هَزّ كتفيها، ولا يمكن تجاهل أنّ عقلها يتطوَّر طوال الوقت في عالم الطفولة، وهذا خطير، ممتع، وكافٍ للحصول على ما لا يمكن تصوُّره من الإجابات والأسئلة.
قالت العجوز:
“أريد أن أحضنك”.
“أشعر أنك ستموتين لو أني خرَجْت”، قالت “الفتاة الطفلة”.
ابتسمَت العجوز: “يمكنني أن أتحمَّل موتي، أريد أن أحضنك”.
مَدَّتْ كلٌ منهما يدها إلى الأخرى، تلمس العجوزُ يدَ الطفلة وتقول: “هذه يدي في عمر عشر سنوات”.
تتحسَّس الطفلةُ يدَ العجوز وتقول: “هذه يدي وأنا عجوز”.
تبتسمان.
يضعف بصر العجوز، تُرشدها الطفلة أثناء مشيها، ولا تتوقفان عن التجوال في العالم.
تضيع ذاكرة العجوز أحيانًا، وتحتاج لبعض الوقت كي تتعرَّف على الطفلة التي تطلُّ من نافذة مفتوحة في بطنها، أو تحكي لها الطفلة مقاطع من تجوالهما في العالم، فتتذكرها العجوز أخيرًا، وتبتسم.
“أهاااا، أنتِ أنتِ، أنتِ أنا، أنا أنتِ”.
تتحسَّس تجاعيدها ونعومة وجه الطفلة.
“لماذا لا تخرجين، يا صغيرة؟”.
تبتسم الصغيرة.
تفكر العجوز: ماذا لو خرجَت الصغيرةُ مِنِّى ومِتُّ أنا فعلاً؟ ربما لن تتحمَّل رؤيتي أموت، وتتأذَّى، لكني سأموت على أيَّة حال، ولو مِتُّ وكانت ما تزال بداخلي ربما تأذَّتْ أكثر، أو يكون ذلك سببًا في موتها هي الأخرى، هل يكون خروجها مني سببًا مُحتَمَلاً آخَرَ لموتها؟
تتساءل العجوز: هل سأموت فعلاً أَمْ أنّ مفاجأة تنتظرني؟ كأن أتجاوز مرحلة الشيخوخة إلى شيء آخر غير الموت، شيء حيّ، وشاب؟
المزيد من التجوال في العالم.
والتجوال.
أطلَّت “الفتاة الطفلة” من النافذة.
قالت للعجوز: “أريد أن أحضنك”.
“ربما تموتين لو خرَجْتِ مني”، قالت العجوز.
“يمكنني أن أتحمَّل موتي، أريد أن أحضنك”.
ابتسمَتْ العجوز: “هذا كلام أكبر من عُمركِ، يا صغيرة”.
مدَّتْ كلٌ منهما يدها تتحسَّس وجه الأخرى.. وجهها.










