بعد منتصف الليل.. تكتب صفاء روايتها

صفاء عبد المنعم

شوقي عبد الحميد يحيى

من الأمور المعروفة أن كل ألوان الإبداع لا تثبت عند موقف محدد، بمعنى أنها في حالة تغيير مستمر، ويرتبط هذا التغيير بالظروف المجتمعية. ولا يحدث هذا التغيير بقرار، أو فجأة، وإنما يتم عن طريق التجريب فيما هو قائم، وتستمر المحاولات حتى يتشكل الشكل الجديد الذي يعبر عن وضع المجتمع في تلك الآونة. ومن أولئك الذين يسعون دائمًا إلى التجريب الكاتبة صفاء عبد المنعم، والتي سبق لها أن قدمت رواية كاملة باللغة العامية، وبصرف النظر عن كونها نجحت أو لم تنجح، فإنه يُحسب لها محاولتها في عملية التجريب، وخاصة في روايتها الأحدث «بعد منتصف الليل»، والتي يتضح أنها مارست فيها -أيضًا- عملية التجريب.

فإذا كان الشعر قد تنحى عن الصدارة، لأسباب كثيرة، وترك مكانه للرواية التي تصدرت المشهد في القرن العشرين، بينما دخل العالم في التفاصيل الصغيرة، وأصبح الإنسان -خاصة في مجتمعاتنا العربية- لا يجد من الوقت ما يستطيع به أن يعايش رواية بحجمها الكبير، فقد حاولت صفاء التجريب بتحويل الرواية إلى شكل القصة القصيرة.

فالتجريب في هذه الرواية هو محاولة كتابة القصة القصيرة على شكل رواية. فما يُحسب للرواية أنها استعانت بالتركيز والتكثيف، اللذين هما من صميم القصة القصيرة، فضلًا عن محدودية الشخوص، إلى جانب نزوعها إلى التعبير عن داخل الشخصية الرئيسية، التي أتخيل أنها تجلس في إحدى الشرفات العالية وتتأمل مرور الزمن بين الماضي والحاضر، وحلمها بالتغيير إلى الأفضل، كما يسعى منتجو الأدب عمومًا، سعيًا نحو الحلم بالمدينة الفاضلة.

فنستطيع أن نجد في هذه الرواية شخصية واحدة، هي الشخصية الرئيسية «جيهان»، التي تستحضر فترة من أزهى العصور المصرية، وهي فترة أنور السادات، التي شملت أول انتصار على العدو الصهيوني، وتبعتها مرحلة السلام، لتنهي فترة من الحروب التي عاشت فيها مصر مرحلة قلقة، استتبعها احتلال جزء مهم من أراضيها، وهو سيناء، في عام 1956 بعد العدوان الثلاثي، وفي عام 1967 بعد النكسة الكبرى.

وكأن الكاتبة تستدعي هذه الفترة، فترة الانتصار والسلام، حيث تجلس هذه الشخصية في بيت منعزل، وحيدة، تنظر إلى الماضي فترى الأم وكيف كانت تعيش في أمان وطمأنينة، وتنظر إلى الحاضر فتجد الخراب في كل ما ترى: الأولاد المتشردين، والقتل، والاغتصاب، والسرقات، حيث يضج أمان الشخصية المصرية. فنراها تنظر إلى الأشياء، ثم تجد أن هذه الصور قد انمحت في الصباح، فكأنها هي فقط التي ترى هذه الأشياء، بينما صديقتها لا ترى ذلك، إلى جانب أنها تتعرف إلى الرجلين الآخرين اللذين يتتبعانها، بينما ترفض «جيهان» التعرف إليهما أو مصاحبتهما، لنعرف فيما بعد أن صديقتها ليست إلا جاسوسة عليها، وأن الرجلين ليسا إلا من أعوان العدو.

وتنظر إلى الغد، فيتجسد حلمها في أن يأتي المقاول الذي يبني البيوت من جديد، وأن حمايتها تتم عن طريق مساعد لهذا المقاول، الذي لا يحمل اسمًا، وإنما رقمًا، بينما تحاول «جيهان» أن تتعرف إلى اسمه، لكنه يظل مجهولًا، وهو ما يفتح الرؤية لانتظار القادم، الذي يظل في دنيا الغيب.

أما باقي الشخوص، فتظل ثانوية، تؤدي دورًا معينًا، وينتهي دورها. والمهم أن الشخصية الرئيسية تظل نظرتها إلى الأمور نظرة شخصية، لم تتسع لتشمل الوطن بكامله، فلم تتعدد جوانب الشخصية، ولا تغيرت المناظر، ولم يتغير الحدث لخلق نوع من التأويل، أو توسيع الرؤية لدى القراء المتعددين، أو تدخل الشرطة -ولو بصورة شكلية- بما يعني الغضب العام، أو لتصوير العلاقة بين السلطة والرعية. وهذا أقرب إلى القصة القصيرة منه إلى الرواية.

فإذا ما عدنا إلى عنوان الرواية «بعد منتصف الليل»، سنجد أن هذا العنوان يشير إلى الفترة التي تكثر فيها السرقات، ويكثر فيها الحلم. وقد نجحت الكاتبة في اختيار العنوان المعبر عما تريده، وهو تأمل الحالة الحالية للمجتمع من وجهة نظر الشخصية المتأملة، وحيث يتكون المجتمع من مجموع الأفراد.

ولكن ما يؤخذ على الرواية أنها تبدأ المفتتح باعتراف الجاني بأنه السبب، وأن نهاية هذه المأساة تكمن في غيابه عن المشهد، بينما تنتهي الرواية بأن يأتي المقاول من نفسه، ويبدأ البناء من جديد، حيث ترفض الرواية أن تتعرض البلاد لما حدث في 17 و18 يناير، وفي حريق القاهرة. وهذا غير منطقي، لا البداية ولا النهاية، حيث يشهد تاريخ البشرية أنه لم يحدث تغيير إلا بوجود الثورة والضحايا. كما أن دور الأدب ليس الحلم فقط، وإنما وسيلة تنفيذ هذا الحلم، فضلًا عن غياب المعنى الذي تخزنه الكلمات، فمن المعروف مثلًا أن الحمام يمثل السلام، والغربان تمثل التشاؤم، فنجد الكاتبة تكتب: {وظلت منكمشة طوال اليوم أمام الصراخ والعويل والنواح. فهل الحمامة البيضاء هي حاملة البشارة؟} فهل الموت يقال عنه «البشارة»؟

ثم الإتيان بيوم مولد «جيهان» في يوم 19 نوفمبر، وأنه أول أيام عيد الفطر، وهو ذات اليوم الذي قُتل فيه حمزة البسيوني، ملك التعذيب في السجون، بينما الرواية لم تتعرض للسجون في أي من صفحاتها.

أما التركيز الذي أشرنا إليه، فيكمن في أن الرواية تسير في خط واحد لا خروج عنه، لذا كانت الرواية قصيرة من حيث المساحة الكتابية، في الوقت الذي كان يمكن فيه التوسع في ظروف الماضي (الوالدة)، أو الحاضر بتنويع الغضب والثورة، أو المستقبل، بخلق نوع من التكليف للمقاول، أو البناء الجديد على أسس أخرى، أو في كشف ماهية الرجلين الاثنين، وكيف أنهما يسعيان إلى شد «جيهان» نحو ما يضر بمصلحة الوطن.

ولنا في بهاء طاهر المثل في ذلك، وخاصة في قصة «بالأمس حلمت بك»، التي كُتبت كرواية قصيرة عام 1985، ثم تحولت إلى رواية، «واحة الغروب»، عام 2006.

وإذا كانت الرواية قصيرة -لتتناسب مع القصة القصيرة- فإنني أرفض أن تسمى «نوفيلا»، مثلما تسمى القصة القصيرة، والقصة القصيرة جدًا، فالرواية إما أن تكون رواية وإلا فلا تكون، مثلما أن القصة القصيرة إما أن تكون أو لا تكون. بدليل أن القصة القصيرة انحسرت الآن، وتحول الكثير من كتابها إلى القصة القصيرة جدًا فقط. فالطول أو القصر ليس من أساسيات الكتابة الإبداعية.

إلا أن شيئًا مهمًا لا بد أن يهمس به القارئ في أذن صفاء عبد المنعم، بضرورة أن تعرض أعمالها على مصحح لغوي قبل أن تتقدم بها إلى المطبعة، فقد كانت الأخطاء الإملائية والنحوية كثيرة.

كاتب وناقد مصري. من إصداراته: شعرية السرد في الرواية دراسات تطبيقية. القراءة السياسية للقصة المصرية القصيرة، الرواية في أكتوبر 73،…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع