“عازف التشيلّو”.. مقايضة المخاوف كبديل عن الفقد التام

دينا الحمامي

لا يمكن للبشر أن يعترفوا بمخاوفهم إلا عبر اختبارها من قبل تجارب تضعهم في مواجهة ما يخشون منه، وحينها يمكن التعامل معها، إما بتمريرها إلى العقل، ويصبح هو المنوط بتحويلها إلى جزء أصيل من لا وعيه، وينعكس ذلك على تصرفات المرء الدقيقة التي يكافح في الأغلب لإظهار كل ما هو عكسها.

في مجموعة عازف التشيلّو لشيرين فتحي، والصادرة عن دار العين في عام 2024، وإن ارتكزت بعض القصص- قصة المرآة نموذجًا- على عالم الرؤيا في مزج بين التقنيات السردية التي تمزج بين الوعي واللاوعي، فهناك قصص من المجموعة قد أبرزت الهاجس الإنساني الخام كجرحٍ لا يغادر الذاكرة، فعلى لسان بطلة قصة “أنا الحقيقية” ترد الفقرة التالية: (أنا لا أعرفني، تلك المرأة التي تطل من المرآة ليست أنا. والأخرى الثابتة بلا حراك في ألبومات الصور لا تشبهني. والوجه الذي أصوره بنفسي على كاميرا الهاتف الأمامية يشبهني إلى حد مخيف، لكن ملامحه تهمس لي بمنتهى الخبث أنها أيضا ليست أنا)

يحيلنا هذا التشظي النفسي إلى الهوس، إذ إن الأمر يتجاوز حدود عدم تعرف امرأة على ملامحها، إلى حالة متأزمة من هوية يصعب تحديدها أو الوصول إلى جذورها الأولى، فهذا الهوس الملح للتعرف على الصورة القديمة، هو في الأصل ارتباط دفين بالعودة إلى السيرة الإنسانية الأولى، وتلك المساحة الموثوقة للمشاعر، حينما كانت المساحة الرمادية متقلصة، وقطبا الحياة من ألم وسعادة واضحيّن بما يكفي للإيمان بالعالم.

يقايض أبطال المجموعة للتحايل على مخاوفهم، باحثين عن تسوية نفسية تمكنهم من النجاة وسط كل هذه الاهتزازات التي تجعل من واقعهم شيئًا عائمًا، لا ثبات فيه إلا للمقايضة . في قصة “عشر دقائق مقدسة”، يظل البطل مستحوذًا على متعة تعتمد على موافقة زوجته، وما إن تطالبه الزوجة بتجريب هذا الطقس، حتى يرفض فتنقلب رافضةً أن تكمل في مقايضة لا تسري شروطها إلا عليها بمفردها، تقايض امرأة أخرى وهي بطلة قصة “شوربة الأقدام” زوجها بعد أن استهلكها في منافسة غير عادلة، حسمتها لصالحها قبل فوات الأوان، فلم تكتفِ بعقد معاهدة لإشباع رغباته وفقا لشروط ترضيها وتضمن لها لذةً، بل تعمدت إبرام شروط تضمن إذلالًا للشريك بدون الوقوع في فخ عدم إذعانه لها، في المقابل نقابل زوجًا يؤسس لمقايضة ترضي زوجته ولا تلقي به في شراك إهانتها، إذ نجح الزوج في تحويل عادة مازوخية لدى الزوجة إلى طقسٍ حميمي وبراحٍ للالتحام والمتعة.

ذكورة مبتورة وأنوثة معطلة

تتأرجح العلاقة بين الذكر والأنثى في المجموعة أيضًا وفقًا لدرجتي الأنوثة والذكورة، وشعور الشريك بهما، ففي قصة “أقبح امرأة في العالم” على سبيل المثال نجد أن الرجل وزوجته قد وصلا إلى اتفاق ضمني مؤداه أن يرضى كل طرفٍ منهما بما يقدمه الآخر، حتى حلت على الزوج الرغبة الملحة في الإنجاب، وهنا لم يأبه بقبح الزوجة، وبطلبها الصريح أنه يمكنه فعل ذلك مع أي امرأة غيرها، إذ قرر ووضع القرار في حيز التنفيذ قبل أن يراوده التردد. بينما تتجرع العمة مرارة أنوثة معطلة أودت بحياتها الزوجية إلى الجحيم في قصة ” دخان أبيض”، فبعد سنوات من المحاولات المضنية لدك حصون أنوثتها المتوارية خلف طبقات حالت بينهما فتحول الطقس الجنسي إلى حصص من العذاب المطول، لم تأتِ هذه الممارسات العبثية إلا بمزيد من الانغلاق، فعادت المرأة إلى بيت أهلها مكللة بعار عذرية ملعونة، وبكارة  أبت أن تنفض.

نجت علاقة زوجية من المقايضة، وحصلت على خلاص بالرغم من ذكورة الزوج المراوغة وغير الحاسمة، فحين انقطعت سبل أن يحصل على جماعٍ طبيعي مع امرأته دون أن ينكمش عضوه، أخذت المرأة المبادرة، واعتلت الزوج من أجل تمام الانصهار لا من أجل القيادة فحسب، وحينها التحما في كيان واحد، كما لو كانا خُلقا كجسدٍ واحد.

 

روائية وناقدة مصرية، صدر لها: الفراودة سيرة الفقد والإلهاء ـ رواية

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع