سامح قاسم
في طرف القرية امرأة عجوز تخرج قبل الشروق ومعها مجرفة صغيرة وكيس قماش. الجيران ظنوا أنها تزرع البصل. الأطفال تبعوها يوماً واكتشفوا السر. كانت تزرع المصابيح.
تحفر حفرة صغيرة، تضع فيها مصباحاً قديماً، تغطيه بالتراب، ثم تسقي المكان بالماء وتمضي.
سألها طفل: “لماذا تفعلين هذا؟”
قالت: “العتمة كثيرة” .
ضحك الأطفال منها أياماً طويلة. أهل القرية أيضاً ضحكوا. أحد رجال القرية قال إنها فقدت عقلها منذ مات زوجها في الحرب.
مرت الشهور. وفي ليلة شتاء انقطعت الكهرباء عن القرية كلها. الريح كانت تعوي مثل ذئاب جائعة، والبرد يتسلل تحت الأبواب.
فجأة حدث شيء غريب. الأرض بدأت تضيء.
نور أصفر خرج من الحقول، من أطراف الطريق، من قرب البئر، من جوار المقبرة. المصابيح التي دفنتها العجوز طوال السنوات الماضية أزهرت كلها فجأة.
الناس خرجوا مذهولين. القرية بدت مثل سماء مقلوبة. العجوز جلست قرب بيتها تضحك. قالت: “كل شيء ينبت إذا وجد من يحبه” .
في الصباح جاء الجنود. اقتلعوا المصابيح كلها خوفاً من التجمعات الليلية. تركوا الأرض مليئة بالحفر. العجوز ماتت بعد ذلك بأيام.
ومنذ موتها، كلما انقطعت الكهرباء عن القرية، يظهر نور صغير قرب قبرها، يكفي كي يرى العشاق وجوه بعضهم









