المفارقة في “راوتر شيخ البلد” لعاطف عبيد

راوتر شيخ البلد

محمد عبد الحافظ ناصف

عن مؤسسة بتانة الثقافية، صدرت مؤخرًا المجموعة القصصية “راوتر شيخ البلد” للكاتب د. عاطف عبيد، وهي المجموعة القصصية الثالثة له بعد مجموعتي (سماوي)، و(السيدة كاف). وتتنوع قصص مجموعة (راوتر شيخ البلد) بين الطول والقصر، فنجد بعض القصص كتبت في سطور قليلة وبعضها أقل من صفحة ونجد بعض القصص تخطت عدة صفحات مما يؤكد أن اللحظة القصصية هي التي تحكم طول وقصر القصة، وليس شكلاً يريده الكاتب لمجموعته، وهذا في الحقيقة يحدث حالة من التنوع وثراء التجربة بعيدًا عن نمطية الشكل أو تعدد أنواع القصة القصيرة وتلك مسألة مهمة ومن ملامح المجموعة بصفة عامة ومن تميزها فنيًّا.

ولأن عاطف عبيد خبير نظم معلومات وعاشق قريته في محافظة كفر الشيخ لدرجة أنه حين يكون بها لا يريد أن يتواصل مع أي مكان آخر في العالم ولديه حالة من الولاء والانتماء لها بشكل كبير، فنجد أن روح تلك الوظيفة موجودة بشكل طاغٍ في المجموعة بداية من اسمها وداخل تفاصيل العديد من القصص، كما أن عشقه للبلد بكل تفاصيلها ينتشر داخل المجموعة مع كل قصة وكل جملة بتفاصيل لا يعرفها إلا كل إنسان عاش وتربى في قرية، فهو كما يقال فلاح أراري يعرف الكثير من تفاصيل الحياة الريفية وأفكار الشخصيات وطموحاتهم ومحبتهم وكرههم وبغضهم وحسدهم وتعاونهم وتنافرهم ومشاعرهم المختلفة والمتنوعة، والجميل أن عنوان المجموعة يحمل الملحوظتين، يحمل فكرة أن الكاتب مهتم بمسألة التكنولوجيا الحديثة ونظم المعلومات،  وأيضًا حكاية استخدام الريف لها بشكل لافت وكبير وربما أكثر من بعض الأماكن الموجودة في المدن.

  والمدهش أن الكاتب يربط بين قمة هرم وظيفة نظم المعلومات كخبير وبين سعدية الفلاحة البسيطة الكاشفة عن مكنون نفسها بأنها كانت من الممكن أن تكون في مكانه لولا أنها خرجت من المدرسة لتعمل، قالت له بتحدٍّ مدهش ومضحك وبسيط تلقائي: “أنا سعيدة العزوزي، كنت زميلتك في ابتدائي وأهلي أخرجوني من المدرسة علشان أشتغل في الغيط، وعلى فكرة أنا كنت أشطر منك في كتابة موضوع التعبير”.

ولا يبتعد إهداء الكاتب وتقديمه للمجموعة بعيدًا عن تلك المسألة المهمة، فيؤكد على فكرة الدهشة التي يسعى لها منذ تلك الجملة اللافتة “اللي أوله شرط .. آخره دهشة” وهل هناك أكثر من علاقة بين البسطاء جدًّا بالتكنولوجيا الحديثة التي تثير الدهشة، ويستمر في التأكيد على مسألة القرية الخاصة به التي لن يستطيع أن يصل لها من يبحثون على خرائط جوجل لأنها القرية التي يراها الأكثر تميزًا في حياته بكل ما فيها من سلبيات أو ملاحظات ويؤكد أن كل قصص المجموعة  حكايات على جدار روحه البحري، والمتأمل للجملة سيجد أنها جملة تحمل تفاصيل صورة شعرية من عمق القرية.

وفي قصة (جلابية فلاحي) نجد تلك العلاقة الساخرة والمدهشة في اللحظة نفسها بين خبير نظم المعلومات ورؤية ابن القرية ابن عمته، الفلاح الذي يعشق الأرض والطين، لكنه يسأله الآن عن شيء لا يسأل عنه خبير نظم المعلومات، يسأله عن سعر الماوس الاستعمال في مول البستان! وهنا نجد الربط واضحًا جليًّا في تقديم تلك العلاقة التي تنتهي بالطبع بروح المفارقة التي تعتبر من أسس تلك المجموعة فنيًّا. ومثال ذلك قصة: “راوتر شيخ البلد” وهي القصة المهمة التي تحمل اسم المجموعة القصصية وتقدم مفارقة شديدة الثراء والظرف، حين يقرر أبناء شيخ البلد أن يركبوا الراوتر صدقة جارية لشيخ البلد بعد وفاته، رحمة ونور، والحقيقة المفارقة أن شيخ البلد وصى بتركيب هذا الراوتر ليقوم بعمله بعد وفاته لرجال الأمن كشيخ بلد مسئوليته حفظ الأمن والنظام حتى يكون كل شيء على ما يرام ويعرفون أحوال البلد، والغريب في الأمر أن الرجل ظل وفيًّا في عمله وفي تقديم هذه الخدمة حتى بعد وفاته.

ويستطيع الكاتب عاطف عبيد أن يحول تلك النقطة المركزية في القصة إلى حدث كبير وضخم تدور حوله كل الأحداث الغريبة المدهشة والفاكهة داخل القصة حتى أن هذا الراوتر تحول لمولد سيدي الراوتر الذى اجتمع حوله كل أبناء القرية ونصبت حوله كل الاحتياجات التي يريدها أبناء القرية، وهنا قدرة مهمة للكاتب لتوليد الأحداث المهمة داخل النص، وأرى أن هذه القصة بذرة رواية مهمة ستكون فيها المفارقة والفنتازيا أساسًا مهمًّا لبنائها الفني لو أراد.

ومن سمات هذه المجموعة القصصية خفة الدم التي تسيطر عليها في أغلب قصص المجموعة، فرغم أن عيسى مهدي يفقد زوجته ويذهب للعمرة كي يسعد روحه دينيًّا فإنه بعد العودة يقترح عليه ابنه عبد الحليم أن يتزوج لكنه يرفض ويطلب من ابنه فقط أن يشحن له باقة نت محترمة! وهنا يفتح الكاتب خيال القارئ على مصراعيه كي يتخيل التقوى والانحراف في اللحظة نفسها، يقول عيسى مهدي: “لو بتحبني وعاوز تريحني، اشحن لي باقة نت محترمة، مافيش بعد اليوتيوب ونس يا عبد الحليم”.

ومن السمات الفنية التي تغلف تلك المجموعة هي فلسفة الحياة التي من الممكن أن تجدها بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر بعد قراءة القصة الواحدة أو المجموعة ككل، وأمثلة ذلك قصة ورد التي تصرح في النهاية بفلسفة على لسان مسعد الغلبان الذي يؤكد قائلاً: “رغم كل الغيطان اللي في بلدنا بس ما عندناش ولا مشتل ورد” ويقصد مسعد هنا الروح التي تسعد بذلك وبهذا الورد في مقابل كل المزروع في سبيل البطن”.

وفي النهاية يختم الكاتب عاطف عبيد مجموعته القصصية بيومات عيسى مهدي الشخصية التي تحمل الخير والشر والعقل والتناقض والمفارقة وحدة اللسان، ويعتبر لسان ووكالة أبناء القرية وهي شخصية أسس لها الكاتب جيدًا حين قال لنا كيف تواجدت في القرية، فلا أحد يعرف أصله بعد أن قذف به من عربة التبن بجوار مقهى في القرية، رسم الكاتب تفاصيلها في العديد من القصص القصيرة الموجودة في المجموعة المنشورة وعلى الفيس بوك والتي لم تنشر في كتاب، لكنك في النهاية ستجد أن تلك الشخصية تمتلك حضورًا خاصة باسم عاطف عبيد.

 

كاتب مسرحي وقاص وناقد ومترجم مصري من أعماله: أولاً: المسرح 1. طلوع النهار أول الليل – مسرحية – هيئة الكتاب…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع