“المدار”.. حين نغادر الأرض فنراها لأول مرة

المدار

عمرو السيد

في رواية “المدار”، تأخذنا سامانثا هارفي إلى الفضاء كي ترينا حقيقة حياتنا على كوكب الأرض وكي تجعلنا أكثر امتنانا لوجودنا فوق سطحه.

تصور الرواية يوما واحدا في حياة ستة رواد من جنسيات مختلفة يدورون حول الأرض داخل محطة فضائية. يوم واحد فقط، لكنه ينقسم إلى ست عشرة دورة حول الكوكب، ومن ثم ستة عشر شروقًا وغروبًا.

يتابع الرواد كوكبنا من شبابيك المحطة فتصبح كل دورة حوله بوابة لرؤية حياتنا من زاوية جديدة وللتأمل في ضعف أجسادنا حين تنفصل ولو مؤقتا عن أمنا الأرض، وذكرى الأحباء التي تصبح أكثر قربا كلما ابتعدنا عنهم، والموت الذي يختلط بالحياة ويصلنا حتى ونحن خارج الكوكب، والأرض التي تبدو من الفضاء كيانا واحدا لا مجموعة متفرقة من الخرائط التي تقسمها الحدود.

من يَرى ومن يُرى؟

تستدعي الرواية لوحة “لاس مينيناس” أو الوصيفات للرسام الإسباني دييجو فيلاثكيث بوصفها مفتاحًا لفهم واحد من أهم محاور هذا العمل. يتذكر أحد الرواد درسًا مدرسيًا عن اللوحة، وكيف أن قوتها تكمن في أنها تربك من ينظر إليها وتجعله عاجزًا عن تحديد ما الذي يراه بالضبط: هل ينظر إلى الرسام؟ أم إلى الطفلة في وسط اللوحة؟ أم إلى الملك والملكة المنعكسين في المرآة؟ أم أن الشخصيات داخل اللوحة هي التي تنظر إليه؟

هذه الحيرة هي ما تلقي بنا الرواية فيه ولكن على نطاق كوني. فمن محطة الفضاء، لا نعرف هل ينظر الرواد إلى الأرض، أم تنظر الأرض بسكانها وكائناتها للكون وللمحطة التي ربما تبدو كنجم صغير أم يتطلع هذا الكون الفسيح المليء بعدد هائل من المجرات إلى لوحة أخرى أم أن الأرض هي اللوحة. هكذا تتحول لوحة الوصيفات إلى انعكاس دقيقة لمضمون الرواية ورسالتها التي تريد أن تخلخل نظرتنا للبشرية كمركز للعالم وأن تزعزع غرورنا لتمنحنا رؤية أصدق لأنفسنا.

تستثمر الرواية أكثر من صورة وفكرة ومفارقة لتكسير غطرستنا البشرية، فتشرح لنا على سبيل المثال أن رائد الفضاء، ذلك الشخص الذي تنظر إليه البشرية بوصفه جريئا ونابغا واستثنائيا، يعود إلى الأرض في صورة تكشف ضعفه وهشاشته. فالحياة لشهور في الفضاء تعني فقدان عضلاته لقوتها وعظامه لكثافتها وبصره لجزء من قوته. يعود رواد الفضاء من رحلاتهم الاستثنائية التي تجذب الصحافة والإعلام والجمهور بأجساد واهنة وتوازن أقل وساعة داخلية مرتبكة وقد يحتاجون إلى تعلم المشي من جديد، مما يعني أن الفضاء يردهم إلى بدائيتهم الأولى بدلا من أن يمنحهم هيئة الأبطال الخارقين. من هنا تريد الرواية أن تقول إن الإنسان يستمد جزءا كبيرا من قوته من الأرض وأنه حين يغادرها فإن الفضاء يفضح ضعفه ويكسر غروره.

يسقط الفضاء أيضا الفوارق بين أبطال الرواية فلا فرق في محطة الفضاء بين الروسية والأمريكي واليابانية والإيطالي والبريطانية. فعلى الرغم من اختلاف الخلفيات التاريخية والاجتماعية التي أتوا منها إلا أن هوياتهم القومية في الفضاء تصبح أقل أهمية ويصبح ما يجمعهم هو الهواء الذي يدخل صدورهم ثم يعاد تدويره فيتنفسونه مرة أخرى والطعام المحدود الذي لديهم والنوم المضطرب في غياب الجاذبية.

جمال الصورة الخارجية وقسوة التفاصيل

من محطة الفضاء يتابع الرواد إعصارًا يتشكل في المحيط ثم ينطلق نحو اليابسة، يبدو لهم الإعصار مدهشا ومهيبا لكنهم يعرفون أن هذه الصورة التي تبدو جميلة من بعيد تشتمل في تفاصيلها على الكثير من الخراب والرعب والموت لكل من يتواجد في مسار هذه القوة الهائلة.

من بعيد تبدو صورة الأرض بديعة… لا تظهر الخصومات السياسية ولا الحروب ولا الفوارق الطبقية ولا آثار الكوارث الجوية. تظهر فقط اليابسة والماء والضوء والسحب وغيرها من مقومات الحياة، بينما لا نرى الألم ولا الموت. لهذا حين يرد لرائدة الفضاء اليابانية تشي خبر وفاة أمها، نجدها تنظر من نافذة المحطة نحو الكوكب الأزرق فتراه كأم تحتضن ذكرياتنا وتصنع أجمل لحظات حياتنا ولكنها تراه أيضا كمقبرة، فتتمسك بالصورة الإيجابية الأولى للكوكب لأنها تدرك أن أمها ستموت فقط حين تغادر هي هذه الصورة الكبرى لتنغرس في تفاصيلها. فهي لن تشعر حقا بمرارة وقسوة الفقد سوى حين ترجع لبيتها ولتفاصيل حياتها، أما من بعيد فأمها تعيش في ذاكرتها ولا يوجد أمامه عينيها سوى صورة بديعة لكوكب جميل يدور بهدوء.

الجنة الموجودة

في أثناء دورانهم حول الأرض تمر مركبة فضاء، وحين ينظر الرواد إليها يرونها على خلفية من النجوم والمجرات التي تبدو كرمال الشاطيء، ثم ينظرون نحو الأرض فيدركون أننا أثناء اندفاعنا للتوسع وللبحث عن جنتنا المفقودة فنحن نبتعد عن بيتنا الوحيد الذي نعرفه وعن المسرح الذي تشكلت فوق خشبته مشاعرنا وذكرياتنا وأحلامنا، وأننا بذلك ربما نغادر جنة لا ننتبه إليها لأننا ولدنا في قلبها.

من خلال هذا المنظور تعطي لنا الرواية بعدا آخر للأرض، فعلى الرغم من وجود الألم في تفاصيل حياتنا إلا أن هذا الكوكب يمثل جنة إذا ما قورن بالكواكب الأخرى التي نراها على مد البصر.

السرد والبناء

ربما أكثر ما يميز رواية “المدار” هو أن سردها يتخلى بشكل كبير عن الحدث بمعناه التقليدي لصالح التأمل. ففي هذا العمل تصور لنا سامانثا هارفي ما يراه أبطال الرواية كما لو أنها تدير عدسة كاميرا ببطء، وتحكي لنا مشاعرهم بصورة تأملية فلسفية. لذلك قد لا تكون الرواية مناسبة لمن ينتظر تصاعدًا دراميًا حادًا أو حبكة مليئة بالمفاجآت، لكنها شديدة الملاءمة للقارئ المتأمل.

البناء الفني للرواية يقوم على فكرة المدار نفسه. فهي تعود بشكل مستمر إلى الأرض، لكن من زاوية مختلفة في كل مرة. لا توجد حركة خطية تقليدية من بداية إلى عقدة إلى ذروة إلى حل، بل حركة دائرية، تكرارية. ومع كل دورة، ترينا سامانثا شيئًا جديدًا. هذا البناء يجعل الشكل متطابقًا مع المعنى ومع عنوان الرواية.

أخيرا يمكن القول إن “المدار” لا تحتفي بقدرة الإنسان على غزو الفضاء ومغادرة الأرض، بل تتأمل الثمن الروحي والمعرفي لهذه المغادرة. فالابتعاد لا يمنح الشخصيات شعورًا بالتفوق أو القوة، وإنما يمنحهم شعورًا بالضآلة والهشاشة ويجعلهم يحنون للأرض كلما رأوا الكون على اتساعه.

 

عمرو السيد

5 مقال
صدر له: ـ أجفف السحاب من أثر المطر ـ مجموعة قصصية ـ 2012 ـ كوابيس الفتى الطائر ـ بالمشاركة مع…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع