د. خالد محمد عبدالغني
في أحدث فيوضاتها الأدبية تضع د. عزة رشاد حجر الأساس لعالمها السردي الجديد «أسعد بنت في الكون»، مشيدةً صرحاً روائياً يزاوج ببراعة فائقة بين دقة الواقعية التربوية ومسابر العمق الإنساني؛ إذ تتخذ الكاتبة من مسابقة مدرسية لكتابة «موضوع تعبير» منطلقاً لاستكشاف المسافات الفاصلة بين الادعاء والواقع في مفهوم السعادة لدى فتياتنا، فمن خلال عيني المعلمة التي تتأمل نصوص الطالبات في لجنة الفرز، نجد أنفسنا أمام بوحٍ يتجاوز حدود التكليف المدرسي ليدخل في مناطق شائكة تلامس الوجدان. ومن خلال أجواء الرواية، تتحول الأوراق الإنشائية إلى شهادات حية تطرح تساؤلات قلقة حول ما إذا كانت السعادة تكمن في الطمأنينة التي يمنحها الوطن الآمن والبيت الهادئ، أم أنها تتجلى في قدرة المجتمع على احتواء الحالات الخاصة والمرضية بوعيٍ ورحمة بدلاً من إقصائها بالتنمر والذعر غير المبرر؛ لتكشف الأسطر عن رغبة عارمة في الانعتاق نحو مجتمع أكثر تفهماً وإنسانية([1]).
القضايا داخل الرواية:
في هذه الرواية ([2]) تقدم لنا عزة رشاد رواية تربوية نفسية لليافعين / المراهقين من البنات تنتهج فيها منهجا تربويا وعلاجيا نفسيا يعتمد على التيار الايجابي في العلاج المعرفي السلوكي هذا التيار الأحدث في علم النفس عالميا، فتبدأ بتشخيص الحالات المرضية الجسمية وفق تيار علم النفس الصحي وهو تيار حديث نسبيا أيضا في علم علوم النفس والصحة النفسية والجسمية ، وقد اختارت عدة أمراض جسمية تصيب البنات وتؤدي لعديد من الانعكاسات النفسية في سلوكياتهن وبنائهن النفسي ، وهذه القضايا المطروحة في الرواية ليست جديدة كل الجدة، ولكن سبق للأديبة عزة رشاد ان تناولتها في الروايات السابقة والقصص أيضا. يتصاعد التدفق السردي ليكشف عن معركة الوعي التي تخوضها الفتيات ضد قوالب الجمال الجاهزة التي تستنزف عافيتهن، معلناتٍ أن الغاية الأسمى هي تحقيق الذات عبر التميز والفعل المبدع الذي يمنحهن تقديراً حقيقياً بعيداً عن زيف المظاهر، كما تتوغل الكاتبة بشجاعة في تشريح الأغلال الفكرية والموروثات الضارة التي تقتل الطموح وتغتال البراءة، وعلى رأسها قضية “ختان الإناث” التي تُطرح كواحدة من أبشع العادات التي تُنتهك فيها سلامة الفتاة الجسدية والنفسية، حيث تُعَرض البنت للنزيف الذي يمكن أن يفضي إلى الموت، وتعرضها أيضا للصدمة النفسية، كل هذا باسم الحماية، بينما هي في جوهرها حرمان صريح من الحق في الحياة والسعادة، وفي القصة الخاصة بقضية “الحروب والتهجير القسري لضحايا الحروب”، من الأسر والأطفال، نعايش معاناة الغُربة، وكذلك الحساسية من استعمال الأجهزة التعويضية عن الأعضاء المبتورة كالأذرع والأرجل. وفي القصة التي تعرض قضية “السِمنة”، نلمس ما تخلفه تلك العلة من أثار نفسية جسمية على البنات البدينات، ثم هناك قصة “الأم المصابة بمرض الإيدز”، ومسئولية الفتاة الصغيرة عن رعاية الأم ومعاناة هذه البنت من النبذ، أفكار خاطئة لدى الجيران عن هذا المرض وطرق العدوى به، تتسبب في مخاوف غير مبررة من الأم والفتاة، تؤدي إلى النبذ، ثم إرغامهم على المغادرة. ثم تأتي القصة التي تعرض قضية حرمان الفتاة من المشاركة في الألعاب الرياضية، خوفا من حدوث تمزق بغشاء البكارة، وما تخلفه هذه المشكلة من مشكلات نفسية واجتماعية وصحية لدى البنات، لتصل الرواية في ختامها إلى رؤية فلسفية عميقة تتبلور في ذهن المعلمة، وهي تقلب الأوراق، مؤداها أن السعادة ليست هبةً عابرة، بل هي صيرورة من العمل الجاد الذي يستلزم تحرير الأجساد والعقول من قيودها. ولكن ما دلالة تناولها هذه المرة في رواية جديدة لليافعين المراهقين في أسلوب فني رفيع، وتربوي بسيط يقرب تلك القضايا من ذهن المتلقي، ومنها المحاولة الدؤوب التي تحرص أن ترفع قضيتها حول هموم ومشكلات المرأة سواء كانت طفلة او مراهقة أو شابة أو امرأة ناضجة، متصدية للخطر باعتبارها كاتبة صاحبة قضية وطبيبة لم تنس يوما الاهتمام بقضايا الصحة والمرض، وما تفرضه من آثار على المرأة والمجتمع، وإني بعزة رشاد الطبيبة التي لم تتخفَ وراء الوعي بذاتها، بل تعلن ذلك عندما تناولت عالم الامراض الجسمية في الطفولة والمراهقة وذكر أحوال الاطباء والمرضى والأدوية والفحوصات والتحاليل حتى أنها ختمت الرواية بتوقيعها (ص 86 ).
علم النفس الصحي:
علم النفس الصحي أو علم نفس الصحة هو دراسة العمليات النفسية والسلوكية في الصحة والمرض والرعاية الصحية. يهتم بفهم الكيفية التي تساهم العوامل النفسية والسلوكية والثقافية في الصحة البدنية والمرض. يمكن أن تؤثر العوامل النفسية على الصحة مباشرة. على سبيل المثال، يمكن لعوامل الإجهاد البيئي التي تحدث بشكل مزمن، مؤثرةً على المحور النخامي الوطائي الكظري بشكل تراكمي أن تضر بالصحة. ويمكن أن تؤثر العوامل السلوكية على صحة الشخص. على سبيل المثال، يمكن لبعض السلوكيات -مع مرور الوقت- أن تضر (مثل التدخين أو استهلاك كميات مفرطة من الكحول)، أو أن تعزز الصحة (كالمشاركة في ممارسة التمارين الرياضية). يأخذ علماء النفس الصحي مقاربة بيولوجية نفسية اجتماعية. بعبارة أخرى، يفهم علماء النفس الصحي أن الصحة ليست نتاج العمليات البيولوجية (مثل فيروس أو ورم أو ما إلى ذلك) فحسب، بل هي نتاج نفسي (مثل الأفكار والمعتقدات)، وسلوكي (مثل العادات)، واجتماعي (مثل الحالة الاجتماعية الاقتصادية والاثنية)، ومن خلال فهم العوامل النفسية التي تؤثر على الصحة، وتطبيق هذه المعرفة بشكل بنّاء، يستطيع علماء علم النفس الصحي تحسين الصحة، من خلال العمل بشكل مباشر مع المرضى الأفراد، أو بشكل غير مباشر في برامج الصحة العامة الواسعة النطاق. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يساعد علماء النفس الصحي في مجال الصحة في تدريب إختصاصيي الرعاية الصحية الآخرين (مثل الأطباء والممرضين) على الاستفادة من المعرفة التي ولدها هذا النظام عند علاج المرضى. يعمل علماء النفس الصحي في مجموعة متنوعة من البيئات جنباً إلى جنب، مع غيرهم من المهنيين الطبيين -في المستشفيات والعيادات، وفي أقسام الصحة العامة التي تعمل على تغيير السلوك على نطاق واسع-، وبرامج تعزيز الصحة، وفي الجامعات والمدارس الطبية، فيدرسون ويقَيمون الأبحاث. بدأ علم النفس الصحي في الظهور بصفته علما متميزا في علم النفس في الولايات المتحدة في السبعينيات. في منتصف القرن العشرين، كان هناك فهم متزايد في الطب لتأثير السلوك على الصحة. على سبيل المثال، أظهرت دراسة مقاطعة ألاميدا -التي بدأت في الستينيات من القرن الماضي- أن الأشخاص الذين يتناولون وجبات منتظمة (مثل وجبة الإفطار)، ويحافظون على وزن صحي، ويتلقون نومًا مناسبًا، ولا يدخنون، ويشربون القليل من الكحول، ويمارسون الرياضة بانتظام، يعيشون لفترة أطول وبصحة أفضل. بالإضافة إلى ذلك، اكتشف علماء النفس وعلماء غيرهم، العلاقات بين العمليات النفسية والعمليات الفيزيولوجية. تشمل هذه الاكتشافات فهمًا أفضل لتأثير “الإجهاد النفسي والاجتماعي” على أجهزة القلب والأوعية الدموية والجهاز المناعي، والاكتشاف المبكر بأن أداء الجهاز المناعي يمكن أن يتعدل عن طريق التعلم. ([3])
التفكير الإيجابي:
التفكير الذي ينسجم مع الأهداف العامة والقيم الأساسية في الحياة، ويقود إلى تحقيق السعادة والفاعلية الاجتماعية والإبداع، فضلا عن الإيجابية. ويتم ذلك من خلال شعور الفرد بنفسه كشخص ناضج، يقرر سلوكه الداخلي والخارجي تجاه نفسه والآخرين والحياة، عن طريق تبني إدراك وتفكير وسلوك، من أجل تحقيق ما تتطلبه الحياة من سعادة شخصية وكفاءة علمية وازدهار. والتفكير الإيجابي هو نواة الاقتدار المعرفي وفاعلية التعامل مع مشكلات الحياة وتحدياتها والتغلب على محنها وشدائدها. ومن صفاته إنه ليس مجرد وسيلة أو مقاربة منهجية، بل هو توجه يعبئ الطاقات ويستخرج الإمكانات، الحاضرة منها والكامنة، من أجل العمل. كما يذهب أهل المعرفة بالتفكير الإيجابي إلى أن التفكير في أمر ما والتركيز عليه هو أحد القوانين الرئيسة في توجيه حياة الإنسان إذ إن ما نفكر فيه تفكيراً مركزاً في عقلنا الواعي ينغرس ويندمج في خبرتنا وأياً كان ما تعتقد فيه، فسيتحول إلى حقيقة عندما تمنحه مشاعرك، وكلما اشتدت قوة اعتقادنا وارتفعت العاطفة التي تضيفها إليه، تعاظم بذلك تأثير الاعتقاد على سلوك وعلى كل شيء يحدث، ويظل الأشخاص الناجحون والسعداء محتفظين على الدوام باتجاه نفسي من التوقع الذاتي الإيجابي. وسمات الأفراد ذوي التفكير الإيجابي هي:
– المرونة الفكرية Intellectual flexibility.
– أن اللغة والمفردات قابلة للأخذ والعطاء.
– المدخلات والطروحات تمتاز بالسمو والرقي Highness and Sophistication.
– قدرته الفائقة Superpower على اختيار الكلام، بحيث لا يجرح الآخرين ولا يستهزئ بهم.
– يقترب من التفكير المستنير القادر على إبداء الرأي مع احترام الرأي الأخر ويستعمل ما يناسب من المفاهيم والمصطلحات الملائمة للموقف أو موضوع النقاش، دون زيادة أو نقصان.
– يحاول قدر الإمكان إعطاء تصور طبيعي وواقعي عن ذاته أمام الآخرين، ويقدم نفسه للآخرين بشفافية وبشكل متواضع.
– يمتلك أساليب مبتكرة وجديدة تناسب التطور الحاصل، ويكون أكثر قدرة على الإنجاز والعمل.
– يكون أكثر مهارة في معالجة ضغوط الحياة ويكون أكثر قدرة على التعايش مع الآخرين والتفاعل معهم بإيجابية.
– تقدير الحياة Life Appreciation ورفض الهزيمة.
– يبحث عن التغيير من حالة التفكير السلبي إلى الأداء الكامل بطريقة التفكير الإيجابي، ولديه رغبة جادة في التغيير.
– يركز على نجاحاته ويستعمل جملاً لفظية تدعم هذا النجاح في أبسط صورة، كأن يذكر الفرد لنفسه “إنني أتحسن الآن”، “لن أجعل عقلي يخونني”، “لن أجعل الضغط يغلبني”.
– لديه الميل والقوة الدافعة Driving force لتحقيق الذات وتحسينها.
– استعمال استراتيجية التحدث الذاتي التي تمكن أصحابها من زيادة مراقبة وتقويم الأفكار الداخلية والقناعات الموجهة لتوقعات النجاح في حلَّ المشكلات وزيادة القدرة على الإدارة الذاتية للتفكير في وجهات إيجابية ليصبح أكثر تحكماً بطريقة إرادية في عمليات التفكير واتجاهاتها. ومن خصائص التفكير الإيجابي:
o التفاؤل: النزعة للنظر إلى الجانب المشرق من الأوضاع، وإلى توقع أفضل النتائج من أي تتابع للأحداث.
o الذكاء الوجداني: القدرة على الانتباه والإدراك الجيد للانفعالات والمشاعر الذاتية، وصياغتها بوضوح، وتنظيمها وفقاً لمراقبة وإدراك دقيق لانفعالات الآخرين ومشاعرهم، وذلك للدخول معهم في علاقات انفعالية اجتماعية إيجابية، تساعد على الرقي العقلي Mental Sophistication والانفعالي والمهني، وتعلم المزيد من المهارات الإيجابية للحياة.
o الرضا وتقبل الذات غير المشروط، والكفاءة الشخصية، والإنجاز وتحقيق الذات، والمشاركة الوجدانية والعطاء والتشجيع على المودة والحب والانفتاح على الخبرة والحكم الأخلاقي ومهارات التفاعل الاجتماعي والإحساس بالجمال والتسامح والمثابرة والإبداع والحكمة والتطلع نحو المستقبل والتلقائية([4]).
غيداء:
فتاة أصيبت إصابة بالغة أثناء الحرب انتهت ببتر ذراعها، وتم تركيب ذراع معدني، بدلا من الذراع المقطوع، وتم نزوحها مع أسرتها إلى بلد مجاور، وتعاني من “اضطراب صورة الجسم” بعد فقدان الذراع، وتشعر بالخجل والحرج من انكشاف أمرها، وتضطر الأم، بسبب ضيق ذات اليد، لأن تعرض عليها تزويجها وهي ما تزال طفلة، فترفض غيداء وتقرر العمل ومساعدة الاسرةـ وتبني أفكارًا إيجابية، وهنا تتضح معالم كلٍ من “علم النفس الصحي” حيث الاثر النفسي التابع للحالة الصحية الجسمية، وهي بتر الذراع، سبق وجاءت في قصص حائط غاندي حيث بتر القدم لأحد أبطال المجموعة ومعاناته مما يطلق عليه العضو الشبح”. ويظهر ايضا تبني المؤلفة لنمط من “التفكير الإيجابي” لعلاج أعراض بتر الذراع حتى تصبح غيداء أسعد بنت في الكون.. لو انتهت الحروب من العالم.
بسمة :
فتاة أصيبت أمها بمرض الايدز بعد ان تمت العدوى من الاب مدمن المخدرات، وحاولت بسمة مساعدة أمها بعد انتقالهم الاضطراري من مسكن إلى آخر، بسبب خشية نظرة المجتمع التي لا ترحم مرضى الإيدز ومفاهيمهم الخاطئة حول طرق انتقال العدوى به، وفي سكنهم الجديد تعرفت على الطبيب الشاب الذي ساعدهم بإخلاص وتفانٍ، ووفر لهم “بيئة اجتماعية حاضنة ورحيمة” ومساعدة جادة للأم والبنت معا، وقد جعل ذلك بسمة تشعر بأنها أسعد بنت في الكون حين وجدت من يهتم بأمر أمها وبأمرها، وهنا تتجلى أيضا مفاهيم “علم النفس الصحي”، حيث يبرز مرض الايدز، وما يعكسه من انفعالات وسلوكيات لدى المرضى والمجتمع، وتتجلى أيضا طريقة التعامل الايجابي من بسمة ومن الطبيب الشاب .
زوزو:
فتاة بدينة، تعالج المؤلفة في حالة زوزو قضية السمنة وما تفرضه من سلوكيات لدى البدينات، فبينما تحلم زوزو أن تكون رشيقة كالسنيورة، تجد نفسها مثل الفنانة تحية كاريوكا بعدما تجاوزت الشباب، وصار الممثلون يسخرون منها في فيلم “خلي بالك من زوزو” ويصمونها:
_يا تخينة يا فِشلة يا شوال المورتاديللا.
أي أن القصة في الوقت نفسه تطرح قضية التنمر المجتمعي تجاه هؤلاء البدينات، وهنا تعالج الكاتبة الموضوع من خلال التفكير الايجابي الذي يغير من نظرة وطريقة تفكير زوزو لنفسها ولِعلتها، وتبتكر اساليب وافكار وموضوعات جديدة تشعرها بالنجاح في الحياة حتى تعتبر نفسها أسعد بنت في الكون ما دامت قادرة على إسعاد الاخرين الموجودين معها والذين يحبونها ويشعرون بها ايضا.
شادن:
فتاة تحب الجمباز وتحقق فيه نجاحا كيرا ولكن نتيجة للمغالاة الشديدة في ممارسة التدريبات على هذه الرياضة حدث تمزق جزئي بغشاء بكارتها وأصابتها مخاوف اجتماعية وعلل بدنية ونظرة متشككة من الوالدين وفرض عليها سلوكيات جديدة حتى لا تزيد من خطورة الموضوع، وقد انعكس كل هذا سلبيا عليها حتى صارت تصف نفسها: (اخترتُ لنفسِي اسمَ “العنكبوتةُ الصغيرةُ” لأنَّ العناكبَ هي أكبرُ منافسٍ للإنسانِ في ألعابِ الجمبازِ، لديها هذه الموهبةُ، هذا ما عرفتُه من صديقي الجميلِ “جوجل”. صرتُ عنكبوتةً صغيرةً تهزلُ وتلهو لفترةٍ طويلةٍ من اليومِ، لكي أقتلَ الشعورَ بالفراغِ الذي يُعذبني، صرتُ بارعةً في إخفاءِ كلِّ شيءٍ وأيِّ شيءٍ، كسولًا واتكاليةً وأنانيةً، لم أعدْ أهتمُ بالجيرانِ، والمريض منهم، أو الأقاربِ أو غيرِهم. صرتُ آكلُ بنهمٍ رغمَ عدمِ تمييزِي للطعومِ بعضِها عن بعضٍ، وأكتبُ “بوستات” أحرص على أن تجلب تعليقات كثيرة، وأتركُ أمي وحدَها تعاني في أعمالِ المنزلِ، لم أعد أهتم بأطباق تنكسر أو طعام يفسد، أو ثياب متسخة تتراكم في السلة. تمرُ أميّ وتجدني مستلقيةٌ بالفراش، ألعبُ وأتمطى بكسلٍ، تنظر لي مغتاظةً وغيرَ قادرةٍ على مطالبتي بمساعدتها).
ولكن مع وجود عمها وعودته من السفر وانفتاح تجربته الحياتية على أسرة شادن بدأ يحدث تغيير إيجابي في تفكير شادن ووالديها، فقررت هي أن تحافظ على نفسها وألا تعرض سلامتها للخطر بالمغالاة في التدريب، وتخلصت من الآثار النفسية الناتجة عن هذه المشكلة الصحية، لتصبح شادن اسعد بنت في الكون عندما تتخلص من الافكار الخاطئة والمخاوف التي لا اساس لها في الحياة.
علياء:
فتاة قامت أسرتها بإجراء “جراحة الختان” لها، وهي عادة خاطئة موروثة، تهدف الاسرة من ورائها لتقليل الدافع الجنسي لدى الفتاة. ولكن قد تؤدي هذه الجراحة الى مضاعفات خطيرة كالنزيف والتسبب في عدم الإنجاب مستقبلا، وهي بالتأكيد تتسبب فوريا في الشعور بحالة “اضطراب الضغوط النفسية التالية للصدمة” التي تصاحب الحدث، فتجعل الكوابيس واضطراب النوم والقلق والاكتئاب وصورة الجسم المهتزة وغير المرغوبة تصاحب الفتاة فترة طويلة من الزمن، ما لم تصاحبها طوال حياتها وهذا ما تناولته الكاتبة أيضا في رواية ذاكرة التيه، وكثير من البنات تضطرب علاقتها الزوجية لاحقا بسبب هذه العملية، أما علياء ابنة الأربعة عشر عاما، فكانت متأذية بالأساس من موقف والديها، رغم حبها لهما، متأذية من انصياعهما لأفكار قديمة لها أضرار خطيرة وليس لها أية فائدة، لكنها بفضل المعرفة وقراءة تقارير علمية وقصة داخل القصة، عن طبيبة عانت نفس ما عانته علياء، وكيف تصدت لهذه المشكلة، وأيضا بفضل ملاحظة علياء لندم والديها، ومحبتهما اللامحدودة لها، أعادت طريقة تفكيرها لتصبح إيجابية في التعامل مع الآثار النفسية لهذه المشكلة، لتصبح أسعد بنت في الكون عندما تحررت من العادات الموروثة المؤذية، وتقبل على الحياة بحب وتفاؤل.
خاتمة:
وهكذا قدمت لنا د. عزة رشاد رواية تربوية نفسية، بأسلوب وتقنيات فنية متميزة، شخصت فيها وعالجت باستخدام “التيار الايجابي في التفكير” كوسيلة علاجية نفسية ناجحة، في مواجهة الآثار النفسية للعديد من الامراض الصحية الجسمية، التي تصيب البنات في سن المراهقة والطفولة، وذلك من خلال تنمية الإيجابية في التفكير والسلوك، فقد ذكر أحد المنظرين للعلاج النفسي أن الإنسان، أيُ إنسان، يعتبر بشكل ما عالِما، أي أن كل فرد- مثله في ذلك مثل العلماء- يتبنى عددا من التصورات عن نفسه، ويعتنق مفاهيم عن الأشياء والآخرين. وقد اطلق كيلى[5] – صاحب هذا الرأي- في مواقع أخرى أسٍماء مختلفة على هذه التصورات: فأطلق عليها أحيانا اسم المعتقدات، وسماها في أحيان أخرى الفلسفة العامة للشخص. لكن ما يفرق الفلسفة العامة أو مفاهيم الشخص عن نفسه وحياته، عن أراء الفيلسوف أو العالم، هو أن فلسفة الشخص العادي ترتبط بجوانب نموه الشخصي وتتعلق بحياته النفسية، وما يرجوه من أهداف اجتماعية، وما يحققه بناء على ذلك من سعادة أو شقاء، رضا أو سخط، نجاح أو احباط. ومن ثم فقد يتبنى الشخص فلسفة تحقق لصاحبها التوافق مع نفسه ومع الآخرين، وقد لا تكون كذلك عندما تسبب لصاحبها التعاسة والقلق والكآبة. ونعرف الآن من خلال مراجعة التطورات المعاصرة في حركة “العلاج السلوكي-المعرفي” أن الفرد عندما يواجه أي موقف أو شخص فإنه ينظر اليه ويتعامل معه وفق نمطين من التفكير، فإما أن:
1. يتبني نمطا سلبيا من التفكير كالغالبية العظمى من البشر خاصة هذه الفئة المهمومة النكدية والمكدودة من الناس، وكذلك العصابيين والمصابين بالاضطرابات العقلية والشخصية.
2. وإما أن يتبنى الطريقة الإيجابية التي عادة ما تساهم فى تطوير مشاعر وتصرفات تتسم بالطمأنينة والثقة والصحة النفسية والسعادة.
جميعنا مُدرك ولا شك أهمية أن يكون تفكيرنا عقلانيا وإيجابيا في نفس الآن، لأننا نعلم أن الفرد- بهذا التحالف بين العقلانية والإيجابية- لن يكتفي بأن يتبنى عقلانية التفكير، بل وأن يمتد بنشاطاته وأهدافه نحو اكتساب مهارات تمكنه من الممارسة الإيجابية الموجهة نحو العيش بفاعلية وسعادة ورضا.
هناك كثير من الدلائل التي تقدمها لنا الممارسات الإكلينيكية بينت أن تركيز العلاج على جوانب القوة وإعانة الشخص على اكتشاف الجوانب الإيجابية في تفكيره وسلوكه تحقق له أو لها كثيرا من النجاح في العملية العلاجية. ٍوالتفكير الإيجابي لحسن الحظ، هو أسلوب ومهارة وفن يمكن لنا أن نتعلمه ونتدرب عليه. ويشهد المتابع للتطور في “فنون العلاج النفسي”، يشهد في الفترة الراهنة نقلة جوهرية في عمليات العلاج النفسي بالتركيز على تدريب ودعم جوانب القوة في الشخصية، وتثبت أن هذا النوع من التدريب لا يقل قيمة عن مجرد التخلص من أعراض المرض والاضطراب لما يساهم به من تغيير وتطوير الشخصية([6]).
…………………………………………….
([1]) أيمن مصطفى: عزة رشاد تُفتش عن سعادة البنات. في رواية أسعد بنت في الكون. جريدة صوت البلد. 16 يناير. القاهرة. 2026.
([2]) عزة رشاد : أسعد بنت في الكون. دار بدائل للنشر والتوزيع. القاهرة. 2026.
([3])A. Ibrahim & R. Ibrahim (2007). Invited Presentation Cognitive Behavioral Therapy in drug addiction practice, Worksop presented at the First International Conference on Addiction , Abudhabi, 12:40-13:50 (Monday, March 12th, 2007a). ([4])A. Ibrahim & R. Ibrahim (2007). Invited Presentation Cognitive Behavioral Therapy in drug addiction practice, Worksop presented at the First International Conference on Addiction , Abudhabi, 12:40-13:50 (Monday, March 12th, 2007a).
[5] Kelly, G. A. (1955). The psychology of personal constructs. New York, N.Y.: Norton
([6])A. Ibrahim (2007). Self Destructive Behavior (SDB): A Positive Multimodal Therapeutic Approach for Effective cultural practice. Invited presentation at the 1st Mental Health International Conference, Dubai, 27-28th.











