رجب سعد السيد
كان اسمه في بداية معرفة الناس به، في شارع الريف، بغيط العنب، هو (الـ “ولا” – النطق السكندري لكلمة ولد – عباس أبو لباس عبك)..
وكانت صنعته (مُبيِّض نحاس)، يبدأ يومه بجولة في الشوارع، صائحاً: نِبيَّااااض – إنَّحاااااس!
وكان صياحُه مميزاً، فينطق الكلمتين بأساليب مختلفة، كأنه دارس صوتيات!. ولم يكن ثمة طفل في المنطقة لا يقلد نداءات)أبو لباس عبك)، التي كانت سبباً في رواجه المهني.
ولم يكن نطق اسمه، الداخل فيه اسم القطعة السفلية من الملابس الداخلية، يسبب حرجاً، كما أن نوعية اللباس، وهي من القماش القطني قبل خضوعه لأي خطوة معالجة أو صباغة، بعد نسجه، لم تستوقف أحداً، فالرجل فقير، ومن الطبيعي أن يكون لباسه عبكاً!
وكان الرجل يمضي يومه كله جائلاً، ومشتغلاً في دكانه أو ورشته، في لباسه العبكي، الذي كان يعلوه صيفاً فانلة قطنية اتسخت حتى صار من الصعب تحديد لونها أو نقوشاتها، وكان يضع فوقها في الشتاء صديرية بذلة قديمة، نفحه إياها أحدُ أفندية المنطقة. ولم يكن بحاجة لأكثر من ذلك، فلم تكن شتاءات ذلك الزمن قاسية كما هو حالها الآن، كما أنه كان يقضي الوقت متحركاً في الشوارع، أو منغمساً في شغلته التي تعتمد على تواجد نار دائمة الاتقاد.
وانتقل أبي، حسب مقتضيات وظيفته، إلى دمنهور، ومعه أسرته، وغبنا عن غيط العنب نحو خمس سنوات. ولما عدنا إلى الإسكندرية، لم يلفت انتباهي غيابُ نداءات عباس عبك، مبيض الأوعية النحاسية، ولم أهتم بملاحظة أن دكانه مغلق طول الوقت، وأرجعتُ ذلك إلى كسادٍ حلَّ بمهنته، بعد انتشار الأوعية المصنوعة من الألومنيوم.
وتصادف أن كنت أشارك في عزاء جار لنا، تُوُفِّيتْ زوجتُه؛ وجلستُ في سرادق العزاء، أستمعُ إلى ما تيسَّرَ من آيات الذكر الحكيم، ولم تلبث أذناي أن ميزتا نبرات صوت القارئ.
نظرتُ باتجاه المقعد العالي الذي يجلس عليه، كالعادة، قارئان يتبادلان تلاوة القرآن، فلم تيتطع عيناي تأكيد ما قالت به أذناي. فطبقات الصوت الجميلة هي ذاتها صاحبة الموسيقى في الصيحة القديمة: نِبيَّااااض – إنَّحاااااس!. ولكن الرداء مختلف تماماً، والعمامة البيضاء النظيفة تغطي الرأس وتسهم في تغيير معالم الوجه. أما أبرز تغير، فامتلاء الجسم. لم يكن عباس أبو لباس عبك على هذه الدرجة من السمنة. بل هي سمنة غير اعتيادية.
لكن الصوت لا يكذب. هو صوته الذي أعرف ملامحه جيداً، والذي تمنيتُ أحياناً أن يجد صاحبه فرصة لاحتراف الغناء.
وتأكد لي تحوُّلُ مبيض النحاس إلى محترف تلاوة، عندما أشار المختصُّ بمكبر الصوت، بعد انتهاء التلاوة، إلى أنها كانت لمقرئ إذاعة الإسكندرية، القارئ الشيخ “عباس النحَّاس”!










