عبد السلام فاروق
ماذا يحدث حين ترفع الآلة القلم؟
لست أدري تمامًا كيف تسلل إلي هذا السؤال وأنا أراقب المشهد. كائنات من شفرات وخوارزميات تجلس إلى طاولة الكتابة، تلتقط القلم – أو شبيهاً بالقلم – وتخط نصوصاً تنافس ما نخطه نحن، أبناء اللحم والدم والذاكرة. هل ثمة فلسفة تختبئ في التقنية مثلما تختبئ في النص الذي كتبه الإنسان منذ سومر وحتى هذه اللحظة المثقلة بالتعب من القرن الحادي والعشرين؟
كانت هذه الأسئلة حتى وقت قريب حبيسة روايات الخيال العلمي، نتصفحها في كتب الجيب ذات الأغلفة الصفراء. أما اليوم، فهي تجلس معنا على طاولة النقاش الفكري الجاد، تشرب الشاي معنا، وتحدق فينا.
لقد تسارعت خطى الذكاء الاصطناعي حتى اقتحمت تلك المنطقة التي ظنناها عصية على غير البشري؛ منطقة الإبداع الأدبي. تلك الأرض البكر التي كنا نتصور أن لا أحد سوانا يستطيع أن يحرثها، أن يقلب تربتها، أن يزرع فيها دهشته.
في قلب هذا الجدل المحتدم، يطل كتاب (النظرية الأدبية للروبوتات: كيف تعلمت الحواسيب الكتابة)، لمؤلفه دينيس تينن. كمحاولة طموحة للإمساك بالسؤال من جذوره، من اللحظة الأولى التي حلم فيها إنسان قديم، في ليل بعيد، بصنع آلة تفهم.
تينن، المهندس السابق في شركة مايكروسوفت وأستاذ اللغة في جامعة كولومبيا، باحث يعرف الجهتين ، جهة الشفرة الباردة، وجهة الجملة الدافئة. وهو لا يكتب من موقع المتحمس المسحور بالتكنولوجيا، ولا من موقع الرافض الخائف منها. إنه يكتب من منطقة وسطى، من تلك البقعة التي تسمح لك بأن تنظر إلى المشهد بعينين مفتوحتين على اتساعهما، دون أن ترمش.
من ابن خلدون إلى تورينج
أول ما يصدم القارئ العربي في هذا الكتاب هو الافتتاحية. إذ لا يبدأ تينن رحلته من مختبرات وادي السيليكون، ولا من أبحاث آلان تورينج حول “آلة التفكير”، بل من القرن الرابع عشر، من قلب الحضارة العربية الإسلامية. هناك، في (مقدمة ابن خلدون)، يعثر المؤلف على جهاز “الزيرجة”، القائم على حسابات مركبة ورسوم بيانية واستنتاجات رقمية. لكنه لا يتعامل معه كأثر غرائبي مهمل من مخلفات التنجيم والعرافة، يراه تمهيداً فكرياً مبكراً لما صار يعرف لاحقاً بالذكاء الاصطناعي.
شيء ما في داخلي يتحرك وأنا أكتب هذه السطور. أتذكر مكتبة المدرسة الثانوية، رائحة الكتب القديمة وهي تملأ الأنف، أتذكر أنني قرأت عن “الزيرجة” ذات يوم بعيد، ومررت عليها مروراً سريعاً كمن يلقي التحية على عابر سبيل، ولم أتخيل أبداً أن يأتي باحث أمريكي فيعيد اكتشافها ويضعها في سياق جديد كلياً. الحياة تفاجئنا دوماً بطرقها الملتفة.
هذه النقلة المنهجية جديرة بالتأمل حقاً. فالمؤلف يحفر في تاريخ الأفكار ذاته، لا في تاريخ الأدوات فحسب. إنه يتتبع الخيط الرفيع الذي يربط بين محاولات البشر المتعاقبة لفهم الذكاء وتقليده. من أوراق رامون لول الدوارة في القرن الثالث عشر، التي يصفها المؤلف بجرأة جميلة بأنها “روبوتات دردشة بدائية”، مروراً بمشروع جون ويلكنز لخلق لغة فلسفية عابرة للثقافات عام 1668، ووصولاً إلى أنظمة لايبنيتز وجورج بول المنطقية التي أسست للثورة الحسابية الحديثة.
هذه المحطات لا تعرض في الكتاب كأحداث منعزلة، لا. إنها تتكشف عن كونها حلقات في سلسلة حلم إنساني واحد أن تخلق آلة تفهم وتتفاعل. حلم قديم، قديم جداً. ربما قدم الإنسان نفسه، حين التقط الحجر لأول مرة وشذبه ليكون امتداداً ليده وعقله.
اللغة.. ذلك الجسر العتيق
في مركز البنية الحجاجية للكتاب، تقبع رؤية فلسفية تقاوم الفصل التعسفي بين الذكاء البشري والاصطناعي. ينطلق تينن من تعريفات لغوية قديمة، كما وردت في قاموس ويبستر، ليذكرنا بأن “الذكاء” في أصله اللغوي يعني المهارة والعقل معاً. هذه الثنائية، يا للغرابة، هي التي تحكم العلاقة بين الإنسان وآلته منذ فجر الأدوات.
وعليه، يصبح الذكاء الاصطناعي، في التحليل الأخير، شريكاً في مشروع الفهم والتعبير، لا خصماً وجودياً للعقل البشري. هنا يمنح المؤلف اللغة مكانة استثنائية في بنائه النظري. القواميس والمدققات اللغوية التي رافقت تاريخ الكتابة البشرية لم تكن مجرد أدوات مساعدة. كانت، في جوهرها العميق، محاولات أولى لترميز الذكاء وتنظيم الفكر. ومن هذا المنظور، فإن الحاسوب الذي يصحح جملة أو يقترح كلمة ليس سوى الوريث الشرعي لسلسلة طويلة من الأدوات اللغوية التي ساهمت في صقل الوعي الإنساني ذاته.
لعل أخصب أقسام الكتاب، تلك التي يناقش فيها تينن مسألة الإبداع الاصطناعي. هنا يمسك الرجل العصا من منتصفها تماماً. يرفض الخطابين المهيمنين خطاب التفاؤل المفرط الذي يبشر بآلات ستصبح شعراء وروائيين، وخطاب التشاؤم الزائد الذي يرى في كل خوارزمية نذيراً بموت الإنسان المبدع.
يرى تينن أن الإبداع الأصيل ينبثق من التجربة البشرية العميقة. من الجرح. من الذاكرة. من طعم المطر على الشفاه. من رائحة الخبز الساخن في فجر بعيد. من وجه الحبيبة وهي تبتعد في صالة المطار. من كل ما هو إنساني، عميق، دافئ، متناقض. وهذا بالضبط ما تفتقر إليه الآلات بطبيعتها. لا تملك الآلة طفولة تتذكرها. لا تملك أماً تنتظر رسائلها. لا تملك وطناً فقدته. لا تملك غجريتين في داخلها تتصارعان.
لكن هذا الحكم لا يلغي، في الآن ذاته، الإسهام الملموس لأدوات الذكاء التوليدي في دعم العملية الإبداعية. فمن المساعدة في البحث الأدبي، إلى وضع الخطوط العريضة للروايات، إلى التدقيق اللغوي وتحسين الأسلوب، تقدم هذه الأدوات نفسها بوصفها امتداداً لتقليد طويل من التعاون بين الفن والهندسة، يعود إلى آدا لوفليس وآلان تورينج وأيام كانت الحواسيب مجرد حلم على ورق.
غير أن المؤلف، بوعيه النقدي الحاد، لا يغفل الوجه المظلم. يحذر من خطر انتشار التحيزات والصور النمطية حين تدرب الأنظمة على بيانات غير متوازنة. ويحذر من ظاهرة ما يسميه “الذكاء الاصطناعي الخفي”، حيث تستخدم أدوات غير معتمدة قد تعرض البيانات الحساسة للخطر. وفي هذا كله، يدعو تينن إلى وضع أطر أخلاقية وسياسات تنظيمية واضحة، مع الحفاظ على مبدأ الشفافية والإفصاح عن درجة مساهمة الآلة في العمل الأدبي. لا يخفي الكاتب عاره، يحفظ للقارئ حقه في أن يعرف مصدر الدهشة.
آخر حصون البشر
في ختام رحلته الفكرية، يقف تينن عند الحد الفاصل. مهما تطورت الآلات، تبقى مهمة تعريف المعنى مسئولية بشرية خالصة. الذكاء الاصطناعي ليس نهاية الإبداع، إنما أداة لتعميقه، شريطة أن يبقى الإنسان ممسكاً بالبوصلة. “الإبداع سيظل لعبة بشرية”، يقول المؤلف. يقولها لا من باب الاحتفاء بالنرجسية الإنسانية، لأننا في نهاية المطاف نبحث عن فهم أعمق لبعضنا البعض، لا عن صداقة الروبوتات.
هكذا يغدو كتاب (النظرية الأدبية للروبوتات) محاولة فريدة لإعادة تعريف الإبداع نفسه في ضوء أدوات جديدة. إنه جسر بين أصالة الأدب ودهشة الحوسبة، جسر قد لا يخلو من اهتزاز، لكنه يظل قائماً.
وإذا كانت ثمة خلاصة يمكن استخلاصها من هذه الرحلة المعرفية المكثفة، فهي أن الإبداع الأصيل يبقى آخر الحصون البشرية في مواجهة آلات تزداد ذكاء كل ساعة، دون أن تمتلك سر المعنى الذي يسكن التجربة الإنسانية في تفردها وعمقها. سر لا يمكن اختزاله في خوارزمية، ولا في قاعدة بيانات، مهما كانت ضخمة.
ربما لهذا، وأنا أختم هذه السطور في ليل متأخر، والنافذة مفتوحة على صوت بعيد، أشعر بشيء من الطمأنينة. لا لأن الآلات لن تتعلم الكتابة، لأن ما يجعل الكتابة كتابة حقيقية هو شيء لا يمكن تعلمه. هو شيء نولد به، أو لا نولد به. هو الخلل الجميل في أرواحنا. هو الجرح الذي لا يلتئم. هو النور الذي يتسلل من شقوقنا. وهذا، بالتحديد، ما لا يمكن تصديره إلى السحابة الإلكترونية، ولا تحميله على خادم بعيد.











