الذين يمشون في الظل.. حكاية سعد مكاوي المنسي

saad mellawy سعد مكاوي

عبد السلام فاروق

هل تتذكرون ذلك الصديق القديم الذي لم يكن الأكثر ضجيجًا في القعدة، ولا الأكثر ظهورًا في الصور، ولا الأسرع في إلقاء النكتة؟  الذي كان يجلس في الركن، يرتشف كوب شاي  في صمت، وحين يتكلم… يسكت الجميع!

 شيء ما في نبرته، في طريقة ترتيبه للكلمات، يجعلك تشعر أنك أمام رجل رأى ما لم تره، وعرف ما تجهله، وخاض ما لم تحلم به. ثم يرحل، وتنساه الأيام، حتى يأتي موقف ما، حكاية ما، فتتذكر كلماته فجأة، وتدرك أنه كان على حق طوال الوقت.

هذا هو سعد مكاوي.

في ليلة صيفية من عام 1916، وفي قرية الدلاتون التي لا تجدها على الخريطة إلا إذا كنت من أبناء المنوفية الأصفياء، ولد طفل أسماه والده “سعدًا”. والده المعلم الذي تخرج في دار العلوم، والصوفي الذي جمع بين الفكر والتجربة، لم يكن يدري أنه يربي في بيته الريفي البسيط ، مشروعًا أدبيًا كاملاً.

تخيلوا المشهد.. بيت ريفي قديم، رائحة الطين المبلول بعد المطر، صوت الشيخ وهو يقرأ ورده، والطفل الصغير يتأمل. سنوات قليلة، ثم يقرر هذا الطفل أن يفعل ما لم يفعله أحد من قبله، أن يخلط الماء بالنار، التصوف بالواقعية، الريف بالعالم.

يسافر إلى فرنسا عام 1936. فرنسا! في ذلك الزمن، كان السفر إلى أوروبا أشبه بالسفر إلى المريخ. يذهب لدراسة الطب، فيصطدم بشيء لم يكن في الحسبان: الأدب. موباسان، وبلزاك، وزولا، وبروست. يترك الطب، ينتقل إلى آداب السوربون، ثم… تشتعل الحرب العالمية الثانية، فيعود إلى مصر دون شهادة، لكن محملاً بشيء أثمن، وهو رؤية جديدة للعالم.

هنا تحديدًا، في هذه اللحظة، حدث التحول. عاد الشاب الريفي المتصوف من باريس، لا هو بالفلاح الذي غادر، ولا هو بالفرنسي الذي عاد. شيء ثالث. هجين أدبي فريد. كائن لم تألفه الساحة الثقافية المصرية من قبل.

الذين يشربون الشاي في قهوة المجاذيب

تخيلوا كاتبًا شابًا، في الأربعينيات، يمسك بقلمه، وأمامه خياران الأول، أن يكتب مثل طه حسين والعقاد، بالنبرة الفخمة واللغة الجزلة. الثاني، أن يكتب مثل الجيل الجديد القادم، جيل محفوظ وإدريس وحقي، الواقعية المباشرة، نبض الشارع.

سعد مكاوي اختار طريقًا ثالثًا.

اختار أن يكتب عن “المجاذيب” لا العقلاء، عن “الزمن الوغد” لا الزمن الجميل، عن “الماء العكر” لا الصافي. كان يرى أن الحقيقة لا تكمن في السطح الصافي للأشياء، بل في العمق المعكر. في قاع البئر الموحل، هناك حيث لا ينظر أحد، هناك تسكن الحقيقة.

في مجموعته “في قهوة المجاذيب”، يرسم لنا عالمًا موازيًا. ليس عالم “الفتوات” و”الحرافيش” كما سنرى لاحقًا عند محفوظ، بل عالم آخر أكثر غرائبية، أكثر التصاقًا بالأسطورة الشعبية والروحانية القروية. شخصياته ليست شخصيات بالمعنى التقليدي، إنها “رموز”. رموز لحالة إنسانية كاملة، لجيل بأكمله، لوطن يبحث عن هويته.

أتخيل سعد مكاوي الآن، جالسًا في مقهى بوسط القاهرة، في الخمسينيات، يشرب قهوته بهدوء، ويستمع إلى أحاديث المثقفين الصاخبة من حوله. يتحدثون عن الاشتراكية والرأسمالية، عن الوجودية والعبثية، عن الالتزام والحرية. وهو ينظر إليهم، يبتسم ابتسامة خفيفة، ثم يعود إلى ورقته ليكتب حكاية جديدة عن فلاح لم يسمع بالسوربون ولا بالوجودية، لكنه يحمل في صدره كل أسئلة الوجود.

السائرون نيامًا… والرجل الذي رآهم

ثم تأتي روايته الكبرى: “السائرون نياما”. عام 1965. توقيت صعب. مصر والعالم العربي يغليان. الهزيمة على الأبواب. والأدباء مشغولون إما بتمجيد الماضي أو بالحلم بالمستقبل. يأتي سعد مكاوي ويكتب عن المماليك!

لكنها ليست رواية تاريخية بالمعنى التقليدي. ليست “أبو مسلم الخرساني” ولا “المملوك الشارد”. إنه يفعل شيئًا أخطر: يكتب عن الماضي ليفسر الحاضر. يكتب عن عصر المماليك ليقول لنا شيئًا عن عصر عبد الناصر، عن عصرنا، عن كل عصر يعيش فيه الناس وهم يحسبون أنهم يسيرون، بينما هم في الحقيقة نيام.

“السائرون نياما”… يا للعنوان العبقري! أليس هذا وصفًا لحالنا اليوم؟ نمشي في الشوارع، نركب المواصلات، نذهب إلى أعمالنا، نتصفح هواتفنا، نضحك، نبكي، نتخاصم، نتصالح… ونحن نيام؟ نائمون عن حقيقة وجودنا، عن معنى حياتنا، عن مصيرنا؟ يحركنا شيء لا نفهمه، قوى لا نراها، تاريخ لم نقرأه، حاضر لم نحلله.

هذا هو سعد مكاوي الذي يجب أن نعيد اكتشافه. ليس ذلك الكاتب الاجتماعي الذي صور حياة الفلاحين، ولا ذلك الرومانسي الذي حن إلى الريف. كلا. إنه ذلك الرجل الذي وقف على حافة الهاوية ونظر إلى الأسفل، ثم عاد ليحكي لنا عما رآه، فلم يصدقه أحد.

الصحفي الذي كان يخفي كاتبًا عظيمًا

المفارقة أن سعد مكاوي قضى معظم حياته العملية صحفيًا. مشرفًا على الصفحات الأدبية. محررًا. رئيسًا للتحرير. وحين تنظر إلى أيقونة الصحفي الأديب في ثقافتنا العربية، تجد تناقضًا مؤلما.. الصحافة تأكل الأدب. تستهلك طاقة الكاتب في اليومي، في العابر، في السريع، في خبر يموت بعد ساعات.

لكن سعد مكاوي استطاع أن يحول الصحافة إلى معمل. في جريدة “المصري”، ثم “الشعب”، ثم “الجمهورية”، كان يفعل شيئًا مختلفًا. لم يكن مجرد محرر يبحث عن السبق الصحفي، بل كان صيادًا للمواهب، مكتشفًا للأصوات الجديدة. يوسف إدريس، وسعد الدين وهبة، ونعمان عاشور… أسماء لو تأملتها جيدًا، لوجدت أن سعد مكاوي كان أشبه بـ”عراب” لجيل كامل، لكنه العراب الذي يهدي ولا يأخذ، يعطي ولا يطلب، يفتح الأبواب ثم يقف على العتبة.

أتساءل أحيانًا هل أضاع سعد مكاوي نفسه في الآخرين؟ هل كان كريمًا إلى درجة التبذير في رعاية المواهب الأخرى على حساب مشروعه الخاص؟ ربما. وربما كان هذا هو جوهر شخصيته الرجل الذي يزرع الأشجار ولا ينتظر الظل.

سر الواقعية الانحيازية

الناقد الدكتور سيد حامد النساج أطلق على أدب سعد مكاوي وصفًا دقيقًا: “الواقعية الانحيازية”. ليس الحياد البارد، وليس التقرير الجاف، وليس البروباجندا السياسية. إنه الانحياز. انحياز إلى من؟ إلى المهمشين، إلى المنسيين، إلى أولئك الذين يمشون في الظل ولا يراهم أحد.

لكن انتبهوا؛ هذا الانحياز لم يكن موقفًا سياسيًا بالدرجة الأولى. كان موقفًا وجوديًا. جماليًا. روحيًا. كان سعد مكاوي يرى في الفلاح الفقير، في “المجذوب” الذي يضحك في الشارع، في البائعة العجوز التي تجلس على الرصيف… كان يرى فيهم “الإنسان” في حالته الأولية، الصافية، قبل أن تفسده الأيديولوجيا والشعارات.

هذا هو الفرق بينه وبين يوسف إدريس. إدريس كان يكتب عن الفقراء لأنه يؤمن بقضية. سعد مكاوي كان يكتب عنهم لأنه يراهم. فقط يراهم. يراهم كما هم، لا كما ينبغي أن يكونوا في أدبيات “الواقعية الاشتراكية”. يراهم بأرواحهم، بأحلامهم الصغيرة، بأساطيرهم الشخصية، بعلاقتهم بالله والموت والقدر.

لماذا غاب سعد مكاوي إذن؟

سؤال مؤلم، لكنه ضروري. لماذا كل هذه الغيبة؟ لماذا لا يذكره إلا القليل من النقاد المخلصين مثل شوقي بدر يوسف وخيري دومة؟ لماذا تحول إلى اسم منسي في تاريخ الأدب العربي؟

أولاً: لأنه كان يعيش في المنطقة الرمادية بين الأجيال. ليس من جيل طه حسين والعقاد، وليس من جيل محفوظ وإدريس. جيل وسط. الأجيال الوسطى غالبًا ما يطحنها التاريخ، تضيع بين ضفتين، لا تحظى باحترام الريادة ولا بشهرة القادمين الجدد.

ثانيًا: لأنه لم يصنع أسطورة حول نفسه. لم يكتب مذكرات مثيرة. لم يدخل في معارك أدبية. لم يظهر في التلفزيون. كان يؤمن بأن الكاتب الحقيقي هو الذي يتحدث من خلال نصوصه فقط. مبدأ نبيل، لكنه انتحاري في زمن “الصورة” و”البوز” و”الترند”.

ثالثًا: لأنه كان صعبًا. ليس صعبًا بمعنى الغموض المتعمد، ولكن صعبًا بمعنى أنه يطلب منك شيئًا. يطلب منك أن تفكر. أن تتأمل. أن تعود إلى النص مرة واثنتين وثلاثًا. وفي زمن يريد كل شيء سريعًا، سريعًا، سريعًا… يصبح سعد مكاوي ترفًا لا وقت له.

رابعًا: لأنه كتب “السائرون نياما” قبل أوانها. لو كتبها اليوم، في زمن انهيار اليقينيات الكبرى، في زمن ما بعد الحداثة التي تسأل عن المعنى وترتاب في السرديات الكبرى… لكان استقبل استقبالاً مختلفًا تمامًا. لكنه سبق عصره، وهذه لعنة.

ماذا تبقى من سعد مكاوي؟

في شقة صغيرة بالمعادي، في 11 أكتوبر 1985، أسلم سعد مكاوي روحه. مات بهدوء، كما عاش بهدوء. لم تتصدر وفاته الصفحات الأولى. لم تبكه الأمة العربية. فقط عدد قليل من الأصدقاء والتلاميذ والنقاد أدركوا أن مشهد الأدب العربي فقد واحدًا من أنبل أقلامه.

لكن شيئًا ما بقي.

بقي صوته مسكونًا في نصوصه. في “السائرون نياما” التي لا تزال تنتظر قراءها الحقيقيين. في “الماء العكر” الذي لم يصفُ بعد. في “الزمن الوغد” الذي ما زال وغدًا حتى اليوم. في “في قهوة المجاذيب” التي ربما نكون نحن روادها الآن، دون أن ندري.

تخيلوا لو أن سعد مكاوي عاش بيننا اليوم. ماذا كان سيكتب عنا؟ عن جيل “السوشيال ميديا”، الذي يركض وراء “اللايكات” و”الشير”؟ عن “الترندات” التي تولد وتموت في ساعات؟ عن “المؤثرين” الذين لا يؤثرون إلا في أرصدة البنوك؟ أظنه كان سيكتب عنا رواية عنوانها: “الصاحون نياما”.

لأننا، مع كل هذا الضجيج، ما زلنا نائمين. نمشي، نأكل، نشرب، نضحك، نغضب… ونحن نائمون. لم نستيقظ بعد. لم نقرأ سعد مكاوي بعد.

رسالة في زجاجة

أختم هذه الرحلة مع رجل من زمن جميل بسيط، بسؤال صغير متى كانت آخر مرة قرأت فيها كتابًا لكاتب منسي؟ ليس بالضرورة سعد مكاوي. أي كاتب منسي. أي اسم كان يومًا ما نجمًا في سماء الأدب، ثم خبا. متى آخر مرة ذهبت فيها إلى مكتبة قديمة، أو إلى ركن الكتب المستعملة، وأمسكت برواية صفراء الصفحات، ونفضت عنها الغبار، وبدأت تقرأ؟

ربما في هذه اللحظة، وأنت تتصفح هذه السطور على هاتفك، هناك كتاب لسعد مكاوي ينتظرك في ركن ما. “السائرون نياما”، “الماء العكر”، “الزمن الوغد”… أسماء تنتظر من يمنحها فرصة جديدة للحياة. أسماء تنتظر من يستمع إلى صوت رجل مات منذ أربعين عامًا، لكنه ما زال يتحدث.

في إحدى حكاياته القصيرة، يتخيل سعد مكاوي أن الموتى لا يموتون حقًا، بل يظلون أحياء ما دام هناك من يتذكرهم. إذا كان هذا صحيحًا، فإن سعد مكاوي يموت كل يوم قليلاً، في كل يوم لا يقرأ فيه أحد كتبه، في كل يوم يمر فيه اسمه على أذن شاب فلا يسأل: “من هذا؟”.

لعل هذه الكلمات تكون شيئًا صغيرًا. شيئًا بسيطًا. مجرد “لايك” روحي، أو “شير” لذكرى رجل يستحق أن يُذكر. رجل مشى بيننا مرة، وكتب لنا عن أنفسنا بصدق موجع، ثم مضى في هدوء، تاركًا كتبه كرسائل في زجاجة، تنتظر من يجدها على شاطئ النسيان.

سعد مكاوي… أيها السائر بيننا، يقظًا ونحن نيام، نم قرير العين. هناك من يتذكر. هناك من يقرأ. هناك من يعرف أن “الأدب الحقيقي يظل حيًا بقدر قدرته على مخاطبة القلب، مهما تغيرت لغات العصر وأدواته وصراعاته”. نم قرير العين يا صديقي الذي لم نقابله أبدًا. نم. فربما… ربما فقط… نحن الذين ما زلنا نيام.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع