د. عفاف عبد المعطي
تقدم رواية «مجرد واحد» للروائي المصري رمضان جمعة منذ صفحاتها الأولى مشروعًا روائيًا ينتمي إلى الرواية الفكرية ذات المنحى الوجودي، دون أن يتخلى عن انغماسه العميق في تفاصيل الحياة اليومية المصرية. فالرواية لا تبدأ بحدث كبير أو عقدة تقليدية، وإنما تبدأ بخلخلة يقين القارئ، إذ تدفعه إلى التساؤل منذ المشهد الأول: هل ما نراه حقيقة أم وهم؟ وهل العالم الذي يتحرك فيه البطل عالم ثابت، أم أنه بناء هش يمكن أن ينهار في أية لحظة؟
يعكس عنوان الرواية، «مجرد واحد»، رؤية فلسفية قبل أن يكون اسمًا لشخصية. فالبطل ليس بطلاً استثنائيًا، ولا يسعى إلى البطولة، وإنما يقدم بوصفه فردًا عاديًا، مجهولًا، يعيش في هامش المدينة، ويحاول أن يمنح حياته معنى في عالم يزداد عبثًا وغموضًا. ويصبح هذا الاختيار للعنوان مدخلًا لفهم الرؤية العامة للرواية، التي تحتفي بالإنسان العادي، لكنها تكشف في الوقت نفسه هشاشة وجوده.
من أبرز عناصر الرواية في بداياتها قدرتها على بناء مناخ من الشك الوجودي. فحادثة الرجل الغامض الذي يزعم أنه حفيد «أحمد عطا الله»، ثم وقوع حادث الأتوبيس بعد تهديده، لا تُقدَّم باعتبارها حدثًا خارقًا بصورة مباشرة، وإنما تظل معلقة بين الممكن والمستحيل. وهنا ينجح الكاتب في إبقاء القارئ داخل منطقة التردد، فلا يستطيع أن يحسم إن كان ما يحدث واقعيًا أم نتيجة إدراك مرتبك لدى البطل، ويعزز هذا التردد كثرة الأسئلة التي يطرحها البطل على نفسه: هل ما أراه حقيقة؟ هل يمكن الوثوق بالحواس؟ هل الموت حقيقة أم مجرد فكرة اتفق البشر عليها؟ وهي أسئلة تمنح النص طابعًا مجرداً واضحًا، وتجعله أقرب إلى الرواية التي تبحث في طبيعة الوجود أكثر من اهتمامها بتتابع الأحداث
وتبدو شخصية «مجرد واحد» من الشخصيات التي تبنى من الداخل أكثر مما تبنى من الخارج. فالقارئ لا يعرف عنها كثيرًا من التفاصيل التقليدية، لكنه يتعرف تدريجيًا إلى عالمها النفسي، ومن ثم حساسيتها المفرطة تجاه الواقع، وإلى شعورها الدائم بالغربة. إنه شاب يعمل مصممًا للجرافيك، قارئ نهم للروايات والفلسفة، يعيش مع جدته، ويتنقل يوميًا في وسائل المواصلات، لكن هذه الحياة اليومية تتحول في وعيه إلى مادة للتأمل الفلسفي. تكشف الرواية كذلك عن قدرة لافتة على تحويل التفاصيل اليومية إلى دلالات رمزية. فالأتوبيس، والميكروباص، والموقف، والمقهى، والشارع، ليست مجرد أماكن، وإنما فضاءات تتقاطع فيها السلطة والعنف والخوف واللامعقول. كما أن منطقة «المقطوعة» لا تؤدي وظيفة مكانية فحسب، بل تتحول إلى صورة مكثفة للهامش الاجتماعي الذي يعيش فيه أبطال الرواية
اللغة السردية من الجوانب المميزة في النص، حيث تجمع بين الفصحى والحوار العامي دون افتعال. فالكاتب يوظف العامية داخل الحوار لتأكيد واقعية الشخصيات، بينما يحتفظ السرد بلغة عربية مرنة وقريبة من الإيقاع الشفهي، وهو ما يمنح الرواية حيوية واضحة ويقربها من عالمها الاجتماعي. أيضاً حضور التناصات الثقافية منذ الصفحات الأولى. فالإشارة إلى نيتشه، وميلان كونديرا، وإدواردو غاليانو ليست مجرد استعراض ثقافي، وإنما تؤسس للأفق الفكري الذي يتحرك فيه البطل. فاختياراته القرائية تنعكس على طريقته في فهم العالم، وعلى طبيعة الأسئلة التي يطرحها، وهو ما يجعل الثقافة جزءًا من بناء الشخصية، لا عنصرًا خارجيًا ملحقًا بها.
ومن الناحية الفنية، يعتمد الكاتب رمضان جمعة على إيقاع هادئ نسبيًا، لكنه لا يخلو من التوتر. فالأحداث ليست كثيرة، إلا أن التوتر ينبع من الوعي المضطرب للبطل ومن الشك الدائم الذي يحيط بكل ما يراه. وهذا الأسلوب يذكرنا ببعض تقنيات الرواية الوجودية التي تجعل الصراع الحقيقي صراعًا داخليًا للشخصية المركزية متمثلة فى البطل الهش أكثر منه صراعًا مع الآخرين..
ولا تخلو الرواية من بعد اجتماعي واضح، إذ ترصد عالم المهمشين وسائقي المواصلات والباعة وسكان الأحياء الشعبية، لكنها لا تقدمهم بوصفهم نماذج فولكلورية، وإنما بوصفهم جزءًا من بنية اجتماعية تكشف تناقضات المجتمع المصري المعاصر، حيث يمتزج العنف بالسخرية، والإيمان بالخرافة، والضحك بالألم
ومن ثم يمكن القول إن رمضان جمعة يكتب رواية تراهن على القارئ المفكر، القادر على تتبع الإشارات الفلسفية، وربطها بالواقع الاجتماعي، واستيعاب التوتر المستمر بين الحياة اليومية والأسئلة الكبرى ضمن تيار الرواية المصرية المعاصرة التي تجاوزت الاكتفاء بتمثيل الواقع الاجتماعي، لتجعل من السرد وسيلة لاستكشاف الوعي الإنساني، ومساءلة اليقينيات التي تحكم علاقة الإنسان بالعالم. فالكاتب لا يقدم حكاية تقليدية ذات بداية وذروة ونهاية بقدر ما يبني تجربة سردية تجعل القارئ شريكًا في إنتاج المعنى، إذ يجد نفسه منذ الصفحات الأولى أمام عالم يتداخل فيه الواقعي بالغرائبي، واليومي بالفلسفي، واليقين بالشك
وتتكرر هذه الرؤية في تأملات البطل التي تستدعي الشك الديكارتي صراحة، حين يتساءل: «ما الذي يؤكد لي أن كل ما أراه ليس حلمًا؟». ولا تأتي هذه الإحالة بوصفها استعراضًا فلسفيًا، بل تنبع من صميم التجربة التي يعيشها، حيث يصبح الشك أداة لفهم الواقع، لا مجرد موقف ذهني.
البطل بوصفه وعيًا مأزومًا
لا يرسم رمضان جمعة بطله من خلال الوصف الخارجي، وإنما من خلال تدفق أفكاره وأسئلته. فمنذ الصفحات الأولى نكتشف شخصية تعيش اغترابًا مضاعفًا؛ اغترابًا عن العمل مطرودا من شركة عامت بعد ان عام الجنيه، واغترابًا عن المجتمع، واغترابًا عن ذاته..
كما يظهر ذلك بجلاء منذ التحاقه بقسم الفلسفة الذى لم يُرده والصورة العبثية التى جسدت رغبات الالتحاق بالتنسيق الجامعى ثم نظرته إلى الوظيفة، إذ لا يراها وسيلة للعيش أو لتحقيق الذات، بل يعتبرها نوعًا من الاحتراق اليومي، حتى يصفها بأنها «هولوكوست هذا العصر»، ويتساءل ساخرًا: ألسنا نموت كل يوم من التاسعة صباحًا حتى الخامسة مساءً؟. وهنا تتحول الوظيفة من مؤسسة اجتماعية إلى رمز لفقدان الحرية واستنزاف الإنسان، وهي رؤية تستحضر، على نحو غير مباشر، أدب العبث والاغتراب عند كافكا وكامو وبدايات صنع الله ابراهيم.
ولا يقف اغتراب البطل عند حدود العمل، بل يمتد إلى علاقته بالوجود نفسه. ففي مشهد لعب الأطفال في الشارع، تتحول لعبة بسيطة إلى مناسبة للتأمل في معنى الموت. وحين يردد عليه الطفل: «ما أنت كدا كدا مت خلاص»، يبدأ البطل في مساءلة واحدة من أكثر الحقائق رسوخًا في الوعي الإنساني، وهي حقيقة الموت، ليتساءل: «هل يوجد أصلًا موت؟» .
تكشف هذه اللحظة عن مهارة الكاتب في تحويل التفاصيل اليومية إلى أسئلة فلسفية. فالفلسفة هنا لا تأتي عبر محاضرات أو حوارات مطولة، وإنما تولد من موقف عابر بين رجل وطفلين، وهو ما يمنح النص عفويته ويجنبُه للمباشرة .
وتزداد أزمة البطل تعقيدًا مع تكرار ظهور «حفيد أحمد عطا الله»، واختفائه المفاجئ كلما اقترب منه، حتى يصل إلى لحظة يعجز فيها عن التمييز بين الحقيقة والوهم، ويتساءل: «هل الذي حصل… حصل فعلًا؟» . وهنا تنتقل الرواية من سؤال الوجود إلى سؤال الإدراك؛ إذ لم يعد الشك متعلقًا بالعالم وحده، بل بقدرة الذات على إدراكه!
البنية السردية بين الواقعي والغرائبي
منذ الصفحات الأولى يعلن الكاتب رمضان جمعة أن روايته” مجرد واحد” لا تنتمي إلى البناء السردي التقليدي الذي يقوم على تعاقب الأحداث وفق منطق سببي واضح، وإنما تنتمي إلى نوع السرد الذي يجعل الوعي هو المحرك الحقيقي للأحداث. فتستند الرواية إلى ما يمكن تسميته السرد الاحتمالي؛ إذ تتجاور عدة تفسيرات للحدث الواحد دون أن يفرض النص تفسيرًا بعينه. هل الرجل حفيد أحمد عطا الله حقيقة؟ أم هلاوس؟ أم صورة من صور القلق الوجودي؟ إن الرواية لا تجيب، لأن قيمة السؤال عندها تفوق قيمة الجواب ! ومن هنا يقترب النص من تقاليد الرواية الحديثة التي تجعل الشك عنصرًا بنائيًا، فلا يعود السرد وسيلة لنقل الحقيقة، بل أداة لاختبارها.
كما يعتمد الكاتب رمضان جمعة على راوٍ يقترب كثيرًا من الشخصية الرئيسة، حتى تكاد المسافة بينهما تتلاشى. فالراوي لا يكتفي بوصف الأفعال، وإنما ينفذ إلى داخل الشخصية، ويرصد ارتباكها وتداعي أفكارها، وانتقالها المستمر بين الملاحظة الخارجية والتأمل الداخلي . وتتكرر في الرواية لحظات يتوقف فيها الحدث الخارجي ليحل محله التدفق الفكري. وهذه الوقفات لا تُبطئ الإيقاع، بل تمنحه عمقًا، لأن الرواية لا تجعل الحدث غايتها، وإنما تجعل الوعي الإنساني موضوعها الحقيقي
ومن اللافت أن الكاتب لا يستخدم هذه التقنية بوصفها زخرفًا حداثيًا، وإنما يربطها بطبيعة الشخصية نفسها ” مجرد واحد”؛ فالبطل قارئ، ومتأمل، ومثقل بالأسئلة، ولذلك يبدو طبيعيًا أن يطغى حضوره الداخلي على الحركة الخارجية للعالم خاصة العشوائى .
يحتل الزمن موقعًا مركزيًا في تشكيل رؤية النص. فالأحداث تتحرك في إطار أيام عادية، تتكرر فيها تفاصيل الذهاب إلى العمل والعودة منه، لكن هذا التكرار لا يؤدي إلى الإحساس بالاستقرار، بل إلى الإحساس بالعبث ، لأن الزمن في «مجرد واحد» ليس زمنًا تاريخيًا، وإنما زمن وجودي، يشعر فيه الإنسان بأنه يعيد اليوم نفسه بلا نهاية. ولذلك يشبّه البطل الوظيفة بأنها احتراق يومي، ويعيش ساعات العمل كما لو كانت عقوبة أبدية، وهو ما يمنح الزمن بعدًا نفسيًا أكثر من كونه إطارًا لوقوع الأحداث . ويستخدم الكاتب تفاصيل الحياة اليومية لتأكيد هذا الإحساس؛ انتظار انتهاء الدوام، الطريق المعتاد، ركوب الميكروباص، العودة إلى المنزل، وكلها تتكرر بصورة توحي بأن الإنسان أصبح أسير دورة مغلقة لا تنتهى و لا يستطيع كسرها ، وهنا ينجح النص في تحويل الزمن من عنصر محايد إلى قوة تضغط على الإنسان، وتسهم في تشكيل رؤيته القلقة للعالم . و إذا كان الزمن في الرواية زمنًا مأزومًا، فإن المكان كذلك ليس مجرد إطار جغرافي، بل عنصر دلالي فاعل؛ فـ«المقطوعة» ليست حيًا شعبيًا فحسب، وإنما فضاء تتجاور فيه التناقضات؛ القمامة إلى جوار البيوت، الفقر إلى جوار الدعابة، التدين إلى جوار البلطجة، والإنسانية إلى جوار القسوة. ويحرص الكاتب على رسم المكان بتفاصيل حسية دقيقة، من الروائح النفاذة، إلى أصوات الميكروباصات، إلى حركة الناس اليومية، بما يمنح السرد كثافة واقعية واضحة؛ غير أن واقعية المكان لا تلغي بُعده الرمزي؛ فاسم «المقطوعة» نفسه يوحي بالانفصال والانقطاع، وكأنه يختزل حالة البطل النفسية، الذي يشعر بأنه منقطع عن العالم، أو أن خيطًا ما انقطع بينه وبين اليقين..
الإنسان بوصفه سؤالًا جدلياً
لا تقوم رواية «مجرد واحد» للكاتب رمضان جمعة على البطولة التقليدية التي تجعل الشخصية محورًا للأحداث، وإنما تنتمي إلى الرواية الحديثة التي تصبح فيها الشخصية محورًا للتجربة الفكرية. فالبطل لا يُقاس بما ينجزه من أفعال، وإنما بما يثيره من أسئلة، وبقدرته على تحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى موضوع للتأمل.
ولذلك يتجنب رمضان جمعة رسم شخصية مثالية أو بطولية، بل يقدم شخصية مأزومة، مترددة، كثيرة الشك، لا تمتلك يقينًا نهائيًا تجاه أي قضية. وهذا الاختيار يمنح الرواية صدقًا نفسيًا؛ لأن الإنسان المعاصر – كما تصوره الرواية – لم يعد يمتلك رفاهية اليقين، بل يدور وسط فيض من الاحتمالات المتعارضة. .
ومن اللافت أن الكاتب لا يقدم شخصية مجرد واحد عبر الوصف المباشر، وإنما يكشفها من خلال المواقف الصغيرة، فكل واقعة، مهما بدت بسيطة، تتحول إلى مناسبة لإعادة النظر في معنى الوجود، أو في مفهوم الحقيقة، أو في العلاقة بين الإنسان والعالم. وهنا يقترب بناء الشخصية من تقاليد الرواية الوجودية، حيث يصبح الحدث الخارجي أقل أهمية من أثره في الوعي، ويصبح تطور الشخصية تطورًا فكريًا أكثر منه تطورًا اجتماعيًا
ولا تقل الشخصيات الثانوية أهمية عن الشخصية الرئيسة، لأنها لا تؤدي وظيفة درامية فحسب، بل تسهم في تشكيل الرواية؛ فـالجدة ليست مجرد شخصية عائلية، وإنما تمثل الوعي الشعبي القائم على الإيمان البسيط، والثقة بالعادات، واليقين الديني الذي لا يعرف الشك. ويأتي الحوار بينها وبين حفيدها كاشفًا عن فجوة بين جيلين: جيل يرى العالم من خلال الإيمان والتسليم، وجيل لا يكف عن المساءلة والتمرد على كل شيء.
وفي المقابل، تبدو شخصية هيثم أكثر التصاقًا بالواقع العملي؛ فهو يتعامل مع العمل والحياة اليومية بوصفهما أمرًا طبيعيًا، بينما يعيش البطل/ مجرد واحد اغترابه الخاص. ومن خلال هذا التباين يبرز الكاتب عزلة الشخصية الرئيسة، حتى وهي محاطة بالناس .
ومن الشخصيات التي تكشف دلالة المكان شخصية «مجدي الجنش»، التي يقدمها الكاتب بوصفها نموذجًا للسلطة الشعبية غير الرسمية. فهو ليس مجرد بلطجي يفرض الإتاوات بل يفرض القوانين، ويعاقب الخارجين عليها، ويعيش في تناقض دائم بين التدين الظاهري وممارسة القوة والهيمنة . ولا تبدو هذه الشخصية مجرد عنصر حكائي، بل تمثل صورة مصغرة لعلاقة السلطة بالمجتمع؛ سلطة تصنع قوانينها بنفسها، ثم تستثني نفسها منها، في مفارقة ذات دلالة اجتماعية وسياسية واضحة .
وهذه الشخصية لا تقدم بوصفها حالة فردية، بل بوصفها تجسيدًا لآليات السلطة في المجتمع الشعبي؛ سلطة تستمد مشروعيتها من الخوف أكثر مما تستمدها من القانون. وسيطرة الجنش على المكان تجعله يغدو فى الرواية أكثر من مسرح للأحداث؛ إنه بنية رمزية تعكس رؤية الكاتب للعالم، وتكشف أن الاغتراب ليس تجربة فردية يعيشها البطل وحده، بل في تفاصيل الحياة اليومية القاتلة التى يتحكم فيها بلطجى متدين. ويحسب للكاتب أنه لا يحول هذه الشخصيات إلى رموز مجردة، بل يمنحها تفاصيل حياتية دقيقة تجعلها قابلة للتصديق، وهي تؤدي وظائف ملموسة داخل النص.
من أبرز عناصر القوة في الرواية لغتها السردية. فهي لغة تميل إلى الاقتصاد، وتتجنب البلاغة المتكلفة، لكنها قادرة في الوقت نفسه على إنتاج دلالات فلسفية عميقة. لذلك يعتمد رمضان جمعة على جمل قصيرة نسبيًا، تتناسب مع سرعة تدفق الأفكار السلبية خاصة، ومع الإيقاع الداخلي للشخصية. ولا يُثقل الكاتب السرد بوصف مطول، وإنما يختار التفاصيل التي تحمل قيمة دلالية، بحيث يصبح الوصف جزءًا من بناء المعنى، لا مجرد زينة لغوية و ينجح في توظيف العامية داخل الحوار دون أن تخل بتماسك النص. فالعامية هنا ليست وسيلة للإضحاك أو لإضفاء لون غائر فى المحلية فحسب، إنما تؤدي وظيفة فنية تمنح الشخصيات أصواتها الخاصة، وتكشف انتماءها الاجتماعي والثقافي؛ وتبدو المفارقة واضحة بين لغة الحوار الشعبي، ولغة التأمل الفلسفي التي تصاحب البطل. غير أن الكاتب ينجح في الجمع بين المستويين دون افتعال، فتبدو الفلسفة وكأنها تنبت من قلب الشارع، لا من قاعات الدرس.
من السمات اللافتة في الرواية حضور التناصات الفكرية والأدبية، لكنها لا تأتي على سبيل التزيين الثقافي، وإنما تؤدي وظيفة بنائية؛ فالإحالة إلى ديكارت من خلال السؤال: «ما الذي يؤكد لي أن كل ما أراه ليس حلمًا؟» ليست مجرد اقتباس فلسفي، بل تمثل المدخل الحقيقي إلى رؤية الرواية. فالبطل يعيش الشك بوصفه تجربة يومية، لا موقفًا نظريًا.
كما تحضر أسماء مثل ميلان كونديرا في أفق النص، وهو حضور يكشف عن طبيعة القراءة التي تشكل وعي شخصية البطل، ويضع الرواية داخل حوار مع السرد العالمي الذي ينشغل بالذاكرة، والهوية، وقلق الإنسان الحديث.
ومن اللافت أن الكاتب لا يفرض هذه الإحالات على القارئ، بل يدمجها في نسيج السرد، بحيث يمكن للقارئ غير المتخصص أن يتابع الرواية دون ملل، بينما يكتشف القارئ المتمرس طبقة إضافية من الدلالات وهذا ما يمنح النص ثراءً تأويليًا، ويجعله مفتوحًا على قراءات متعددة، دون أن يفقد تماسكه الحكائي. .
إن الرواية لا تسأل: ماذا حدث؟ بقدر ما تسأل: كيف نعرف أن ما حدث قد حدث فعلًا؟ وهذا التحول من سؤال الواقع إلى سؤال المعرفة هو ما يمنح النص طابعه الفلسفي.
وتتكرر في الرواية أسئلة من قبيل: ما الحقيقة؟ ما الموت؟ ما الحلم؟ وهل الإنسان حر حقًا في اختياراته؟ وهي أسئلة لا تقدم الرواية لها إجابات نهائية، بل تجعلها مفتوحة على التأويل، في انسجام مع طبيعة الرواية الحديثة التي ترى أن الأدب لا يقرر الحقائق، وإنما يوسع أفق التساؤل.
ينتمي النص إلى منطقة وسطى بين الواقعية والغرائبية؛ فلا هو يعلن انحيازه الكامل إلى الواقعية التقليدية، ولا يغادرها إلى العجائبي الصريح. وتذكرنا هذه الآلية بما يسميه تزفيتان تودوروف بـ”الفانتاستيك”، حيث ينشأ الأثر الفني من التردد بين التفسير الواقعي والتفسير غير الواقعي، لا من انتصار أحدهما ، غير أن الكاتب رمضان جمعة يوظف هذه التقنية في خدمة سؤال وجودي، لا في صناعة الإثارة فقط. فالغرائبي هنا ليس هدفًا في ذاته، بل وسيلة لزعزعة ثقة الإنسان في العالم الذي اعتاد اعتباره ثابتًا ومنطقيًا .
كما تعتمد الرواية على شبكة من الرموز التي تنمو من داخل العالم السردي، ولا تُفرض عليه فرضًا؛ العنوان هو الرمز الأول والأكثر كثافة؛ فـ«مجرد واحد» لا يحيل إلى فرد بعينه، وإنما إلى هشاشة الفرد داخل عالم واسع، وإلى شعور الإنسان بأنه مجرد رقم مُهمل في منظومة فاسدة أكبر منه. أما المقطوعة الحكائية فتتجاوز دلالتها المكانية، لتصبح استعارة عن الانقطاع؛ انقطاع الإنسان عن يقينه، وعن الآخرين، وربما عن ذاته. وليس من المصادفة أن تتحرك أغلب الأسئلة الوجودية داخل هذا الفضاء الذي يحمل اسمه إيحاءً بالانفصال. وفي المقابل، فإن كثافة التأملات الفلسفية قد تُبطئ الإيقاع السردي في بعض المواضع بالنسبة للقارئ الذي ينتظر تطورًا سريعًا للأحداث. غير أن هذا الإبطاء يبدو منسجمًا مع طبيعة المشروع الروائي نفسه، الذي يجعل الوعي هو الاهم لا الحدث بعينه.
تقدم «مجرد واحد» مشروعًا روائيًا يسعى إلى تجاوز حدود الواقعية التسجيلية، متجهًا نحو رواية تنشغل بالإنسان أكثر من انشغالها بالحدث، وبالأسئلة أكثر من الإجابات. ومن خلال بطل يعيش قلقًا معرفيًا دائمًا، يطرح الكاتب رمضان جمعة رؤية ترى أن العالم لم يعد فضاءً لليقين، وإنما فضاءً لاحتمالات لا تنتهي. فتتمثل القيمة الأساسية للرواية، في حدود ما استندت إليه هذه القراءة، في قدرتها على الجمع بين نبض الحياة الشعبية والأسئلة الفلسفية، دون أن تضحي بأحدهما لحساب الآخر. فهي تكتب عن الشارع المصري، لكنها تفتح هذا الشارع على أسئلة الوجود، والحرية، والهوية؛ لتصبح تجربة إنسانية تتجاوز حدود المكان.







