الابنة الفريدة: أعباء الأمومة والشعور المستمر بالذنب.

سيد عبد الحميد

تدفعنا الكتب كغيرها من الأعمال الفنية لإعادة النظر في كل ما هو راسخ داخل وجداننا. كصرخة مفاجئة في وجه ما اعتبرناه حقيقيا لسنوات، نضطر لإعادة التفكير مرة أخرى والعودة إلى الماضي. تمتحن الأعمال الفنية الكبرى خبراتنا الحياتية ومشاعرنا المعقدة، تضعنا وجهًا لوجهٍ أمام أنفسنا. لا شيء أجمل من مناقضة القيم الزائفة والوقوف بقوة ضد التيار السريع الذي يبتلع أمامه حيوات الآخرين باسم العام والعادي والطبيعي!

في رواية “الابنة الفريدة” تشتبك الكاتبة المكسيكية “جوادالوبي نِتَّل” مع مفاهيم الأمومة واللا إنجابية، في ردة فعل عكسية تجاه كل ما يُعرف اجتماعيًا بالغريزي أو الفطري للمرأة. تحكي بطلة النص عن المعاناة التي تعيشها النساء تحت وطأة الضغط الاجتماعي للإنجاب. فبعد سنوات من ظهور الكتابات التي تفضح الشعور الباطني بالذنب تجاه الأمومة، والشعور بالثقل المستمر تجاه هذا الفعل تأتي كتابة جديدة تضع الرفض كردة فعل أولى طبيعية مدفوعة بالأسباب التي لا حصر لها في عالم بشع غارق في البطالة والفقر والعنف المقنع باسم العادات.

“لاورا” متعددة الأسفار والتي تدرس الأدب تعلن من افتتاحية النص مشاعرها المختلطة تجاه الأطفال، هذه الكائنات الصغيرة والهشة، بمزيجٍ يجمع بين الكراهية والشفقة والقرف تعبر عن رفضها التام لدورة الرعاية الظالمة للمرأة بداية من الحمل والرضاعة مرورًا بالعناية والحب غير المشروط إلى الأبد. هذا الدور الذي اعتبره المجتمع حكرًا على النساء وحدهن دون مشاركة فعالة من الرجال باستثناء عملية التلقيح والكفالة المادية التي تُخضع المرأة للرجل إلى الأبد هو ما يدفع بطلة العمل لتقسيم دائرة معارفها إلى مجموعتين متساويتين: إحداهما فكرت في التخلي عن الحرية والتضحية في سبيل الحفاظ على النوع البشري، والأخرى قررت تحمُّل العار الاجتماعي والعائلي بهدف الحفاظ على الاستقلالية.

تتميز الرواية بعرضها الجيد للتاريخ والجغرافيا. تستعين الكاتبة باقتباسات أدبية عديدة تعزز موقف بطلة النص، وتستعرض على طول الصفحات ملامح القسوة والعنف التي تبرز في الأحياء الفقيرة داخل المكسيك، والعنف الموجه خصيصًا تجاه النساء والأطفال الحلقات الأضعف جسديًا داخل كل مجتمع مقهور!

ثمة أشخاص يعتبرون المصيبة مرضًا معديًا، ويفضَّلون اعتزال من يواجهون معاناة مزمنة، حتى لو اعتزلوا آباءهم أو أصدقاءهم المقربين.

-جوادالوبي نِتَّل

تتبنى “لاورا” موقفا حازما تجاه كل ما يخص الأمومة. تُنظّر على طول الصفحات وتفرد أسبابها التي تعزز موقفها، تحكي عن معاناة النساء اللاتي يصمهن المجتمع نتيجة الطلاق أو نتيجة تخاذل رجالهن في حمل أعباء أطفالهن ليصبحن أمهات عازبات، وتشرح الثقل الناتج أحيانًا من عبء تحمل الأبناء لآبائهم/ن وأمهاتهم/ن الناتج عن ضعف الموارد المالية أو الظروف المرضية التي تضربهم/ن فجأة ليصبح هؤلاء الأطفال فجأة كهولا قبل الأوان!

يمتزج النص مع نصوص أخرى، ما بين الكابوسي والأمومي، ويتلاحم مع مأساة امرأة تضع نفسها في قلب معاناة صديقة لها تقرر فجأة فعل كل شيء لتصبح أما، متخلية عن كل أفكارها السابقة وكل مخاوفها عن الأمومة الناتجة عن أمور سلبية لا حصر لها عانت منها في طفولتها لتصبح فجأة نقيض “لاورا” المرأة التي فعلت كل شيء حتى لا تنجب طفلا!

“الحياة اليومية مليئة بالمصادفات والمصائب التي لا يكاد يلاحظها أحد.”

-جوادالوبي نِتَّل  

تتعرض الرواية أيضًا للجسد من ناحية الأنثروبولوجي، تاريخ طويل لهذا الوعاء الذي احتفظ الرجال به قويا وسليما وخاليا من كل الأضرار الناتجة عن الحمل والرضاعة وما يليها من متطلبات العناية بالأطفال، في مقارنة داخل النص يبرز جسد المرأة بعد الولادة: لكنها لم تستطع أن تحيد بنظرها عن تلك الندبة كلما طالعت نفسها عارية أمام المرآة، وبدا لونها البني الداكن مريعًا بالنسبة إليها، ولا سيما أن الجلد يتدلى فوق تلك الندبة، وكأنه حلوى كريم كراميل سيئة التماسك، كما أن سُرَّتها لم تستعِد شكلها الأصلي. في مقابل زوجها، الرجل: فظل محتفظًا بجسد مثالي كما كان دائمًا. لم تتمدد بشرته قط كبشرتها، ولذلك لم تترهل. وليصبح أبًا، يكفيه أن يقذف دفقة مَني بداخلها، وهو فعل يتسم بخفة مهينة، ومن السهولة بحيث يمكنه تكراره بقدر ما يريد، ومع عدد غير محدود من النساء.

الروائية “جوادالوبي نِتَّل” فازت بجائزة “يان ميخاليسكي” عن هذه الرواية التي ترجمها إلى العربية الكاتب والمترجم المصري “عبدالحليم جمال” كأول عمل للكاتبة يتم ترجمته للعربية والصادرة عن دار “لغة” المصرية. في حيثيات الفوز بالجائزة التي تم إطلاقها لأول مرة عام 2010 بحسب ما تداوله نشطاء ثقافيين على مواقع التواصل الاجتماعي تقول لجنة التحكيم أنها رواية تستكشف بذكاءٍ نافذ تجربة الأمومة خارج القوالب الاجتماعية المفروضة على أجساد النساء. كما وصلت الرواية للقائمة القصيرة لجائزة البوكر العالمية عام 2023.

تتميز هذه الرواية بكتاباتها من موضع قوى، موقع رفض حقيقي وحازم، من منطلق عقلاني يُعدد حيثيات هذا النفور من كل ما هو كلاشيهي ومُعلب فيما يخص أعباء الأمومة باستعراض مواقف يومية ومعاناة نساء أخريات.

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع