الأبنودى شاعر المطلق

عن  الأبنودي والذين لا يغيب لهم ظل

عبد السلام فاروق

حلت ذكرى ميلاد الخال عبد الرحمن الأبنودى، في الحادى عشر من أبريل عام 1938، وفيها يحضرنا السؤال الذى طالما شغل دارسى الأدب الشعبى ونقاد الشعر العربى على حد سواء كيف استطاع هذا الشاعر القادم من صعيد مصر، الحامل لكنته القروية كوشم على لسانه، أن يخترق حاجز المحلية الضيق ليصبح واحداً من أهم شعراء العربية فى النصف الثانى من القرن العشرين؟ وكيف تمكن من أن يكون عالمياً دون أن يتنازل عن محليته الصعيدية العتيدة؟

مازلنا ندرس فى جامعاتنا العربية ما  بيت ابن المعتز فى وصف الهلال: “انظر إليه كزورق من فضة / قد أثقلته حمولة من عنبر”، بوصفه المثال الأعلى للتشبيه البليغ. التشبيه هنا منطقى، محكم، أنيق. الزورق الفضى يقابل الهلال، والعنبر يقابل سواد الليل. لكننى، وأنا أتصفح دواوين الأبنودى، وجدتنى أبتسم مندهشاً أمام قوله:

“يا قمر يا رغيف بعيد

النهار ده الحد عيد

الغناى ليه مبسوطين

والفقير ليه مش سعيد”

من أين لهذا الفلاح الصعيدى بهذه الجرأة المبدعة؟ أن يشبه البدر برغيف الخبز الساخن؟ إنها الدهشة التى تحدثنا عنها الشعرية الحديثة، تلك التى يقول عنها المنظر الهولندى فان أنكلان: “تعساً لمن لم يجمع بين كلمتين لم يقترنا من قبل”. التشبيه هنا ليس مجرد زخرف بلاغى كما يقول الناقد الإنجليزى سى دى لويس، بل هو موقف شعورى وأيديولوجي أيضاً. حين تقرأ ابن المعتز لا تعرف إن كان سعيداً أم حزيناً وهو يرى الهلال. أما الأبنودى فتشعر بجوعه، بفقر أهله، بحلمه فى رغيف يسد رمق الجياع. الصورة عنده ليست ترفاً فنياً، بل سلاحاً فى معركة الوجود.

الموت على الرصيف

بعد نكسة  يونيو فى عام 1967، وفى عز انكسار الروح العربية ، أصدر الأبنودى ديوانه “الزحمة”. وفيه قصيدة لا تتجاوز صفحات قليلة لكنها تحمل ثقل الهزيمة كاملاً: “كباية شاى”.

يفتتح الأبنودى قصيدته بجملة تقريرية مملة عن عمد: “على كرسى ف قهوة ف شارع شبرا .. قعدت”. كأنه يريد أن يقول لنا إن كل شىء فى مصر صار عادياً، متكرراً، خانقاً. النكرات هنا مقصودة أى كرسى، أى قهوة، أى شارع. لكن الشاعر سرعان ما يقلب هذه العادية إلى مفارقة حية حين يقول: “كباية شاى القهوة غير كباية شاى البيت خالص”.

من منا لم يشعر بهذا الإحساس الغامض، الشاى هو نفسه، والسكر هو نفسه، والماء هو نفسه، لكن الطعم مختلف تماماً. لماذا؟ الأبنودى لا يفسر. إنه يلقى بالمفارقة فى وجوهنا وينتقل إلى ما هو أعمق تشريح الحياة اليومية فى مصر المهزومة.

ثم تبدأ سيمفونية الخالص. كلمة واحدة يكررها الشاعر فى نهاية كل سطر من مقاطع متتالية، محولاً إياها من مجرد ظرف عامى إلى قنبلة دلالية:

“مر عليا الراجل الأصلع خالص

والبنت إللى فإيدها طبق الفول الناقص خالص

والست اللابسة التوب الأسود خالص

مرت عربية جديدة وفيها ناس وشها ساكت خالص”

كل مشهد هنا هو صورة لحياة لا تشبه الحياة. رجل أصلع يمشى، لكن صلعه يذكره بدنو الأجل. بنت تحمل طبق فول، لكنه ناقص لن يسد جوع أسرتها. ست ترتدى الأسود، ليس زياً تقليدياً فحسب، بل حداداً مقيماً على زمن جميل. أسرة فى سيارة جديدة، لكن وجوههم صامتة حزينة. حتى الولد الذى يغازل حبيبته على الرصيف يبدو صوته “خايف خالص”. إنه الموت وهو يمشى على قدمين فى شوارع القاهرة.

وعندما يصل الأبنودى إلى ذروة القصيدة، يصور لنا مشهدين خاطفين لكنهما قاتلان فى دلالتهما:

“وقعت سنجة ترماى (خمسة)

طلع الولد المتشعبط ركبها

وركب من باب الترماى قدام الكمسارى

شافه ما كلمهوش خالص”

الترماى رقم خمسة. خمسة يونيو. سقطت سنجة الوطن. والكمسارى يسكت متواطئاً مع الولد الذى ساعده. صمت مهيب يلف المشهد كله. صمت الهزيمة.

ثم يأتى المشهد الأكثر كآبة:

“عدى الراجل إللى منزلشى من ع العجلة بقى له ست سنين

كان تعبان جدا

وموطى

ومش بيبدل خالص”

ست سنوات لم ينزل هذا الرجل من على دراجته. ست سنوات وهو منحني متعب لا يبدل. ست سنوات منذ النكسة والوطن كله لا يتحرك من مكانه، يدور فى حلقة مفرغة من التعب والعجز.

شعرية التكرار المدهش

ما فعله الأبنودى فى هذه القصيدة هو تطبيق عملى – ربما دون أن يدرى – لما قاله رولان بارت فى كتابه “لذة النص”: “الكلمة تستطيع أن تكون منتجة للدهشة الفنية بشرطين متعارضين: إذا جاءت على حين غرة بجدتها، أو إذا ما بولغ فى تكرارها”.

الأبنودى يكرر كلمة “خالص” عشرات المرات فى القصيدة، حتى تتحول من مجرد كلمة عادية إلى إيقاع مهيمن، إلى نشيد جنائزى للحياة التى توقفت. وعندما يصل إلى السطر الأخير يكررها ثلاث مرات متتالية: “واستغرب خالص خالص خالص!!!” مع ثلاث علامات تعجب، وكأنه يريد أن يقول لنا إن الدهشة الحقيقية ليست دهشة الجرسون الذى حصل على بقشيش كبير، بل دهشتنا نحن القراء ونحن نكتشف كيف تحولت حياتنا إلى هذا المسخ الباهت.

أيقونة إثنوجرافية بامتياز

ما يميز الأبنودى عن غيره من شعراء العامية هو ذلك الإصرار العجيب على البقاء صعيدياً حتى النخاع. فهو لم يحاول أبداً أن “يتمدن” أو أن يخفف من لكنته القروية كما فعل غيره. لكنه على العكس، ظل محتفظاً بلهجته كبطاقة هوية، يلقى بها قصائده كما لو كان يجلس فى حضرة جده فى قرية أبنود بقنا.

وفى أغنيته الخالدة “تحت السجر يا وهيبة” نراه يستدعى المخيال الشعبى المصرى بأكمله. البرتقال هنا ليس مجرد فاكهة، بل هو رمز اثنوجرافي للفردوس الأرضى الذى يحلم به الفلاح المصرى. وكما لاحظ الناقد الدكتور صلاح فضل بذكاء، فإن الأغنية تخترق التابوهات الاجتماعية عبر كناية مركبة تعود بنا إلى قصة آدم وحواء، لكن بصيغة مصرية خالصة. لا تفاح هنا كما فى الكتب المقدسة، بل برتقال. البرتقال الذى يعرفه الفلاح المصرى ويزرعه ويأكله.

هذه المحلية المتجذرة لم تمنع الأبنودى من أن يكون عالمياً فى شعريته. فالصورة عنده تحمل ذلك التوتر الدرامى الذى تحدث عنه النقد الحديث، والتكرار عنده يحقق تلك الدهشة التى طالب بها بارت، والتشبيه عنده يتجاوز الزخرف البلاغى ليصبح موقفاً وجودياً كما أراد سى دى لويس. الفرق الوحيد أن الأبنودى لم يقرأ هؤلاء النقاد الغربيين، ولم يحضر محاضراتهم فى السوربون أو هارفارد. موهبته الفطرية قادته إلى نفس النتائج التى وصلوا إليها عبر قرون من التنظير.

السيرة الهلالية.. جوهرة التاج

فى مرحلة متأخرة من حياته، قرر الأبنودى أن يترك الشعر مؤقتاً ليتفرغ لجمع السيرة الهلالية من أفواه الرواة الشعبيين. قضى سنوات طويلة يجوب قرى ونجوع مصر مسجلاً هذه الملحمة الشعبية العملاقة. كان هذا العمل بمثابة عودة إلى الجذور، إلى الأصل الذى نبت منه.

لكن اللافت أن هذه العودة لم تكن انقطاعاً عن الشعر، بل كانت تغذية عكسية له. فالأبنودى الذى بدأ بدواوين حوارية مثل “جوابات حراجى القط” و”بعد التحية والسلام”، سرعان ما انتقل إلى كتابة دواوين القصيدة الواحدة التى تشبه الملاحم مثل “الموت على الأسفلت” و”الاستعمار العربى”، قبل أن يختم حياته بديوان “المربعات” الذى يحاكى فى بنيته مربعات السيرة الهلالية ذاتها. كأن الدائرة قد اكتملت بدأ من السيرة وانتهى إليها.

شاعر الجماهير

كثيراً ما اتهم الأبنودى بأنه ترك الشعر من أجل الأغنية، وبأنه فضل الجماهيرية السهلة على العمق الفنى. والحقيقة أن هذه التهمة لا تصمد أمام التدقيق. فالأبنودى لم يكتب أغانى استهلاكية عابرة، إنما كتب قصائد غنائية تحمل نفس همومه الشعرية. “تحت السجر يا وهيبة” ليست أقل شعرية من “كباية شاى”، و”عدى النهار” ليست أقل عمقاً من “الموت على الأسفلت”. الفرق الوحيد أن الموسيقى جعلت هذه القصائد تصل إلى جمهور أوسع.

الأبنودى كان يدرك أن الشعر الحقيقى لا يخاف من الجماهير، ولا يتعالى عليها. كان يعرف أن الشعراء الكبار فى التاريخ العربى – من امرئ القيس إلى المتنبى – كانوا يكتبون للجماهير لا للنخبة المغلقة. وعندما غنى المطرب محمد رشدى كلماته، وعبد الحليم حافظ، وفايزة أحمد، لم يكن الأبنودى يخون الشعر، بل كان يعيده إلى وظيفته الأصلية: أن يكون صوت القبيلة، صوت الجماعة، صوت الشعب.

فى نهاية المطاف، يظل عبد الرحمن الأبنودى نموذجاً فريداً لمثقف عضوى حقيقى، بالمفهوم الجرامشى للكلمة. هو شاعر لم ينفصل عن جماعته الشعبية، ولم يستعل عليها، ولم يتنازل عن تعقيده الفنى من أجل الوصول إليها. لكنه حقق المعادلة الصعبة؛ أن يكون محلياً حتى العظم وعالمياً حتى النخاع فى آن واحد.

هو شاعر يشبه “برتقان بلدنا” قد لا يكون فاكهة الأغنياء، لكنه فاكهة الأرض الطيبة التى تنبت فى طمى النيل. قد لا يكون تفاحاً أوروبياً فاخراً، ولا تمراً خليجياً مترفاً، لكنه برتقال مصرى أصيل، يعرفه كل فلاح فى كل قرية، ويحمل فى عصيره شمس الجنوب وعرق الفلاحين ودماء الشهداء.

فى ذكرى ميلاده، لا نملك إلا أن نقول له كما قال هو عن أستاذه فؤاد حداد: “أنت الإمام الكبير وأصلنا الجامع”. أجل، هو الإمام الكبير. إمام شعراء العامية فى مصر والعالم العربى. ولن يضر اسمه أن يختلف معه البعض سياسياً أو شخصياً. فالشعر أبقى من السياسة، وأخلد من الخلافات الشخصية. وستبقى “كباية شاى” و”تحت السجر يا وهيبة” و”جوابات حراجى القط” خالدة ما بقى للشعر العربى قراء وللأغنية المصرية مستمعون.

رحم الله الخال عبد الرحمن الأبنودى. لقد كان- وما زال- الصوت الذى يذكرنا بأن الشعر الحقيقى لا يكتب فى الأبراج العاجية، بل يولد فى الحقول، وعلى أرصفة المقاهى الشعبية، وفى قلوب البسطاء الذين يحلمون برغيف ساخن، وقمر يشبه الرغيف، ووطن يشبه الحلم.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع