د.سيد ضيف الله
أشرف بانتمائي لأكاديمية الفنون بالمعهد العالي للنقد الفني منذ خمس سنوات، وخلال هذه السنوات كنت أتأمل عالمًا جديدًا شديد التميز فنيًا وعلميًا، وشديد الغموض والتعقيد إدرايًا بما لا يُقارن بالمؤسسات المناظرة في التعليم العالي ولا بمؤسسات وزارة الثقافة الأخرى.
تعلمت خلال السنوات الخمس مالم أتعلمه على مدار ثلاثين سنة مشاركًا في الأنشطة الثقافية والعلمية وأكاديميًا داخل مصر وخارجها، أعتقد أنني صرت مُحبًا لفكرة أكاديمية الفنون بالشكل الذي أسمح فيه لنفسي بالتعبير عن أمنياتي لها كواحد من أبنائها، فضلاً عن انتمائي الفكري لرموز كان لهم دور في تأسيس هذا الصرح الفني والثقافي أمثال د. حسين نصار، د.عز الدين إسماعيل، د. صلاح فضل، شاكر عبد الحميد، أحمد علي مرسي.
يؤسفني أن يكون اسم أكاديمية الفنون مطروحًا في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بالشكل الذي يشيطن المكان في ماضيه أو حاضره؛ والأجدى أن تكون الأكاديمية بما تقدمه وما كانت تقدمه من مواهب وأنشطة ورسائل علمية نموذجًا يستحق الإشادة والنقد البناء من مجتمع المثقفين والإعلاميين.
لذلك أتجاوز فكرة الانحياز لرأي أو فريق، وأطرح فكرة بديلة للانحيازات الضيقة لأسباب إجرائية أو إدارية. أطرح فكرة الحاجة لمؤتمر علمي يُدعى إليه خبراء من داخل الأكاديمية وخارجها لتدارس كيفية الانتقال بالأكاديمية للمستقبل على المستويات كافة إدراية وعلمية وثقافية وفنية.
إن تغيير رئيس أكاديمية لاشك له تأثيره، لكن الأكاديمية مؤسسة، والمؤسسات لها من القوة الذاتية التي تفوق قوة أي رئيس فرد مهما كان تميزه إداريًا وعلميًا، وكذلك أمام الأكاديمية تحديات تتعلق بجوهر فكرتها وأسباب وجودها وتصورات الدولة عن مستقبلها.
ثمة تحديات يجب أن تُطرح على مائدة البحث والدراسة العلمية منها؛ تضاؤل عدد الطلاب الراغبين في الالتحاق بعدد من معاهد الأكاديمية، وانحدار المستوى الأكاديمي لعدد كبير من رسائل الماجستير والدكتوراه في عدد من معاهد الأكاديمية، ضعف جذب الأكاديمية للدارسين العرب مقارنة بماضيها، تأثير الذكاء الاصطناعي على التدريس وإعداد الرسائل العلمية، الدخول المنخفضة للأساتذة والموظفين والعمال وسبل تنمية موارد الأكاديمية، سبل مواجهة توارث الوظائف في حال عدم توفر معيار الكفاءة ودور الثقافة المجتمعية في ذلك، ملامح خطة علمية منسجمة على مستوى معاهد الأكاديمية كافة تتحقق بها رسالة الأكاديمية وأهدافها في خدمة المجتمع المصري والدولة المصرية في ظل تحدياتها الراهنة.
إن أكاديمية الفنون تستحق التفكير في التخطيط لمؤتمر علمي موسّع لاستشراف مستقبلها، لذلك أدعو كل أبناء الأكاديمية لدعم الفكرة وطرحها على مجلس الأكاديمية ودعمها لعلنا نستثمر المشاكل ونحوّلها إلى فرص للتقدم والازدهار، وصناعة تاريخ جديد يليق بأكاديميتنا في المستقبل.
أتكلم عن الأكاديمية لأنني صرت منها وصارت مني، وحديثي نابع من محبة لطلابي وزملائي وأساتذتي. ولا يعني ذلك أن التحديات التي تعاني منها الأكاديمية استثناء، فهي تحديات حاضرة بنسب متفاوتة في جامعاتنا المصرية بل والعربية. فنحن في مأزق تاريخي يتعلق بالوجود والهوية من ناحية، ومأزق علمي يتعلق بتهديد الذكاء الاصطناعي لمهنة المدرس والباحث، فضلاً عن مأزق العلوم الإنسانية في العالم كله في ظل تغول مجالات التسوق والتكنولوجيا على مجالات الدراسة الجاذبة للدارسين.











