محرر الكتابة
تهدي الكاتبة المصرية زينب عفيفي روايتها الأخيرة “السماء لا تمطر حكايات” والصادرة أخيراً عن الدار المصرية اللبنانية إلى “الكتب الجيدة التي يتحدث فيها أبطالها معك قبل أن تغلقها”، وفي هذا الإهداء القصير ما يشبه البيان الكاشف لبنية الرواية بأكملها، والتي تقوم في جزء منها على العلاقة المتخيلة بين “حنان” بطلة النص، والكاتب السويسري الشهير “روبرت فالزر” وبطل روايته “اللص” الصادرة في العام 1925، وكتابه النثري “رماد وإبرة وقلم رصاص وعود ثقاب”، وكأنها تقول إن الكتب ـ أي كتب ـ تشبه البشر، بعضها يستحق الصحبة، وبعضها ليس أصيلاً، في زمن باتت فيه الأفكار سلعة تباع وتشترى، ولعل هذا يجعلنا نفهم تصدير الرواية بمقولة فرجينيا وولف التي تعتبر فيه “بعض المؤلفين كالمجرمين”.
وتؤكد زينب عفيفي، هذا المعنى ذاته في عنوان روايتها “السماء لا تمطر حكايات”، فثمة أزمة مضمرة هنا، فالسماء التي عليها أن تمطر إلهاماً وحكايات على المؤلفين تبدو هنا ممتنعة شحيحة، كأن النص يقر منذ عنوانه بوجود خلل جوهري في شروط إنتاج النص الإبداعي، الذي يستحق الصحبة كما نرى في الإهداء.
غير أن الأمر لا يتوقف عند العنوان والإهداء، فمنذ سطور الرواية الأولى تبني زينب عفيفي عالماً متخيلاً بالكامل ذي صلة، فالبطلة “حنان” التي لا يشغل بالها شيء غير القراءة والتأمل، تعيش وحيدة ـ إلا من صحبة أبطال الروايات الخياليين ـ في قرية ذات اسم دالِ وهو “حكايا”، إلا أنها غير محددة الزمان والمكان، تشبه في هيئتها قرى العصور الوسطى الأوروبية الخيالية، وتحديداً السويسرية منها في إحالة ضمنية ذكية إلى كاتب البطلة المفضل روبرت فالزر السويسري الجنسية، في هذه القرية بحيرة صغيرة تحيطها أشجار الصفصاف من الجانبين، وشوارع تصلح للمشي، ومقهى للمثقفين وآخر للإنترنت، ومكتبة وصالة سينما و”ميدان فكرة” و”محكمة أدبية”، ومليئة “بشخصيات مثيرة للكتابة”، وعلى أرصفتها “تقف النساء يحملن فوق الأكتاف قصصاً أثقل من البضائع التي يبعنها”. هذه الجغرافيا المخترعة بالكامل هي المنطلق الفلسفي للرواية، إذ تمنح عفيفي حرية الحركة بين الرمزي والواقعي دون الوقوع في فخ التقريرية. ذلك أن بطلتها صنعت لنفسها عالماً موازياً بديلاً من العالم الذي جرحها وكان سبباً في أزمتها، وكأن “حكايا” هي الرواية التي اخترعتها حنان لنفسها حين ضاع حلمها الأول بأن تكون روائية بسبب الفساد الثقافي.
تكسر الكاتبة ملائكية هذا العالم المتخيل، منذ الصفحات الأولى بصدمة تلقتها “حنان” بعد تخرجها في كلية الإعلام، وذهابها بروايتها الأولى إلى كاتب كبير تطلب رأيه إذا كانت تستحق النشر، فيعود بعد أسبوعين لينشرها باسمه في الصحيفة التي يرأس تحريرها، وحين تعبر البطلة عن صدمتها يخبرها أن هذا ما يحدث مع شباب المبدعين لتعليمهم كيف تكتب الرواية بعد إضافة بعض التعديلات البسيطة عليها، ثم يسألها مستغرباً صدمتها “إنه أمر طبيعي، ولا أفهم ما الذي ضايقك من نشرها باسمي”، تؤدي هذه الحادثة إلى ابتعاد حنان عن الكتابة وتلوذ بعالمها الخيالي وقريتها الخيالية.
تحوّل المؤلفة هذا الجرح إلى منطلق فكري بدلاً من أن يكون نهاية سردية، تطرح من خلاله عشرات الأسئلة المتعلقة بالكتابة والإلهام والسرقة والاقتباس، وذلك من خلال الاستعانة ببطل قصة “اللص” لروبرت فالزر، والتي تحكي عن روائي أفلس فكرياً فاستأجر لصاً يسرق له الأفكار المبتكرة من عقول الموهوبين. ومن هنا تستلهم حنان مشروعها الاقتصادي، وهو عبارة عن مؤسسة لبيع الأفكار المسروقة من عقول شباب القرية لأصحاب العقول المفلسة من الكتاب والروائيين الذين نضبت أفكارهم، وما يبدو هنا كمفارقة مضحكة ينطوي على قلب أخلاقي عميق، فالبطلة التي كانت ضحية السرقة تعيد تقديمها بشكل عصري يأخذ شكلاً مؤسساتياً، كأنها تقول إن هذه الآليات جزء بنيوي من هذا الوسط ولا بأس من الاعتراف بها وتنظيمها.
الجدير بالملاحظة هنا أن عفيفي تكتب هنا نصاً موازياً لقصة فالزر وليس اقتباساً منها، كأنها تقدم ـ بشكل عملي ـ الفرق بين التناص والاقتباس، وكأنها تعيد تعريف مفاهيم الأصالة والملكية والإفلاس الذهني في سياق ثقافي راهن. بل إن الرواية تستدعي فالزر كشخصية متخيلة تحاورها البطلة، في تأكيد على ما ذكرته في إهداء الرواية.
من داخل مؤسسة “بيع الأفكار”، ومن خلال محاورات حنان وفالزر، تقدم الرواية تمييزات دقيقة بين التناص الواعي وتوارد الأفكار والإفلاس الفكري الصريح، ثم بين “الكاتب الشبح” الذي يكتب للآخرين سِيَرهم وفق عقد ضمني، وبين من يسرق النص ويعيد نشره كما لو كان ثمرة جهده، فتقول إن “لصوص الأفكار دوما هم الأكثر ذكاء في اقتناص الأفكار وترويضها لصالحهم دون ارتكاب جرائم فكرية معلنة، تحت ستار التناص وتوارد الأفكار، وفلسفة الأفكار متروكة على الملأ وكلها مبررات للسارقين والسارقات لرفع تهمة السرقة عنهم، ولا أحد يعترف بإفلاسه الفكري”، وفي المقابل تستحضر الرواية نجيب محفوظ الذي ظل يكتب الأحلام حتى آخر حياته دليلاً على أن الإفلاس الفكري ليس حتمية مرتبطة بالعمر، وإنما هو في الغالب نتاج كسل ذهني وبلادة فكرية يوظفها أصحابها لتبرير استيلائهم على جهد الآخرين.
تطرح عفيفي إذن فكرة التسليع الثقافي من زاوية غير مألوفة، فتجعلها تنبثق من جرح شخصي مباشر، فالكاتب الكبير برر جريمته بحجة “التعليم”، لكنه في الحقيقة حول الفكرة الإبداعية من تجربة إنسانية خاصة إلى سلعة يمتلكها من يملك السلطة والمنبر، غير أن ما تكشفه الرواية أيضاً أن هذا التسليع يمتد من السرقة الصريحة، إلى الكسل الذهني الذي يدفع بعض الكتاب إلى شراء الأفكار أو الاستعانة بالذكاء الاصطناعي طلباً للمنتج الجاهز بلا جهد، وفي المقابل تقيم الرواية حداً فاصلاً بين هذا التسليع وبين التناص الواعي الذي هو في جوهره حوار بين النصوص كما تقدمه الروائية، وكأنها تقول إن الأزمة هي انعدام الضمير الثقافي.
يحسب للرواية جرأتها في تقديم الذكاء الاصطناعي بوصفه عنصراً أساسياً في حالة “الإفلاس الفكري”، لا سيما وأننا رأينا خلال العام الماضي آلاف المقالات المكتوبة بالذكاء الاصطناعي، والعديد من الروايات المعتمِدة ـ بل وبعضها مكتوب بالكامل ـ بالذكاء الاصطناعي، ما يطرح أسئلة مهمة حول أخلاقيات الكتابة، وتقدم عفيفي الذكاء الاصطناعي في روايتها بوصفه شخصية لها حضور ووظيفة داخل العالم السردي. فحنان لا تكتفي بمحاورة ChatGPT بل تستقبل صديقة تعمل “خوارزمية” في أحد برامج الذكاء الاصطناعي، اسمها في العالم الواقعي “نشوة” وفي الواقع الافتراضي “خوارزمية الروايات”، وتقدم المؤلفة موقفاً مركباً من الذكاء الاصطناعي، فهي تستخدمه لكنها لا تعتمد عليه، بل إنها تقدم حوارها مع الذكاء الاصطناعي والأفكار التي يقدمها لها في ثوان نصاً في سياق الرواية، لكنها تقول إن إجاباته “تفتقد روح النص”، حتى لو قدم فكرة طريفة، “لن تؤثر في روحي أكثر من الزمن نفسه الذي زفره الذكاء الاصطناعي في وجهي، لم ألمس أي شغف أو متعة بين سطور الحكاية وكأنه التقط صورة فوتوغرافية صامتة في سطور منمقة بلا أي إحساس”، ومن هنا نفهم لماذا تعتبر البطلة أن السرقة الأدبية هي سرقة الروح، ولماذا تبدو محتارة في أن تسمي روايتها “سارق الأفكار”، أم “لصوص الأرواح”، لأن الأمر يتعلق بـ”الروح” التي تمنح النص الحياة للبقاء والخلود.
وهذا الحكم الدقيق هو جوهر الموقف الفكري للرواية من إشكالية الإبداع الرقمي، فالذكاء الاصطناعي ينتج شكلاً بلا روح، ومن ثم تعود قيمة الكاتب البشري إلى المركز بوصفه صاحب تجربة وشغف وفكر مستقل. وتشير الرواية في الوقت ذاته إلى أن انتشار التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي “جعل أبواب السرقة والأسوار كلها مفتوحة ومُشجِّعة على السرقات الأدبية في ظل غياب أي تحرك ملزم لحل المشكلة”، مما يجعل هذه الظاهرة في نظر الرواية آفة ثقافية لا حادثة فردية.
تنتقل الرواية في طبقة موازية إلى تشريح الوسط الثقافي والاتهامات المتداولة حول سرقة بعض الأعمال، فتشير بالاسم إلى أعمال وكتاب بعينهم، مثل عبد الرحمن منيف وأحلام مستغانمي ويوسف زيدان ويوسف إدريس ودان براون ومارجريت ميتشل، مما يحول القرية الخيالية إلى مرآة للواقع بالغة الصراحة، ترصد داخلها أمراض الواقع الثقافي مثل الشللية وعلاقات القوة والمحسوبية وترندات مواقع التواصل الاجتماعي بما تنتجه من صخب يخفي فراغاً نقدياً ويظهر تسليعاً واضحاً للأعمال الأدبية. والمفارقة هنا أن الكاتبة، التي خبرت هذا الوسط كصحافية ثقافية لسنوات وحازت جائزة أفضل صفحة ثقافية في الصحافة المصرية، تختار الفانتازيا وليس التقرير لتعرية أمراض هذا الوسط، وكأن الخيال الأدبي يمنحها ما لا تستطيع الصحافة المحكومة بحسابات رؤساء تحريرها الضيقة، كما يمنحها حرية الحركة والحماية الجمالية في آنٍ واحد، وفي هذا الاختيار إيمان بقدرة السرد الخيالي على بلوغ حقائق لا يصلها الوصف المباشر الذي يظل محكوماً بحسابات من يملك حق النشر.
تشتغل الرواية في مستوى أخير، يتجاوز السرد إلى ما ورائه، إذ تفكر عفيفي بشكل واضح في إشكاليات الكتابة المتعددة بصوت عال أمام القارئ، وتضع أمامه مخاوفها على مستقبل الإبداع في ظل تغول الذكاء الاصطناعي، وتشركه في هواجسها حول قضايا الأصالة والهوية وآليات الإبداع وحقوق الملكية الفكرية، وكأنها تقدم ورشة أدبية عن الكتابة وهمومها تغني الكثيرين عن ورش الكتابة المدفوعة الثمن، فتطرح من داخل السرد أسئلة جوهرية، مثل كيف يتغلب الكاتب على الإحباطات التي تعترضه في بداية حياته؟ وكيف يميز بين التأثر المشروع والسرقة الصريحة؟ وأين تنتهي الأصالة وتبدأ إعادة تدوير ما هو مكتوب بالفعل؟ وهذه الطبيعة الميتاسردية تضيف إلى النص الحكائي بعداً توثيقياً، فكأننا أمام وثيقة شخصية عن تجربة الكتابة ذاتها بمخاوفها وإخفاقاتها وأسئلتها التي لا تنتهي، مستمدة من خبرة كاتبة تمتلك في رصيدها ثمانية عشر كتاباً.
“السماء لا تمطر حكايات”، رغم أنها رواية ذات بنية فانتازية، إلا أنها وثيقة نقدية للوسط الثقافي، وتأمل ميتاسردي في فعل الكتابة، وسؤال أخلاقي مفتوح حول مفهوم الإبداع في زمن الذكاء الاصطناعي والتسليع الثقافي.











