شهاب بديوي
هناك سؤال دائماً ما نُدفع للإجابة عنه سواء في الورش أو الغرفة الخاصة بين الصانع ونفسه. وهو سؤال مؤسس الإجابة عنه لازمة حتى تستبين الرؤية أمام صانع الأفلام، ويعرف طريقه إلى أين؟ وما مقصوده؟ والمبتغى وراء هذا السعي.
ودائمًا هناك قيم وأفكار يؤمن بها الصانع/الفنان تكون هي المحرك خاصة من يهتمون بصناعة الأفلام المستقلة، وليس مقصودنا بهذا الوصف نوع سينما معين، ولكن طريقة الإنتاج هي مقصود كلامنا هنا. لأن هذا المسار من يسلكه يدفع المقابل باهظًا من سنوات عمره. فكل عمل يستغرق على الأقل ثلاث أو أربع سنوات.
خلال هذه السنوات الطوال تتغير مجاريات الأحداث، والواقع ويتغير الصانع نفسه، ولذلك إن لم يكن مؤمنًا بشيئًا أكبر يدفعه وراء صناعة هذا الفيلم سيكون صيدًا سهلاً لصخرة الإحباط واليأس.
ولكن ماذا لو فشلنا؟
سؤال منطقي، وفرضية مطروحة أمام الصانع بعد كل سنوات الجهد هذه. ماذا لو فشل العمل؟ ماذا لو لم يعجب الجمهور؟ ماذا إن لم يحصد العوائد المادية والمعنوية المتوقعة؟
طبيعي أن يشغل هذا السؤال بما يحمله من خوف وقلق دائم الصانع أثناء عمله على مشروع فيلمه أيًا كان هذا المشروع. فخوف أن يضيع مجهودنا هباءً، وأن لا يفهمنا الآخرون، والشك في قدرتنا على تحقيق اهدافنا، والشك في مقدرتنا على الوصول هي سنة العمل في الفن. فالفن الحق لا يعطي لصاحبه مساحة اليقين المطلق.
ولذلك من الطبيعي أن يكون هناك سيناريوهات مرسومة مسبقًا للفشل والسقوط. ومن النباهة أن يتهيأ الصانع على التعامل مع هذه المشاعر لأن حياة الفنان مليئة بمحطات الفشل والإحباط.
المشكلة تنبثق، بل وتتفاقم عندما يعجز الفنان/الصانع عن التعامل مع محطات الفشل والسقوط هذه. هنا تظهر المعضلة معضلة أن تصنع عقلية يقينية الفن فيظهر ذلك أولًا في المحتوى الفني نفسه، ثم تظهر بوادره على الصانع/الفنان نفسه عندما ينكسر اليقين الواهم أمام عينيه فيرفض التعامل معه أو تقبله فيسقط في معضلة الإنكار التي يتبعها مراحل أخرى مختلفة مثل الهروب أو الاستسلام لعقلية المؤامرة، ويستغرق الصانع وقته في التبرير عاجزًا عن تخطي هذه المحطة والسير نحو تاليها.
هذه المقدمة الطويلة هي محاولة لتشخيص الحالة التي سقط فيها صانع الأفلام والمخرج محمود يحيى صاحب الفيلم الروائي “اختيار مريم”، والذي عرفه مستخدمي منصات التواصل عبر المواقع الإخبارية التي وثقت لنا اعتصامه أمام سينما زاوية احتجاجًا على عدم إتاحة فرصة عرض لفيلم اختيار مريم.
ولكن، ما علاقة الفيلم والمخرج بسينما زاوية؟
في الواقع لا توجد، بحسب ما ظهر من تفاصيل الأزمة، علاقة مباشرة بين الفيلم والسينما تجعل الأخيرة ملزمة بعرضه، وإنما يرى المخرج أن زاوية واحدة من أهم المساحات التي تهتم بعرض السينما المستقلة، وأنها نافذته إلى الجمهور. لذلك اتجه إليها باعتبارها المساحة التي يمكن أن يجد فيها فيلمه طريقه إلى المشاهد.
فهم المشكلة..
ليس من الإنصاف أن لا نتعاطف مع يحيى، والموقف الذي يمر به، والأزمة التي وضعته الأيام فيها، ولكن ليس من الإنصاف كذلك أن نترك العاطفة هي التي تقودنا ونطلق الأحكام على خصومه. فمثلًا وقوف الرجل واعتصامه أمام سينما زاوية ليس صحيحًا لأن في الأخير هذا المكان هو مكان خاص، ومن حق مالكيه التصرف فيه كما يحلو لهم. ومن حقهم عرض الأفلام التي يريدون عرضها، ورفض الأفلام التي لا يريدون عرضها. بهذه البساطة فمن حكم في ماله ما ظلم.
ثانيًا- حكي يحيى عن شركة التوزيع التي تتقاعس عن دورها في توزيع الفيلم على دور العرض وتقديمه للجمهور، وله الحق في ذلك، وله أن يقدم شكوى في هذه الشركة. ولكن أن يتوقف عن الطعام، ويُعلن إضرابه عن الطعام حتى يتم عرض فيلمه! فهذا أمر عجيب، وغير مفهوم.
عدم عرض فيلم اختيار مريم هو مشكلة وأزمة لا ننكرها، ولكن المشكلة الأكبر هي طريقة تعامل يحيى مع هذه الأزمة. كيف يتعامل معها؟ وكيف يحاول تخطيها. هنا الأزمة التي نريد الحديث عنها.
هناك تطرف واضح في تصرفاته سواء فيما فعله بداية مع سينما زاوية، أو بعد ذلك بإضرابه عن الطعام، أو بالطريقة الهجومية التي يرد بها على كل من يحاول نصحه أو التحاور معه.
يطلق يحيى على المختلفين معه “أبناء عاملين”، ويكتب منشورات يحكي فيها عن الشللية وعن المؤامرة ضده لأنه من الموهوبين.
هذا لا ينفي أن الرجل تعرض للإهانة والاعتداء من جانب العاملين في سينما زاوية، والتي سريعا ما قدمت اعتذار رسمي له سرًا وعلناً. وقبل هو بدوره هذا الاعتذار.
هل هي مؤامرة؟
الفيلم عُرض بالفعل في بعض المهرجانات، وكثيراً ما تتوقف مساحة عرض الأفلام المستقلة عند المهرجانات دون توفرها للجمهور في السينمات. ولكن هل هناك مشكلة حقيقية تمنع العرض أم إنها مؤامرة؟
عند قراءة الموقف، ومحاولة تفكيكه سنجد أن هناك أسباب لعدم عرض الفيلم أولها مشكلة بين شركة التوزيع وشركة الإنتاج حيث قام المخرج منفردًا بالتوقيع والتعاقد مع شركة التوزيع mad solution دون الرجوع إلى شركة الإنتاج. ولذلك تمتلك شركة التوزيع الآن الحق في توزيعه، ولها الحق في طرحه وقتما شاءت.
وهذا التأخير يمكن تبريره، وليس هذا دفاعًا عن شركة التوزيع، التي أتمنى أن تقوم بتوزيع الفيلم ومرعاة الحالة التي يمر بها المخرج، ولكن هناك اقتصاديات لشباك التذاكر، وقد يكون هناك خطة لتوزيع الفيلم على المنصات بدلاً من توزيعه في السينمات نظرًا لنوع الفيلم، والكاست.
السبب الثاني- بالنظر إلى بوستر الفيلم وقائمة العاملين فيه، ومع كامل الاحترام لكل الفريق، لكن الفيلم خالي من نجوم الشباك والأسماء المحمسة لجذب الجماهير إلى السينمات. وفي اعتقادي أنه ولو تم توزيع الفيلم لن يلاقي اهتمام لعدم وجود أسماء صف اول في الكاست. مع الوضع في الاعتبار أن الضجة التي أحدثها صانع الفيلم قد تساهم قليلًا في تحقيق بعض الاهتمام، ولكن لن يقطع شخص تذاكر لمشاهدة فيلم خالي من نجوم الصف الأول، وكذلك لا يعرف صناعه، لأنها تجربتهم الأولى.
وهناك تجارب كثيرة يمكن النظر لها لإدراك مدى تأثير عدم وجود نجوم صف اول في فيلم سينما. ففي النهاية هذه الأفلام لا تستمر أكثر من أسبوع ويتم رفعها لعدم تحقيقها لرقم معقول من التذاكر المباعة.
السبب الثالث- في مقالنا (إعادة تدوير الأفلام.. لماذا نشاهد الأفلام نفسها..؟) ذكر الناقد والمبرمج والمدير الفني لمهرجان القاهرة، محمد طارق أن هناك كثير من الأفلام تكون ذات جودة فنية عالية لكنها على المستوى التقني تعاني من مشاكل تمنعها من القبول والعرض في المهرجانات.
والفيلم- اختيار مريم- يعاني بالفعل من مشاكل تقنية كما صرح بذلك الناقد عصام زكريا في مقاله عن الفيلم: ” لما “يعانيه الفيلم من بعض المشكلات التقنية الناتجة عن ضعف الإنتاج في الصوت، وتصحيح الألوان والمونتاج الذي يحتاج إلى بعض المعالجة، وهي عيوب بسيطة مقارنة بمستوى الفيلم فنيًا..”.
الرفض والتعامل مع الرفض:
لا يتناول كاتب هذه السطور الموضوع بالنظر لشخص صاحب الفيلم، ولكن الغرض من الكتابة فهم وقراءة وتحليل الموقف كدراسة حالة، وتشخيص لنمط عقلية بعينها وليس شخصا بعينه.
وهي في رأي كاتب السطور المشكلة الأساسية حيث يمكننا استنباط ذلك اعتمادًا على تصريحات صاحب الفيلم المنشورة على فيس بوك، كذلك تصرفاته التي خرجت عنه كالاعتصام والإضراب عن الطعام.
يصرح المخرج أن الوسط الفني كله متأمر ضده لأنه موهوب والشللية لا تحب الموهوب والمثقف، كذلك لأن الوسط الفني لم يتكاتف معه رغم تكاتفهم مع منع فيلم سفاح التجمع، والفارق عظيم لأن المنع هنا من شركة التوزيع التي تملك الحق في التوزيع، والمنع هناك من الرقابة!
وفي منشور آخر قال: “..الوسط الفني مش هيدعمك عشان اتحديتهم وذكرت آلهتهم بسوء وشايفينك إسلامي عشان بتلبس جلابية بيضا وبتقول السلام عليكم.. والشعب العادي والجمهور اللي انت طالع تتحامى فيه مش هيحميك عشان شايفك فنان كافر وعرضك مباح وشغلك وفلوسك حرام. فأنا سلمت أمري لله هو اللي عارف وشايف وشاهد ينجيني من المجتمع اللي نسي الأصول وفقد صوابه وبوصلته الأخلاقية.”
يحول يحيى معركته من أزمة بينه وبين شركة التوزيع، التي وقع لها، دون الرجوع لشركة الإنتاج كما صرحت شركة الإنتاج نفسها بذلك، يحول هو هذا الصراع إلى صراع أوسع ليضم بين أطرافه الوسط الفني بجملته لأنه لم يسانده، ومن ثم ينقلب على المجتمع المصري بعامة، وفي مطلع كلامه في منشور آخر يقول: “.. للأسف المتغطي بالمصريين عريان، ومش غريب ان المستعمر والنخب بيشوفونا كأصفار سياسية ملناش تأثير.. شعب معظمه عايش في مجاهل التاريخ السحيقة..”.
يصيب كلامه تعميم وخلط غير مبرر، وكذلك يستند إلى نظرية المؤامرة في تفسير كل كبيرة وصغيرة تحدث معه. ولذلك نقول أن المشكلة مشكلة عقلية متزمته ترفض التعامل مع الرفض، ولا تحسن التعامل مع المشكلة بالشكل المناسب.
شهادات الزملاء..
هل ما نقدمه من قراءة واستنباط عن شخصية المخرج، والأوصاف التي أطلقناها عليه هي صحيح بنت الاستقراء، لكن لحسن الحظ لها ما يعضدها من شاهدات قادمة من عناصر داخل فريق عمل الفيلم، وهنا يقدم لنا شادي عبدالرحمن شهادته قائلًا: “أنا حاولت كتير ما أتكلمش في الموضوع ده عشان المشكلة ماتكبرش .. بس هي شهادة أعتقد لازم تتقال
مبدأيا كده الفيلم أصلا فيه جزء متصور في سينما زاوية وفي شكر خاص ليهم في الفيلم
السنة اللي فاتت أنا تواصلت مع مدير سينما زاوية بخصوص عرض فيلم إختيار مريم .. طبعاً ده بشكل ودي نظراً علاقتي الطيبة بالقائمين على السينما والعاملين فيها ولأني ممثل في الفيلم.
مدير السينما وضح لي إن القرار لو بإيده هايعرض الفيلم لكن لأن الفيلم فيه شركة إشترت حقوق عرضه ومسئولة عن التوزيع فالإجراء المتبع هنا هو أن الشركة تتواصل معاهم بخصوص عرض الفيلم.
ولما بلغت محمود يحيى بالكلام ده .. رفضه وقال لي أنا هاتثورج وأعتصم لهم قدام سينما زاوية وطبعا رفضت الكلام ده وقولت له الأمور مابتمشيش كده ولازم طريقتك تكون كويسة مع الناس عشان يساعدوك.
فاللي حصل قدام سينما زاوية ده مقصود وللأسف أحد العاملين في السينما إتصرف بأسوأ شكل ممكن وخلق فرصة للمخرج إنه يعمل كل اللي عمله ده!! .. وطبعاً أنا رافض تماما للمنظر اللي حصل قدام السينما سواء من المخرج أو من العامل اللي تعدى عليه.
الأستاذ محمود يحيى عنده مشكله كبيرة في تقبل الرفض وتقبل الرأي الآخر أو أي رأي مختلف عنه في الحياه عموماً وعنده إحساس غريب بالإستحقاق وبيتعامل بتعالي وأي حد يختلف معاه بيبدأ يشتغل على إنه يسوء سمعته!! .. ومابيقبلش حتى أن حد ياخد موقف محايد تجاه أي مشكلة يعملها يا تبقى معاه تماما يا يقاطعك!!
وعمل مشاكل مع معظم الممثلين و٣ كرو تصوير مختلفين إتخانق معاهم كلهم وبعض من اللي إشتغلوا في كرو الإخراج.
الفيلم ده طلع بمساعده كبيرة من كل الممثلين اللي إشتغلوا بأجر رمزي أو بدون أجر..”.
وليست هذه الشهادة الوحيدة التي جاءت من قبل العاملين في الفيلم تتحدث عن سوء معاملة محمود مع فريق عمله، ولكن نكتفي بها لطول المقال.
لكن، هل هذا يمنع أن هناك شركات إنتاج تحتكر السوق؟
لا، ومن يقول عكس ذلك فهو أعمى لا يُبصر الواقع، أو هو متورط معه. لكن نحن مجددًا كلامنا دائر حول ردة الفعل والعقلية والتعامل مع الرفض. وليس نقاشنا دائر حول تبرئة شركات التوزيع والإنتاج والاحتكار الحادث.
ما الحل؟
المشكلة بدأت عندما وقع المخرج عقد توزيع مع شركة mad solution، وتقاعست شركة التوزيع عن دورها سواء كان ذلك راجعاً إلى خطة أو تباطؤ في التوزيع. من ثم بعد ذلك صرحت شركة الإنتاج أن المخرج وقع العقد باسمه هو فقط دون الرجوع إلى شركة الإنتاج. وعند الرجوع إلى شركة الإنتاج والتصريحات وقراءة الموقف سنجد أن المخرج هو نفسه المنتج، وهو ما صرح به هو عبر صفحته الشخصية على فيسبوك، حيث قال أنه صرف كل ما يملك في سبيل إنتاج الفيلم. وهذا يعني أن شركة الإنتاج تابعه للمخرج، والمخرج مسئول عنها، وبالتالي مسئول عن العقد الذي وقعه مع شركة التوزيع.
هنا نبقى أمام تساؤل.. هل المخرج بما يفعله يبحث عن حقه في إتاحة الفيلم للجمهور العام، أم يبحث عن العائد المادي ليغطي ما ضحى به في سبيل إنتاج فيلمه؟
لأنه إذا كان باحثًا من وراء هذا الاعتصام والإضراب عن إتاحة الفيلم فكان المتوقع أن نرى نسخة من الفيلم مسربة على الإنترنت. وهو ما يحدث من بعض الصناع بالفعل، وحدث مؤخرًا مع فيلم يعرف صانعه أنه لن يجد فرصة في العرض داخل مصر، وكان الفيلم قد شارك في العديد من المهرجانات العالمية منها كان.
أما إذا كان الدافع من وراء هذه التصرفات الحصول على المقابل المادي لتعويض ماله الذي صرفه في الإنتاج فهو أمر آخر لن الفيلم كما سبق ووضحنا لا يتوقع له تحقيق عائد مادي في صالات السينما نظرًا لعدة عوامل.
بالإضافة إلى ذلك فهل يبرر هذا موقفه من الاعتصام والإضراب الذي قد يؤدي إلى موته!
بالإضافة إلى البلبلة التي أحدثها المخرج التي من المتوقع أن تجعل الشركات تتوجس من التعامل معه في المستقبل.
في الأخير نتمنى أن نشاهد الفيلم، وأن يُتاح لعرض عرض في سينما زاوية، ولو أنّ المسألة في يد شركة التوزيع الآن، أو يتم إتاحته على منصة من المنصات. وفي كل الأحوال أتمنى أن يراجع محمود يحيى نفسه، فهل يعقل أن يسلك نفس التصرف في كل مرة يحدث له موقف مشابه، أو يتعرض لرفض! أو أنه لن يستطيع الاستمرار في هذا المجال.

















