جيمس جويس
ترجمة: ممدوح رزق
انكمشت عند النافذة، تتلصص على المساء بينما يدهس الشارع تدريجيًا. رأسها متكئ على الستائر، ورائحة قماش الكريتون[1] المغبر تحرق أنفها وتثقل جسدها المتعب.
مر قليل من الناس. الرجل الذي يسكن البيت الأخير يتوجّه إليه؛ تتابعت خطواته في سمعها وهي تدق أرضية الرصيف الإسمنتي، ثم تتناثر على الطريق الترابي أمام البيوت الحمراء الجديدة. في الماضي، مكان تلك البيوت، كان ثمة حقل اعتادت اللعب فيه كل مساء مع أطفال الجيران، ثم جاء رجل من بلفاست واشتراه، وأقام على أرضه بيوتًا مغايرة لبيوتهم الصغيرة الباهتة. بيوت من الطوب اللامع ذات أسقف براقة. اعتاد أطفال عائلات الشارع اللعب معًا في ذلك الحقل: ديفان، واتر، دان، كيو الصغير المُقعَد، هي وأخوها هاري. لكن إرنست لم يشاركهم اللعب أبدًا. كان كبيرًا للغاية، أما والدها فغالبًا ما كان يطردهم من الحقل بعصاه السوداء حين لا يرصده كيو الصغير الذي تعوّد مراقبته والنداء عليهم محذرًا كلما أبصر اقترابه. مع ذلك كانوا يبدون سعداءً بشكل ما في تلك الأيام. لم يكن والدها سيئًا جدًا حينها، والأهم أن والدتها كانت على قيد الحياة. زمن بعيد، والآن أصبحت هي وأخوها كبيرين، وماتت والدتها. تزي دان توفيت أيضًا، وعادت عائلة واتر إلى انجلترا. كل شيء تبدّل.
بعد قليل سوف تغادر أيضًا، مثل الآخرين. ستترك منزلها. المنزل! تطوحت نظرتها داخل الغرفة. تحدق إلى جميع الأشياء المألوفة التي كانت تنظفها مرة كل أسبوع لسنوات عديدة بينما تتعثر في دهشتها: من أين يأتي كل هذا الغبار! ربما لن ترى مرة أخرى هذه الأشياء التي لم تتخيّل يومًا أن تفارقها. رغم أنها طوال تلك السنوات لم تعرف قط اسم الكاهن الذي تعتلي صورته المصفِرّة الجدار فوق الهارمونيوم[2] المكسورة بجوار صورة ملوّنة للوعود التي قُطعت للقديسة مارغريت ألاكوك[3]. كان ذلك الكاهن زميلًا لوالدها في المدرسة، وكلما عرض صورته على أحد الزوار بصم عليها بالكلمات التي لا تتغيّر: “إنه في ملبورون الآن”.
قبلت الرحيل. وافقت أن تغادر منزلها. هل كان ذلك حكيمًا؟ حاولت أن تتدبر كل جانب من الأمر. في هذا المنزل، على أي حال، يوجد المأوى والطعام. يحاوطها أولئك الذين عرفتهم طوال حياتها. كان يتحتم عليها أن تعمل بجدٍ، في البيت أو في العمل. ماذا سيقولون عنها في المتجر حين يعلمون أنها هربت مع رجل؟ ربما سيعتبرونها حمقاءً ثم يملأون مكانها بإعلان. سوف تصبح الآنسة غافان سعيدة بذلك، وسيكون للضغينة التي تحملها تجاهها حرية كاملة في مضغ سيرتها عبر كل أذن تحب الاستماع.
“آنسة هيل، ألا ترين أن هؤلاء السيدات ينتظرن؟”
“كوني نشطة، آنسة هيل، من فضلك”.
لن تبكي كثيرًا حين تغادر المتجر.
في منزلها الجديد، حيث البلد البعيد المجهول، لن يكون الأمر كذلك. ستكون زوجة اسمها إيفلين، بعكس أمها، تُعامل باحترام. حتى الآن، بالرغم من تجاوزها التاسعة عشرة، تشعر أحيانًا بالتهديد من عنف والدها. تعلم أن ذلك سبب خفقان قلبها. لم يكن يقسو عليها كما فعل مع هاري وإرنست في عمرهما المبكر، لأنها فتاة. لكنه منذ فترة بدأ يروّعها بما كان يمكن أن يفعله بها لولا والدتها الميتة. الآن لم يعد لديها أحد يحميها. إرنست توفى، وهاري الذي يعمل في تزيين الكنائس، غالبًا ما يكون في مكان ما بالريف. إضافة لذلك؛ فالشجار الدائم حول المال في ليالي السبت أصبح عبئًا نفسيًا لا يُطاق، ولا يمكنها أن تبوح به. تعطيه دائمًا كل أجرها ـ سبعة شلنات ـ وأيضًا هارى يرسل ما يستطيع، لكن المشكلة في حصولها على أي نقود من أبيها. يقول إنها تهدر المال، ولا تملك عقلًا، وإنه لن يعطيها ما يكسبه بعناء لتبعثره في الشوارع، وغير ذلك الكثير مما ينجم عادة عن حالته المزرية ليلة كل سبت. في النهاية يتعطّف عليها بالمال، ويسألها إن كانت تنوي شراء طعام يوم الآحد فيكون عليها الخروج مسرعة قدر الإمكان لتتسوق، محكمة قبضتها على محفظتها الجلدية السوداء بينما تشق طريقها بين الحشود ثم تعود إلى المنزل وهي تنوء بما تحمله من مؤن. كان عليها أن تبذل جهدًا كبيرًا للحفاظ على ترتيب البيت، والتأكد من أن الطفلين الصغيرين اللذين تركتهما والدتها في عهدتها يذهبان إلى المدرسة، ويتناولان وجباتهما بانتظام. كان ذلك مضنيًا، حياة شاقة، بينما تقترب من مغادرتها، لم تعد تراها غير محتملة إلى هذا الحد.
على وشك الآن أن تستكشف حياة أخرى مع فرانك. شاب لطيف جدًا، شجاع، واسع القلب. ستغادرمعه في سفينة ليلية لتكون زوجته، وتعيش معه في بوينس آيرس[4] حيث منزله الذي ينتظرها. تتذكر جيدًا أول مرة رأته فيها؛ كان يقيم في منزل على الطريق الرئيسي حيث اعتادت أن تمر. بدا الأمر وكأنه قبل بضعة أسابيع فقط. كان واقفًا عند البوابة، وقبعته المدببة منزاحة إلى الخلف على رأسه، وشعره منسدل إلى الأمام فوق وجهه البرونزي. تعرفا على بعضهما وبدءا يلتقيان خارج المتجر كل مساء ثم يصحبها إلى المنزل. أخذها لمشاهدة “الفتاة البوهيمية”[5] وشعرت بالبهجة وهي تجلس بجانبه في ركن منزو من المسرح. كان مولعًا بالموسيقى، وكلما غنّى لها عن الفتاة التي تحب بحارًا شعرت بارتباك ممتع. تعوّد أن يناديها “بوبينز” من باب المزاح. في البداية كان مثيرًا بالنسبة لها أن تحظى برفيق، ثم بدأت تحبه. اكتشفت في جعبته حكايات عن أماكن بعيدة وبلدان لا تعرفها. حدّثها عن بدايته كصبي عامل براتب جنيه واحد في الشهر على سفينة تابعة لخط “ألان” متجهة إلى كندا. أخبرها بأسماء السفن التي تنقل بينها، وكذلك أنواع الخدمات المختلفة التي امتهنها. أبحر عبر مضيق ماجلان وحكى لها عن الباتاغونيين المرعبين[6]. قال إنه وجد حظه في بوينس آيرس، وجاء إلى البلد القديم فقط لقضاء عطلة. بالطبع، اكتشف والدها الأمر ومنعها من الحديث معه.
“أنا أعرف هؤلاء البحارة”. قال.
في أحد الأيام تشاجر مع فرانك وبعد ذلك كان عليها أن تلتقي بحبيبها سرًا.
تعمّق المساء في الطريق، وأصبح بياض الرسالتين في حضنها باهتًا. إحداهما كانت لهاري، والأخرى لوالدها. إرنست كان المفضل لديها، لكنها تحب هاري أيضًا. لاحظت أن والدها أصبح عجوزًا مؤخرًا؛ بالتأكيد سيفتقدها. كان بوسعه أن يكون لطيفًا جدًا أحيانًا. قبل فترة ليست طويلة، عندما اضطرت للبقاء في الفراش ليوم واحد؛ قرأ لها قصة عن الأشباح، وأعد لها خبز التوست على النار. في يوم آخر، عندما كانت والدتهم على قيد الحياة، ذهبوا جميعًا في نزهة إلى تل هوث[7]. تتذكر والدها وهو يرتدي قبعة والدتها ليُضحك الأطفال.
كان وقتها ينفد، لكنها واصلت الجلوس بجانب النافذة، مسندة رأسها إلى الستارة، تستنشق رائحة قماش الكريتون المغبر. سمعت آلة موسيقية تعزف في الشارع. تعرف ذلك اللحن. من الغريب أنه ينبعث في تلك الليلة بالذات ليذكّرها بالعهد الذي قطعته لأمها، وعدها بالحفاظ على البيت ملتئمًا بقدر ما استطاعت. استرجعت الليلة الأخيرة من مرض والدتها، كأنها عادت مرة أخرى إلى الغرفة الضيقة المظلمة على الجانب الآخر في الرواق، من الخارج؛ سمعت اللحن الإيطالي الحزين. أمر أبوها عازف الأرغن أن يرحل بعدما أعطاه ستة بنسات. تذكرت والدها وهو يعود متبخترًا إلى غرفة أمها المريضة قائلًا:
“اللعنة على الإيطاليين! يأتون حتى إلى هنا!”.
وبينما كانت شاردة، ألقت الذكرى البائسة لحياة والدتها بالسحر في أعماق كيانها. تلك الحياة الفائضة بالتضحيات المُهينة، والتي انتهت بالجنون. ارتجفت عندما سمعت صوت والدتها مرة أخرى تهذي بإلحاح:
“دِيرِڤَان شِيرَاوْن! دِيرِڤَان شِيرَاوْن!”[8]
أنهضها الرعب من مكانها. الهرب! يجب أن تهرب! فرانك سينقذها. سوف يمنحها الحياة، وربما الحب أيضًا. أرادت أن تعيش، لماذا يجب أن تكون تعيسة؟ لها الحق في السعادة. فرانك سيحتضنها بين ذراعيه، يضمها إليه، سوف ينقذها.
وقفت بين الحشد المتأرجح في المحطة عند مرفأ نورث وول. كان يمسك بيدها وتعلم أنه يتحدث إليها، يردد شيئًا عن الرحلة مرارًا وتكرارًا. المحطة متخمة بجنود يحملون حقائب داكنة، وعبر أبواب الأسقف الواسعة لمحت الكتلة السوداء للسفينة رابضة بجانب جدار الرصيف، وكوّاتها مضاءة. لم تجب بشيء. شعرت بالبرودة في وجنتيها الشاحبتين، ومن قاع دوامة الكدر صلّت إلى ربها أن يرشدها. أن يجعل واجبها ماثلًا أمام عينيها. أطلقت السفينة نواحًا طويلًا في الضباب. إذا ذهبت، ستكون غدًا وسط البحر مع فرانك، متجهة إلى بوينس آيرس. حجز لهما الرحلة بالفعل. هل يمكنها أن تتراجع بعد كل ما فعله من أجلها؟ أيقظ الغم شعورًا بالغثيان في داخلها، ظلت تتمتم بصلاة حارة. دوى جرس في قلبها. شعرت بفرانك يمسك يدها:
“تعالي!”.
اجتاحت كل بحار العالم قلبها. كان يجذبها إلى الأمواج المحتدمة، على وشك أن يغرقها. أمسكت السياج الحديدي بكلتا يديها.
“تعالي!”
لا! لا! لا! هذا مستحيل. تشبثت ملتاعة بالسياج. من بين تلاطم الأمواج زفرت صرخة ألم، لم يسمعها أحد سواها.
“إيفيلين! إيفي!”
اندفع متجاوزًا الحاجز وهو ينادي عليها لتتبعه. صاحوا فيه أن يمضي لكنه ظل يناديها. أدارت وجهها الذابل إليه. ساكنة، مثل قطة عاجزة. لم تمنحه عيناها الجامدتين أي إشارة حب أو وداع، أو حتى إدراك بأي شيء.
………………………………….
[1] نوع من الأقمشة القطنية المتينة والثقيلة، يُصنع أساسًا من القطن عالي الجودة، وأحيانًا تُخلط معه ألياف الكتان. نسيجه قوي وقاسٍ نسبيًا، ولا توجد له لمعة. يشتهر الكريتون بالرسومات المطبوعة عليه، وغالبًا ما تكون عريضة وبارزة، مثل الأزهار الكبيرة، الأشكال الهندسيّة، أو المناظر الطبيعية الكلاسيكية. يُستخدم في ستائر النوافذ الثقيلة، تنجيد الأثاث، أغطية الأسرّة والوسائد المخملية، ملابس العمل أو الفساتين المنزلية السميكة. ارتبط هذا القماش بفرنسا، حيث يعود أصل تسميته إلى قرية Creton في نورماندي، والتي كانت مركزًا مشهورًا لصناعة المنسوجات في القرون الماضية.
[2] تُعرف أيضًا بـ “الأرغن اليدوي”، وهي آلة موسيقية نفخية تعتمد على لوحة مفاتيح (Keyboard)، تشبه في مبدأ عملها الأكورديون. تعتبر هذه الآلة جزءًا أساسيًا من التراث الموسيقي في جنوب آسيا، وتستخدم بشكل واسع في الموسيقى الكلاسيكية الهندية. على الرغم من ارتباطها الوثيق بالثقافة الهندية، إلا أن أصول الهارمونيوم تعود إلى أوروبا في أوائل القرن التاسع عشر. أدخلها المبشرون والمستعمرون إلى الهند، حيث تم تعديلها لتتناسب مع الجلوس على الأرض (كما في التقاليد الموسيقية الهندية) بدلًا من استخدامها كآلة قائمة بذاتها، فأصبحت أصغر حجمًا وأكثر مرونة.
[3] راهبة فرنسية كاثوليكية، اشتهرت بكونها “رسولة قلب يسوع الأقدس”، حيث لعبت دورًا جوهريًا في نشر هذه العبادة في الكنيسة الكاثوليكية.
[4] عاصمة الأرجنتين وأكبر مدنها. تُعد واحدة من أهم المراكز الثقافية والاقتصادية في أمريكا اللاتينية، وتُلقب غالبًا بـ “باريس أمريكا الجنوبية” بسبب عمارتها الأوروبية الكلاسيكية، وتاريخها الغني، وأجوائها الحيوية.
[5] فيلم كلاسيكي عُرض عام 1936. بطولة الثنائي الكوميدي الشهير: ستان لوريل وأوليفر هاردي (لوريل وهاردي)، ويُعد من أشهر أفلامهما الكوميدية والموسيقية.
[6] “عمالقة باتاغونيا” وينتمون إلى أسطورة أوروبية نشأت في القرن السادس عشر، وتناقلتها قصص الرحالة والمستكشفين حول وجود عرق من البشر العمالقة الذين يقطنون منطقة باتاغونيا (جنوب تشيلي والأرجنتين حاليًا).
[7] يقع في منطقة هوث شمال مدينة دبلن في أيرلندا، وهو شبه جزيرة جبلية وتل ساحلي شهير يُعد وجهة سياحية ومقصداً طبيعيًا مفضلًا للسكان والزوار.
[8] محاكاة صوتية لجملة باللغة الأيرلندية (Gaelic) كما سمعها جويس أو كما كانت تُنطق بلهجة دبلن. يميل العديد من الباحثين إلى أن أصلها هو “Deireadh ann seo…” ومعناها “النهاية هنا” أو “النهاية في هذا المكان”. العبارة هنا تعمل كتحذير مشؤوم، هلع من الركود.









