دُنى غالي
لماذا قلتُ إنّي ارتديتُ الأحمرَ حين أتممتُ الأربعين؟ الحفلُ الذي فاجأني به أرضٌ من سحاب. ليستِ الهديةُ، إنما لأنّي لا أتهيّأ لشيء. كنتُ طوال الوقت سكرى، رغم أنّي جلستُ بانتظارِ من يأتي ليملأَ كأسي، ولو لمرةٍ واحدة، ولم يأتِ أحد. الحفلُ بألفِ تفصيلٍ يدعوني لأن أقلقَ وأرسلَ إليه ألفَ نظرةِ تحذيرٍ وعرفان.
لماذا كذبتُ؟ كنتُ أرتدي الأسود. فستانٌ إسكندنافيُّ الخطِّ اشتريناه معًا. أمي تقول إنّنا جميعًا نكذب، فلنحذف يومَ الأوّل من نيسان. قال: تبدين في الثلاثين، والثوبُ، شكوتُ، يضيقُ عند الوركين. اللحظةُ زمنٌ، ولكنّه انتظارٌ ملهمٌ ماكرٌ، أحببتُه، أحببتُني، وإن كنتُ قلقةً بداخله. صوتي مبحوح. كنتُ آكلُ الخربشةَ من على مفرشِ الطاولةِ الورقيِّ بدبوسِ شعري. إنّنا بسبب الحرب نشعرُ بالجوعِ والفوات. لم نوثّقْ بدلةَ الزفاف، ولا بدلته السوداءَ التي فصّلها وصغر مقاسُها. كلُّ شيءٍ يمرّ سريعًا بالنهب أمامي، وأنا دائخةٌ من الأربعين. حركةُ البنتين النادلتين وهما تتنقّلان بين الضيوف، التهاني والغمزات، كلُّه، يجعلني أطوفُ فوق سطحِ مركب السنوات على أنغام موسيقى اخترتَها لي، أو… لا بدّ منها.
لا، لا شيء، أعتذر لإله اللا شيء، لأنّها حلوة، لأنّها قريبةٌ وهو بعيدٌ الآن لتتتبّعه عيناي. ترتفعُ يدي القابضةُ على ورقةٍ ويرسمُ إصبعي خطوطَ مسارات حياتنا هنا وهناك. بدلتي البيضاءُ أعرتُها للتبرّك ولم تُستعد بسبب الحرب. ثم ماذا؟ لا نأبهُ للشؤون الصغيرة، نقولُ لبعضنا، والحفلُ الذي فُرِضَ علينا لم يكن أصلًا لنا، وحتى الأبيضُ لم يعد أبيض.
ولكنّنا جميعًا للدهس، أهمسُ بأذنك: لماذا يقترنُ الدهسُ بالعرس؟ بكيتُ، كثيرًا، ليس فرحًا، حزنًا لأنّي لم أكن أدركُ شيئًا، وسخرتُ من رومانسيةِ “ممنوعٌ عليك الحضور قبل المساء”، ولم نتأكّدْ بعدُ من تمكّنِ أمي في التسلّل إلى البصرة. ببطءٍ شديد، وكأنّه العنادُ بعينه، لأفهمَ سرَّ السهرِ من دوني ليلةَ ليلتي على أرضِ شرفةِ الفندقِ المفتوحِ على شطِّ العرب، قبل احتراقِ نخيلِ الضفة المقابلة. وبكيتُ ألمًا في مخاضي المبكر، حينما لم يُخبرني أحدٌ عمّا يجبُ فعلُه. كنتِ إلى هذا الحدّ صغيرةً، تمسح خدي بثوب الأربعين ويعجّلكَ سيحانُ المكياج على وجهي.
هل حقًّا، أسأل: هل وجودي بهذا القدر في عالمٍ لا وجودَ له؟ في وعيي الذي لا تراه، أو تراه بوعيك أنت! وأضحك، ربّما لأنّي لا أنسى لكَ هلعَ شفتيّ جراءَ القبلةِ الأولى، هلعَ أنّي وحدي من يحملُ الشفتين الوارمتين، ووحدي خلف وزر نشوتها.
الأحمرُ أوراقُ وردٍ جوريٍّ قانٍ تملأُ المغطس. الأوراقُ تصعدُ بعطرِ الملح مع الموجة، وتسكنُ عند قطراتِ الزيت بالأروما. الجوريُّ ينجذبُ إلى الفراغات بين الأعضاء؛ وهو يتعقّبُ الوردةَ وتتيهُ منه مثلَ الابتسامةِ على وجهه، تُذكّرُ بجرحي الأوّل- واحتراق الفندق لاحقا بقصف مدفعية ثقيلة. مَن يعيده إليّ؟ نعيد ماذا؟ وأنا.. هل فضضتُكَ فانسفحتْ لوعتُكَ إلى الأبد؟ والزيتُ يجهلُ ما بي، يلحّ ويلتصق، أعضاءٌ تنزلقُ على بعضها، تحاولُ الفرح، عائمةٌ بتعبٍ لذيذٍ ذي نكهةٍ معتّقة، وكأسُ الشمبانيا ظلّ بعيدًا. العلّةُ أنّي بعيدةٌ عمّا أريد، بعيدةٌ جدًّا. إنّي أريد. قولي ماذا تريدين، وهو يدركُ كخبيرٍ عتيدٍ ولا يملكُ أن يفصلَ العصبَ القلِقَ في رأسي ليكفّ عن إزعاجنا. ومن ثم تحسّسي، يقول، بلا نهايةٍ للمرآة، تسخرُ هي الأخرى من بدايةَ تجنّبي لها.
ويضمّني ووجهي يندفنُ بخشونةِ تفاصيلِ البدلةِ الكحلية، ليروحَ أنفي يبحثُ بخفيةٍ عن مستقرّه تائهًا في منعطفاتِ الخشونةِ الرجوليةِ المنشاة، التفاصيلِ الملوّثةِ بالدخان، الثقيلةِ بحماوةِ جسمه، المدعّمةِ بأزرارِ أكمامه الفضية، يهبطُ من جيبِ السترةِ العلوي ويسيرُ إلى حافةِ الياقةِ الحادّة، يتعرّجُ بين حريرِ القميص وربطةِ عنقه، عاثرًا في طريقه على رائحةِ مخبأٍ عسكريٍّ قديم، يتمم صعودُه متشمّمًا حتى يعثرَ على جلده؛ نسلكُ طرقًا وعرةً لنحتالَ على أنفسنا. كنتُ سأهمسُ بأذنه وأنا أبكي المذاقَ المتخلّفَ لشرحةِ كعكةِ العرسِ الأخيرةِ التي حفظناها مع أوراقِ رسائل أهالينا الهاربة، واهمةً؟ تقول أختي: كانت مشرَّبةً بشرابِ الفراولةِ المقطّر. الوقتُ لم يُمهلنا لنشربَ أكثر؛ القصفُ لنثملَ أكثر. أريدُ أن أسكر. تعالي لنرقص.
لماذا كذبَ عليّ وقال إن تعطّلَ العصب فسأشعرُ بفراغٍ مدوٍّ؟ لِمَ يخيفني؟ أتوسّلُ إليه، ولا يستجيبُ منه ومنّي إلا الجسدان بحمى الهلع من الفراغِ المدويِّ المزعوم، يلهوان ويصخبان بالتحامهما، يتعباننا ونستجيبُ ونستجيبُ ويتعباننا، بينما نصدّقُ ضجيجَ الثنيات، نسمعُ ضحكها ودمُ اللوعةِ أبيض، وها نحن نعوم، ها المركب، ها أصعدُ مثلَ غرسةٍ تحت الضوء وأتفرّعُ وألتفّ على جذعِكَ وأفلتُ وأتعامدُ مع خيطِ شمسٍ حارّةٍ نَفدَ من بين كيسَيْ رملٍ أعلى النافذة، ها الأبيض! والانفجاراتُ من حولنا. وكأنّنا نستعدُّ زمنا لمغادرة «التحسينية» هربًا إلى بغداد، والسيارةُ تنوءُ بحملِ سخافاتِ الحياة والطوفان، وقد تصلُ مخلفةً حياتنا على الطريق مثلَ مخلفاتِ أبقارٍ عابرةٍ تحت منعِ التجوال، ها الإسفلتُ المنصهر، وصدعُ الطرقِ الخارجية، يكبر مع المجهول، معكَ، عليك، وها أجرّكَ معي، تجرّني، مثل غرفِ الصليبِ الأحمرِ المقطورةِ التي استقبلتنا، ولا أندمُ ولا تندمُ ولا نندم، ولا نكفُّ عن الصياح، نهذي لشقاءِ الوصول، فلا يكفُّ الطريقُ عن التمدّدِ والمخاتلةِ والميد، وأشهقُ: هناك تعترضني فراشةٌ لاهثةٌ تصلُ برحلتها آخرَ سماءٍ لها، يلعبُ جناحاها بالعصب فأصرخُ امتلاءً.
2003 -كوبنهاغن






