مصطفى سعيد يُبعَث من جديد

إيمان
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

إيمان جبل

كلنا في الوحل
 تحت نصال النجوم
                                                                                                   لكن بعضنا ينظر مبتسمًا نحو نفسه
                                                                                                               – سوزان عليوان

الماء حولنا من كل جانب، وكتف أبي أصبح أرضي، فخذاي مستقرتان تمامًا بأريحية كاملة حول رقبته، وساقيَّ مدلاتان بالماء العكر مع باقي جسده الذي يثور ليدفعنا دفعًا في طريق غير معلومة وجهته، بدأ الظلام يحل والجميع في قريتنا يحذون حذونا في مشهد قاتم، الصمت مهيب أكثر من اللازم، صمت المجهول الآتي، وصمت الماء الغاضب الممتزج بأنين الأقدام المقهورة.
بدا لي من البقعة التي نتمركز فيها، أن العالم قد انهار بقلب السودان على هيئة فيضان، ألم يجد غيرنا ليفيض هنا علينا !
لسنا وحدنا في هذا الضياع، فالمشهد يحكمه طغيان كوني أعظم من قدرتنا على الصبر، الانكسار يسيطر على الموقف ويتحكم فينا بهيبة قصوى لا تستدعي سوى احترام قسوتها .
في تلك اللحظة تحديدًا لم أستطع الوقوف على حدود الصمت دقيقة أخرى على عمري الفائض ففلت لساني :
–  لقد أدركت الحقيقة التي يلسن بها الناس طوال الوقت، حقيقة أمي الخائنة التي هجرتك، و ضياعك بعدها في عالم يحتمي خلفه الرجال القتلى مثلك.
انتظرتك تسعة أعوام لتنطق بكلمة حتى كرهتك، لم تسأل عن حال طفلتك العجوز التي عجنوها وخبزوها من طحين الشفقة عليك، ما ذنبي كي تتفتت حياتي بسبب ثوابت منهارة مثلكما معًا؟
أكرهك بمقدار حقدي عليها. ولم يفرق معي عنايتك بي، ولا رحمتك الصامتة معي، بل كرهتك أكثر منها، وتمنيت في أحيان كثيرة موتك كي أستعيد حياتي .
وأحيان أخرى كنت أشتاق إليها، وأمني نفسي بأنها ربما تملك إجابة لي، إجابة آثمة خير من صمتك المقدس .

–  والله لم أملك إجابة يا فاطمة؛ في يوم وقفت أمام غرفتك أبكي وأتحسس رأسي لأتأكد أن عقلي لايزال في مكانه، لا تعرفين يا صغيرتي شيئًا عن عجز رجل عن الإيمان بثباته العقلي .
كل لحظة من حياتنا الخرساء معا لم تكف فيها روحي عن العواء.
كان عمرك سبعة أعوام حينما تأكدت تمامًا من خيانتها لي، وقفَتْ أمامي وهي لا تنفي أي شيء، بل وأخبرتني بثبات الجبال عن تزامن أول خياناتها لي مع قدرتك على نطق الكلمات، وتوضيح مخارج الحروف جلية.
ليس هذا فقط ، بل وزامنت متعتها النجسة بتضرر ساقي اليسرى حينما وقعت عليها حاوية الثلج في الدكان، وأقعدتني في الفراش أكثر من عامين .
امتلكت أمك قدرة غريبة على لف خيوط العالم على إصبعها، وربطها بعنقي وجزها لآخر العمر .
رحلت ولم تأخذ خيوطها معها، عنقي مدقوق بتسريحتها، وقميصها الأبيض الذي صلبته مثلي كتذكار وحيد على أنها مرت من هنا مرة وداست أرضي ومائي و قلبي .
لما عجزت عن البحث عن حل سريع لأوضاعي الجديدة معك، قلت لا بأس بمزيد من الوقت، وأقسم لك أن خلال تسعة أعوام لم أعثر على حل .
–  ماذا تتوقع الآن من طفلة شقت طريقها في العالم الأسود بنفسها، بمعاول مكبوتة تشرح أقدامها مع كل خطوة؟
–  لكنك بدوت سعيدة، وحالك أفضل مني .خصوصًا حينما صرت شغوفة بقراءة الأدب .
–  وماذا تراه يفعل الأدب حيال اليتم، حيال الموت؟
–  اسمعيني يا فاطمة…
–  بل اسمعني أنت، لا تظن أن كتب الأدب المترجم التي كنت تحشو بها غرفتي سترحمك مني. لا تظنها ستشفع لك، لقد أيقظت وعيي مبكرا جدا، وأضرمت النار في وجيعتي حتى صرت أتحين كل فرصة ممكنة كي أنتقم منك .
–  انتقمي يا فاطمة، افعلي ماتشائين يا صغيرتي .
–  في مرة عقدت فيها العزم على الهرب، ورتبت لأجل ذلك ترتيبا لا يخر الماء، ليلتها رأيتك تبكي وأنت تناجي الله كي يصنع جسرًا آمنا بيننا، حدث لي شيء غريب حينها، لا أظنه تأثرًا بمشاعر الأبوة التي لا أستطيع التعرف عليها، ولكنه كان شيئًا عظيمًا طوق روحي بحزام ناري جعلني أفترش التراب باكية طوال الليل.
وفي الصباح ألغيت تمامًا خطة هروبي، وقررت الاستمرار في ميتتنا معًا. لقد فاتك الكثير عن حياتي، فاتتك حياتي كلها على ما أعتقد… ماذا لم يفتك، أخبرني !
–  عرفت من صديقتك عن حبك للفاصولياء بالدجاج، فصرت أصارع نفسي كل يوم كي أخرجها لك بصورة تخرج لي منك أي مقدار من المحبة تجاهي .
ولما رأيت عندك مجلدًا مهترئًا لدوستويفسكي، سافرت إلى الخرطوم لأجلب لك كل ما أستطيع حمله من كتب الأدب الروسي .
–  لم أحب الفاصولياء بالدجاج يومًا، ولا أعرف من أين أتيت بتلك المعلومة الخاطئة، ربما أخبرتك صديقتي بذلك لأن والدتها حينما طبخت لنا تلك الطبخة، رفضتها صديقتي، فخشيت أن أجرح السيدة أنا الأخرى، فأكلتها وأثنيت عليها، ولكن في الحقيقة لم أحبها، وقد كانت رديئة جدًا.
ولكني أحببت طبختك أنت، كانت ممتازة بما يكفي لتثنيني عن اشمئزازي منها إثر إرغامي عليها في حادث المجاملة ذاك .
ومجلدات دوستويفسكي لم تكن تخصني، بل أرجعتها في يوم صديقة قديمة لأمي بعد أن أخبرتني أنها استعارتهم منها منذ زمن ونسيتهم، فخبأتهم منك، ولم أشأ إخبارك كي لا أثير عذاباتك .
ولكنك بإحضارك كتبًا كثيرة من الأدب الروسي جعلني أنبهر بالأدب، وأعرف شغفي الحقيقي، وأتوحد به بعيدًا عن ألمي الخاص.
قال أبي وهو يبكي :
–  هل فاتني الكثير يا فاطمة؟
هل يمكنك إمدادي بأي تفاصيل عنك، ولو حتى فتات الحكايات؟
– ولم أخبرك أي شيء عني؟
– ربما لأنك تستحقين أن أوجد لأجلك ولو مرة أخيرة.
– فات أواننا معًا، قد أصدق في الخرافة ولا أصدق وجودك لأجلي.
مرت دقائق أخرى لم يكف فيها عن المحاولة معي…
فقاطعته لأن وجعي كان ملحًا ومزعجًا إلى حد لا يطاق:
–  حينما جاءني الحيض، وعرفت من صديقاتي أن الدورة الشهرية تصنع الرجال والنساء، فكرت في أن أزرع في بيتنا أمًا وأبًا جديدين، وقفت في ليلة قبيل الفجر، وكان تدفق دمي فيها غزيرًا.
جعلت القمر شاهدًا عليّ، ونبشت التراب عن الأرض، وتركت الأحمر يفيض من رحمي حتى خضب البقعة المنشودة. فعلت ذلك في كل دورة…
أنبش ما أقدر عليه وأغرس جزءًا من رحمي، وأهيل فوقه التراب تاركة على قمته علامة بيضاء، وهكذا صنعت من اثنين وسبعين دورة شهرية منتظمة اثنين وسبعين غرسًا باثنين وسبعين علامة حرة .
فعلت كل ذلك، ولم تطرح لي الأرض دودة حتى .
–  كنت فتاة قوية، وكم كنت أهابك يا فاطمة .
خشيت عجزي الأزلي أمام نضارتك الفتية، ماذا تعرفين عن نحيب الآباء يا ابنتي؟
ماذا تعرفين عن قهر الرجال يا نور عيني؟
هل خبرتك صديقاتك عن قرابين الحب التي تُذبح كل ليلة إثر الغياب وبقلب الحضور، يا شجرتي الوحيدة؟
نسيت أن أخبرك عن ظل امرأة لا ترحل عني مهما قست، ومهما قتلت، ومهما استباحت .
نسيت أن أخبرك أني أثناء محاولاتي لسحبها من روحي، سحبت معها محبتك لي، ما أنا إلا ظل يا وردتي.
لا زلت أعشقها على وجيعتي، أصنعها في الليالي السوداء على عيني، ويشتهي عشقها الزيادة في نقصان عقلي.
–  كنت أراقبك كل يوم، لم أغفل عنك ساعة .
ورغم ضيقي منك، لم أكن لأجازف بفقدك أبدًا، رأيت جليًا علامات الأمومة تظهر تحت عينيك وفي باطن كفيك وفي انحناءتك للصلاة. تلك الآثار التي رأيتها في وجه الأمهات في قريتنا كانت تنحت نفسها في جلدك.
نمت داخلك أمومة لا أستطيع نكرانها مهما حاولت، وفاضت مشاعرك المكلومة تجاهي حتى تعرفت عليها الشوارع، وشمس الظهيرة الحارقة، وأقدام الكادحين من خلق الله، وحليب الفطام المتكتل في أثداء الأمهات على شكل عقد حارقة.
تعرفت عليها بدوري مثلهم تماما، ولكني لم أتعرف عليها كوني ابنة من صلبك، قل لي ماذا تعرف أنت عن الجحود المصنوع من النكران، من التلاشي، من الفناء ؟
إن كنت قدمت لي كل شيء تملكه على طريقتك، فطريقتي لم تعرف غير نفسها .
قل لي ما الطريقة المتوقعة من طفلة تنتظر تحديد موقعها من هذا العالم؟
–  لا أتوقع منك شيئاً، ولا أطلب منك أي شيء، أريدك فقط أن تمنحيني فرصة أخيرة أعوض فيها كل شيء.
ترددتُ قبل أن أنطق :
–  أخبرني عن أمي، أريد أن أعرف عنها أكثر من الصورة القديمة في رأسي، عافرت كل ليلة كي أبقي على ذكراها الباهتة في بيتنا، ولكنها كانت تتماهى مع الوقت.
–  أمك يا فاطمة كانت حلم كل رجل في بلدتنا، وحينما اختارتني كنت كالأبله الذي يفرك عينيه كل ليلة غير مصدق أنه يرى القمر إلى جانبه.
 حسدني الجميع عليها في نفس الوقت الذي كانوا يتندرون فيه على رجل عادي لا يستحق امرأة مثلها.
لا أصدق حتى الآن أنها رحلت، كما لم أصدق أنها اختارتني يوماً، وما اكتفت بالرحيل، بل أخذت معها قدرتي على أن أكون إنسانًا يعرف كيف يحب، كيف يكره، كيف يشعر بالوفاء وكيف يطحنه الحقد، لقد ساوتني بالأرض، وجعلتني مسخاً محبوساً في ذيل حبها الأسود،
لست أبا جاحدًا، ولكني لم أقدر على الحياة بعد أمك يا ابنتي .
سمعتُ صوت بكائه يشق الصمت شقًا يذبح الهواء في رئتي. صمت هادر اختلط بعدها بدموع مكتومة منه ورفض قاطع مني، قال فجأة :
–  أنا رجل ملعون، هل تعرفين ذلك؟
سكتْ مطولًا… وأنا أخشى معرفة البقية التي سيحكيها، فشاركته الصمت .
تكلم ثانية :
–  لم أتقبل فكرة رحيلها أكثر من فكرة خيانتها لي .
كنت سأسامحها شريطة أن تبقى معي، كان الموت يسري من تحتي كل ليلة ولا أدري بسريانه .
كم مرة نمت فيها إلى جانبها وقلبي يحوي فوهة موصولة مباشرة بالجحيم، كنت أنام وأنا أرقد على فزع أن تكون ليلتها الأخيرة معي، حتى أتت الليلة الأخيرة ولم يعد هنالك خوف أبدا، لكن الفوهة لازالت كماهي، تحرمني الرقاد في فراش كانت فيه، في بيت طلت عليه، في عالم وطأته بأقدامها .
خلف هجران أمك لي شعورًا حقيقيًا من الوهم الخالص بأن أبواب البيت دائماً مفتوحة، كان يصاحبني القلق بصورة سيئة، مخلقًا شبحاً من الأرق حول رأسي، فأقوم كل ليلة لأتأكد من أن جميع الأبواب مغلقة بعدما فُتِحت في رأسي بفعل ريح بيضاء باردة.
–  وماذنبي أن أكون ابنة الملعون، وابنة اللعينة؟
في المدرسة كانوا ينادونني ابنة اللعينة، حتى نبتت لي أنياب شيطانية فصرت أسحق كل من يحاول مساسي بكلمة .
قال في نبرة ملؤها اليأس :
–  لن تسامحيني يا فاطمة، أليس كذلك؟
–  أنت أضعف من ألا أسامحك. أنت لا تستحق أي شيء .
–  ظللت أنتظر كلمة “أبي” قرابة عقد من الزمان، ولكن لم تنطقيها .
–  اعتبرها رحلت هي الأخرى مع أمي .
–  امنحيني فرصة أخيرة .
–  لن تنجح مع ألف فرصة .
–  أريد أن أطلب منك السماح على شيء آخر.
– لن أسامح سلفًا، ولكن أخبرني ماهو.
–  لقد قرأت بعضًا مما تكتبين، كتاباتك حلوة مثلك.
 لما طال صمتي سألني :
–  من هو مصطفي سعيد؟
–  مصطفي سعيد هو البطل التاريخي النادر للطيب صالح، بطل ملحمته الخالدة “موسم الهجرة إلى الشمال” .
–  ولكن لماذا تحاولين استحضار ملامحه في رسومات تائهة؟
–  لأنه يراودني كثيرًا، يشاغلني في الصحون، في الحقائب، في السراويل وفوق الجدران. تحت بخار الطناجر، وفي ملء البطون وملح الجفون.
–  وماذا حدث له؟
–  قتل نفسه ربما، أو غرق في النيل، أو تبخر في الهواء، لا أحد يعرف تحديدًا كيف كانت نهايته؛ نهايته تطوي مئات الاحتمالات. ولكني أراه حيًا كل يوم في موسم هجرة جديد إلى آخر حدود الكون .
– إذاً، اخلقي مصطفى سعيد آخر .
– “مصطفى سعيد يُبعث من جديد”، أليس عنوانا عظيمًا؟
– عظيم… أخبريني كيف وجدت طريقك إلى الكتابة يا حبيبتي؟
– الأمر شبيه بحبس نفسك مع وحوشك في غرفة مغلقة، أو التعري أمام مخاوفك بقلب مفتوح.
كنت أجلس ساعات طوال في الليل لا أجد بحوزتي غير الوجع، حتى أتت علي لحظات جعلتني أفكر في أن أنهي حياتي، فقررت حينها سرد معاناتي، من يومها وأنا بخفة فراشة وأوجاعي صارت بلا وزن.
–  في كل مرة تسللت فيها إلى غرفتك في غيابك وقرأت دفاترك، كنت أتحول إلى أقوى رجل في العالم .
في مرة قرأت شيئًا كتبتيه بخط يديك على ظهر صورة لأمك، جعلني أتمنى لو أن الأرض تنشق وتبتلعني ” تقول إن الحب وحده لا يستطيع مهما بلغت حرارته أن يخبز رغيفًا يا غسان، ولكنه يمنح الأشياء صفات حقيقية، ويكسبها هوية وأصلا، مثلًا كأن يجعل الطعام سعيدًا.
صحيح أنه لا يستطيع خبز رغيف، ولكنك لم تجرب بعد كيف يكون طعم رغيف خبز خالٍ من المحبة”.
ترددت قبل أن أسأله :
–  هل كرهْتَنِي لأنني ابنتها؟
–  أحببتك لنفسك يا فاطمة. كما أنني لم أكرهها أبدًا.
قطع الحوار بيننا أسرة تقترب منا، رجلان يحملان امرأة كبيرة تبدو أنها أمهما.
جاءت تحيتهم رطبة طيبة، فرددنا بأحسن منه، بعدها بدقائق اقتربت عائلة ثانية، فثالثة حتى شكلنا صفوفًا وصفوفًا… هبط الليل فجأة، ولكن ما شعرنا بالخوف، وتاه الليل نفسه بيننا .
وفجأة جاء صوت من خلفنا يغني :
الجميل السادة وضاح المحيا
التفت يوم شفته ما قبلان تحية
من دلاله ولا ماله خلى نيران قلبي حية
ابتسامة الزول بتنبع من شعوره
كيف تزعل لو تعبر عن سروره
والبقابلك يبتسم ليك من ضميره
لو سمحت تجامله بمجرد تحية
الجميل السادة وضاح المحيه
غنينا جميعًا معه. نظر إليّ أبي وهو يبتسم بعدما رآني أردد معهم الكلمات عن ظهر قلب، فقد فهم أنني حفظت الأغنية من شريط التسجيل في غرفته لأنه لا يسمع غيرها تقريبًا:
–  تحبين أبو عركي البخيت لأجلي يا فاطمة؟
–  أحب كل شيء لأجلك يا أبي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روائية مصرية، والقصة من مجموعة (لا أحد ينجو من آنا فونتينا) .. الصادرة عن دار بتانة للنشر 

مقالات من نفس القسم