“ماكيت القاهرة”- وجه المدينة في مرآة مدينة أخرى

ماكيت القاهرة
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام
قراءة لرواية ماكيت القاهرة .. للروائي طارق إمام

 إيناس حليم

في شقة مُستأجرة في إحدى قُرى الساحل الشمالي، وضعتُ رواية “ماكيت القاهرة” في الدرج الأول من المنضدة الصغيرة الملتصقة بسريري، حيث كنتُ أتناوب على قراءته بعد انتهاء نهار طويل أمام البحر أو بعد سهرة في مقهى مع الأصدقاء. ولأن الخيال الذي اعتاد “طارق إمام” الكتابة عنه مُحرضٌ، مثله مثل الواقع تماماً، تخيلتُ الآتي: ماذا لو أنني.. وفي إثر الارتباك المصاحب ليوم مغادرتي للشقة نسيتُ الرواية في ذلك الدرج، فكرتُ في اللحظة التي سيدخل فيها المستأجرون الجدد من الباب، في أن أحدهم على الأقل سيفتح ذلك الدرج بالذات، ليُفاجأ بكتاب كبير يحمل غلافه خريطة ملونة لمدينة. ماذا لو تعرّف على تلك المدينة من النظرة الأولى لخط النهر المُنتصِف لصورة الغلاف وشعر بأنه قد رآه من قبل! ماذا لو تصفح الكتاب ووجد جزءًا من نفسه داخل تلك الصفحات فقرر أن تظل الرواية مرافقة له خلال مدة إقامته!

تخيلتُ أيضاً؛ ماذا لو نسيه ذلك الشخص في تلك الشقة ليقع بعدها في يد أخرى لمستأجر آخر. وماذا لو استمر في انتقاله هكذا.. من يد إلى يد إلى يد حتى يتحول الكتاب من رواية عادية إلى ما يُشبه تميمة تكرار أبدي، تميمة تُحرض على قراءته بنفس القدر الذي تُحرض فيه على نسيانه وفقدانه، ذلك الفقدان الذي وُجد من الأساس كي يحفظ فرصة اتصاله بروح أخرى، مثل إرثٍ تركه صاحبه دون أن يكتب وصية تُحدد شخصاً بعينه للحصول عليه، فظلّ مشاعاً ينتقل عبر السنوات من غرباء إلى غرباء آخرين.

لم أكن أعرف لحظتها أن ذلك التكرار الذي تخيلته سيكون ثيمة أصيلة داخل النص، وأنه سيتعدى في تكراره الحدود المكانية للأحداث ليشمل البنية الزمنية والحكائية لتلك الأحداث نفسها.

طارق إمام
طارق إمام

في روايته “ماكيت القاهرة” يكتب “طارق إمام” عن القاهرة ليس فقط باعتبارها أرضاً لمعجزة، وإنما باعتبارها صورة مدينة على مرآة مدينة أخرى! بحيث تتماهى المدينة الحقيقية بشخوصها الحقيقيين مع صورة المدينة المزيفة، والتي يعيش داخل محيطها الثابت -مكانياً-  ثلاثة شخوص رئيسية: أوريجا، نود وبلياردو.. قرّر الكاتب منحهم أسماءً مستعارة وتوقيعات مُخترعة، كان يُصر كل منهم على أن يتركها على قطعته الفنية على اختلاف طبيعتها.

كل من أولئك الأبطال كان يُقابل هشاشته وجهاً لوجه؛ يقابل أناه الأخرى ليس فقط داخل المرآة كما فعلت “نود”، ولكن أيضاً على صفحة جدار كما كان يفعل “بلياردو”، أو داخل صفحات كتاب يؤرخ حدثاً كان يحاول “أوريجا” تشويهه أو نسيانه.. أو حتى في وجه بلا ملامح محددة -وجه المسز مثلاً- كما فعلوا جميعهم عندما نظروا إلى وجهها، حيث كان كل منهم يرى فيه طفولته ومشيبه، وقدره ربما!

وضمن توترات سردية ومتاهات مقصودة، سنجد طرحاً متواصلاً لأسئلة وثنائيات لطالما كانت مؤرقة للكاتب في معظم نصوصه السابقة باختلاف شكل ومضمون القالب الروائي، فثمة هنا أسئلة تخص وجود تلك الثنائيات نفسها، كما أن هنالك دعوة لتماهيها وفهمها باعتبارها جزءاً من الواقع الذي تفرضه الحياة، واقعاً ينسلخ من فكرة الأبيض والأسود إلى فكرة وجود الألوان وتمازجها، حيث لا يملك البشر رفاهية الاعتراض على أحداثه مثلما لا يملكون حق الاعتراض على ذلك التماهي..

يقول الكاتب: “التناقض قرين الثنائيات. الشخص الذي ينظر للعالم كحزمة من الثنائيات يظل يتعذب.. شكل/ مضمون.. واقع/ خيال.. حقيقة/ وهم.. جسد/ روح.. صمت/ كلام.. بريء/ قاتل..”

الحقيقة والزيف؛ ثنائية يتم طرحها عبر النص بأحجام ونسب مختلفة، ليس فقط من خلال ثلاثة ماكيتات متداخلة، أو بمعنى أدق ثلاثة ماكيتات لمدينة واحدة يُطل كل واحد منها على الآخر؛ بحيث تتعملق المدينة على حساب سكانها، أو يتعملق سكانها أنفسهم على حساب تقزم تلك المدينة. ولا عبر وجود ثلاثة أزمنة مختلفة داخل النص قد يختلف مفهوم الحقيقة خلال مرورها بين سنة 2011، 2020 و2045.. لكن يظهر ذلك أيضاً من خلال البنية الداخلية للشخوص الرئيسية الثلاث، حيث تتعمد “نود” -وهو الاسم الدال بذاته على حيادية ما- ارتداء نسخة مقلدة من حقيبة لا تستطيع امتلاك ثمنها، وحيث يتخيل “أوريجا” طوال الوقت إصبعه مسدساً قادراً على القتل، وحيث يُصدق “بلياردو” أنه يُشبه الآخرين بمحاولة انتمائه لمجتمع مقهى “عيني” الذي يجلس فيه زبائن فقدوا عيناً واحدة مثله؛ “حتى نهض شعب صغير، نقي ومنسجم من العور، يقطن مقهى “عيني” الضيق.”

وبالحديث عن أبطال الرواية حسب ترتيب أدوارهم داخل النص، سواء باعتبارهم أسماء مزيفة لأشخاص حقيقيين، أو أسماء حقيقية لأشخاص مزيفينتم خلقهم ووصف تفاصيل تخص أبعادهم النفسية بكل ما تحملها من اضطرابات وتوترات أكثر من وصف لهيئاتهم الخارجية، ليوحي بأن كل من تلك الشخصيات يمكنه أن يشبه سكان المدينة الواقعيين -بعيداً عن الجانب الغرائبي الخاص بكل منهم-، ثم جعلهم يتحركون ضمن أحداث خلقها أيضاً بغرض توثيق الحكاية الواقعية داخل حكاية خيالية، شأنها في ذلك شأن كل الروايات التي كُتبت في مراحل زمنية متأزمة على أرض مدن تخضع لقمع ما!

فسنجد أن شخصية “أوريجا” الذي بدأ ظهوره كشاب يعيش في القاهرة سنة 2045  يصنع مصغرات لتفاصيل المدينة التي عاش فيها، كأنه يحاول بتكوين تلك المجسمات التي طالت التفاصيل الداخلية لبيته وحتى غرفته، أن يوثق حقيقة ما ربما اختبر ضياعها في زمن سابق، أو ربما لأن ضبابية تلك الحقيقة كانت دائماً جزءًا لا يتجزأ من طفولته، فيستمر الكاتب في طرح ذلك السؤال من خلاله عبر النص وبأكثر من صيغة فيقول: 

“يُفكر أوريجا الآن: أي حد يفصل بين المعنى الحرفي لعبارة ونظيره المجازي؟ ما الذي يجعلنا نتلقّى عبارة ما، باعتبارها الحقيقة، وعبارة أخرى، باعتبارها صورةً للحقيقة؟ لماذا نعبر سطح جملة ما ملتقطين المعنى المُلقى ببساطة على الشاطئ بينما نُضطر في جملة أخرى للغوص، كي ننتشل المعنى الغارق في الأعماق مهددين بالغرق رفقته؟ وهل تظل اللغة نفسها في الحالتين؟”

واستدراكاً لتلك الأسئلة التي محورها: “ما الحقيقة؟” -وهو سؤال شخصي أصيل بالمناسبة- يتكون السؤال الضمني: من القاتل ومن الضحية؟ والذي يقود بدوره إلى أسئلة أخرى مثل: من هو الأب؟ وما هو اليُتم؟ بالإضافة إلى السؤال المطروح؛ السؤال الذي يحمل رمزية في ذاته والعالق بالنص مثل ذيل متوارٍ أحياناً، وفارضاً نفسه بقوة في أحيان أخرى: من الذي قتل الأب؟ هل قُتل حقاً على يد ابنه، أم هو من قتل نفسه بنفسه؟ أم كان ميتاً كل تلك السنوات داخل جسد حي؟ وهل يصلح إصبع صغير للقتل حقاً؟ وإذا كان الابن قد تخيل حادثة القتل تلك وتحولت بمعجزة ما إلى واقع!.. هل يُعد ذلك جرماً؟ وهل كان الأصلح للبيت، للمدينة، للعالم.. أن يتم قتل ذلك الأب الذي مثّل هنا العجز بدلاً من تمثيله لفكرة السلطة؟

“القتلة جميعهم يُطلقون الرصاصة الأولى بنية قتل أنفسهم، والتردد فقط يجعلها تغير طريقها في اللحظة الأخيرة، لتقتل شخصاً آخر. بعدد مرات التردد يكون عدد القتلى، لذلك، فالقتلة هم أولئك المنتحرون الذين لا يزالون على قيد الحياة.”

ماكيت القاهرة

أما شخصية “نود” التي بدأ ظهورها في القاهرة سنة 2020 ، كمخرجة أفلام سينمائية تحاول عكس واقع المدينة من خلال كاميرتها، مُتحدية الوحدة التي عاشت معها في بيت طفولتها وشبابها عن طريق انسجامها مع تلك الوحدة؛ حيث ظلت تُصاحب رجلاً يظهر لها في المرآة فتعتني بوجوده كأنه هو أصل وجودها! وبتصويبها إصبعها كمسدس متخيل تجاه رجل المرآة ذاك في مشهد قتله، يُثار سؤال آخر: هل كانت “نود” تقتل وحدتها؟ أم تقتل كراهيتها لنفسها من خلال قتل أنيسها الوحيد؟ أم كانت تحاول قتل صورتها هي نفسها داخل المرآة؟ صورتها الحقيقية أو المزيفة!

“لقد أدركت نود أنه الشيء الوحيد الأصيل في حياتها، حبرها السري، والقطعة الأصلية اليتيمة في عالمها المؤلف من كل ما هو مقلد، هي التي لم تلمس أبداً شيئاً أصلياً، بدءاً من زجاجة البيرفيوم وحتى وجهها نفسه، الذي جاء محاكاة رديئة لتعاسة شخصين.”

ثم يبدأ ظهور شخصية “بلياردو” داخل حدود القاهرة في الزمن الأقدم في النص سنة 2011؛ الفترة الأكثر حرجاً والتي تتجسد فيها “القاهرة” ليس كإسم لمدينة وحسب؛ بل كمعنى دال بذاته على إجحاف ما: سطوة قاهرة، هشاشة قاهرة، ازدواجية قاهرة تتخلل مشاعر أبطال النص فتتأرجح بين إمكانية أن يكون كل منهم ضحية أو أن يكون قاتلاً! وفي إثر التعبير عن ذلك يتحول النص هنا من حكاية غايتها اللغة إلى نص غايته ترسيخ الشعور عن طريق اللغة.. حيث تُعمّق اللغة الحالة الشعورية لساكني المدينة بكل ما يحملونه من تناقضات وإشكاليات ظلت تخصهم لفترة طويلة من الزمن حتى انعكست تلك الإشكاليات على المدينة نفسها، ومثلما للمدينة أيضاً إشكالياتها، يطرح الكاتب ذلك التأرجح بين الاحتمالين ليظل هنالك سؤال أبدي؛ من منهما دمّر الآخر.. المدينة أم سكانها؟!

يقول الكاتب: “لا أحد يندهش في القاهرة، والإسفلت يتشرّب بالتساوي الدماء والمطر والبول، ثم ينشفها جميعاً بالطريقة نفسها، لتعود المدينة إلى جفافها ورطوبتها وسخونة هوائها، كأنها ظهيرة أبدية على تبدل الفصول والمواقيت.”

“في مدينة كالقاهرة لن تعثر على شيئ مهما تطلعت لأعلى، كان مؤمناً بذلك، ليس لأن السماء بعيدة، لكن، لأنك في اللحظة نفسها ستصبح جزءاً من صورة، انعكاساً على وجه عملاق لشخص شهير في لافتة أو سلعة تتوسع في ملصق، وفور أن تهبط بنظرك من جديد، ستكتشف أنك صرت شخصاً آخر، ستتحرك كانعكاس، كطيف لا يملك حتى مزية أن يكون شبحاً، لأنك ستبقى عرضةً للموت حتى وأنت غير مرئي”.

“ففي القاهرة، يعيش أولئك الذين لا يمكن رؤيتهم بالعين المجردة جنباً إلى جنب مع من لا يكفي العالم لاستيعاب أحجامهم. ربما يتجاورون بالصدفة في شارع مزدحم وقت ذروة أو فوق كوبري أكتوبر المتجمد أغلب اليوم، لكن، عندما يجيء دور الأمكنة المسقوفة، سواء كانت بيوتاً أو فنادق، فكل شخص يعود لحجمه الطبيعي، ولا يمكن لأحد أن يُخطئ الباب الذي يفتح غرفة على مقاسه.”

سنجد أن “بلياردو” الذي ظهر داخل النص كشاب ثلاثيني فقد إحدى عينيه خلال أحداث ثورة 25 يناير، ينظر دائماً بعينه الواحدة إلى الأسفل بحثاً عن شيء ما، معتبراً الأشياء التي يجدها خلال بحثه عزاءً له، خاصةً إذا كانت ذات قيمة لأشخاص آخرين.. كأنه يواسي فقدانه لكل شيء ذات قيمة في حياته بذلك الفقدان الذي يشعر به الآخرون!

“ما يفقده الناس كان يظهر لبلياردو طوعاً، لا يحتاج منه سوى نظرة مخلصة أسفل قدميه، وكان ذلك يشعره أنه ثأر عادل ممن لا ينظرون تحت أرجلهم، لأنهم يثقون في السماء أو الغد، وجميع تلك الكلمات البراقة التي لم تكن تعني لابن الثلاثين أي شيئ”.

ثم يكتمل بناء الشخصية تدريجياً لنكتشف أن بلياردو كان يحاول بذلك الثأر العادل من وجهة نظره مواراة عجزه بأكثر من طريقة؛ منها رسمه لصورته كجرافيتي على جدران الشوارع؛ محققاً بتكبير مقاسات وجهه على صفحة الجدار انتصاراته المتخيلة والزائفة، كما كان يواري عجزاً آخر بمصاحبة فتيات يُخفق في استمرار العلاقة بهن لأن يده كانت تتلوث دائماً بالمخلفات التي يقبض عليها من الأرض، بحيث لا يستطيع التمييز بينها أيها ثمين أو ليس له قيمة. “كان سلوكه يُثير امتعاض الفتيات بالذات، قرفهن، فبعد أمتار قليلة، تكون يده التي تقبض على الكف الأنثوي قد تلوثت تماماً بمخلفات المدينة، من الذهب للخراء.”

“عندما أصبح رأسه في مواجهة رأس جداريته، وبعد أن ابتلع الاستغراب، بدأ يتأمل وجهه المضاعف من أقرب نقطة. بدا له، للمفارقة، أكثر انفعالاً من وجهه الحقيقي. كان عملاقاً على هذا الجدار، لمرة أولى وأخيرة. وشعر بأمان غامض، كأن صورته الصامتة تلك على واجهة بيته قادرة على حمايته داخل البيت نفسه، وهذا هو الانتصار الوحيد الذي تتيحه المدينة لشخص لا تراه.”

“حتى هذه اللحظة التي انحنى فيها، ليلتقط عيناً بشرية، كان بلياردو على يقين من أنه انتصر على الجميع: من فقدوا آخر جنيهات في جيوبهم، مفاتيح شُققهم وسياراتهم، أوراقهم الشخصية. كان يقضي الليلة تلو الليلة مُجسداً في ذهنه صورة الشخص العاجز الآن عن الوصول لبيته، أو فتح باب شقته، أو إثبات هويته أمام لجنة أو كمين”.

“كان يتخيل دموع أناس كثيرين، نشلت يد المدينة جيوبهم المثقوبة، وكان عزاؤه أنه مهما اختلفت الأسباب، وسواء كان الشخص عائداً من جنازة أو زفاف، ففي ليل القاهرة الجميع يبكون.”

بلياردو الذي استلهم اسمه المستعار من كرات تشبه أعيناً تحمل كل واحدة منها بؤبؤاً، إلا كرة واحدة عمياء رغم بياضها، هل كان يعلم أن ذلك الاسم والتوقيع الملتصق به سيكون انعكاساً لحياته؛ وأن الفراغ الذي خلفته عينه المفقودة سيكتمل بفراغ آخر بعد فقدانه لعينه الأخرى ليصبح أعمى تماماً! وهل كان ذلك العمى رغماً عنه أم باختياره؟

“تخيل بلياردو عينه التي اقتلعتها رصاصة القناص، وهي تسقط بدورها تحت حذاء بلياردو جديد، أصغر منه بكثير، حتى إنه يراها عيناً عملاقة. وفكّر: هل حظيت عينه هذه بالتكريم ذاته أم أنها دهست ببساطة تحت أقدام المدينة، ولن تجد لنفسها مكاناً، حتى لو كان تجويفاً أخرس في جدار؟”

“كثيراً ما فكر بلياردو: عندما نفقد شيئاً، فإننا نسعى -بشكل لا واع- لتقريب صورة ما نجا لحقيقة ما ضاع، من حيث يُفترض أن نفعل العكس. وهكذا، ما إن يفقد شخص ما شيئاً رغم أنفه، حتى يبدأ رحلة منظمة، ليفقد كل شيء، لكن، بإرادته هذه المرة، كأنه فطن أخيراً أن كل ما يملكه موجود بالأساس ليخسره، لا ليستبقيه.”

في هذا النص، ثمة نوافذ تطل على نوافذ أخرى، وأبطال تطل على نفسها وتقترب منها حد الإمساك بها! كما أن ثمة حكاية عن المقاومة؛ عن مدى قدرة الفن على مقاومة اندثار المدن واختفاء أثرها، وفي الوقت ذاته عن مدى قدرته على تشويهها وطمس حقائقها. الفن الذي يُمثله “جاليري شغل كايرو” الذي يتوسط المدينة؛ كأن كل الطرق يجب أن تقود إليه في النهاية.. أو العكس! كأن الفن الذي يُنتجه هو الذي سينساب مثل مياه نهر إلى شوارع المدينة وأزقتها ليعبر عتبات مبانيها ويصعد سلالمها حتى يصل إلى القاطنين في أعقار بيوتهم. ذلك الفن الذي ظهر في محيط شخصية “المسز” حاضراً على امتداد صفحات الرواية؛ كفكرة وكتفاصيل وكمرجع ربما لنظرة راوي النص التي تندرج تحت نظرة الكاتب نفسه، والذي استخدم ذلك النص بالذات في رأيي ليس من أجل توثيق آرائه عن الفن وحسب، بل كحيلة تجريبية -كعادة نصوصه- لقول الحقيقة، عبر حكاية مُختلقة تضم ألعاباً سردية ومتاهات مرهقة لا لتوثق الحقيقة فقط، بل لكي تحميها أيضاً.. معولاً في ذلك بشكل كبير على تلقي القارئ للعبته وإشراكه -أو ربما توريطه- فيها حتى يشعر أنه أصبح جزءاً منها، وأن فوزه لن يتحقق إلا بوصوله إلى نهايتها.

وبالعودة إلى الجاليري الذي تم تقديم الفن عبره كوسيلة للمقاومة -أو كوسيلة للاستنساخ والتزييف-، حيث قالت المسز: أن “هدف المشروع توثيق المدينة في لحظات تاريخية محددة ودالة”، من خلال أربعة أصناف من الفنون: صنع المصغرات، التصوير السينمائي، الجرافيتي، الكوميكس.. ومن خلال النص التخييلي الذي طرح الكاتب عبره أفكاراً عن ضآلة المدينة بالنسبة لسكانها والعكس، واستكمالاً لطرح الأسئلة: هل كان يريد الجاليري حقاً حفظ ذاكرة المدينة أم تشويهها؟! وهل “التخييل يمكن أن يُصبح مرجعاً للواقع.. أم العكس”.

يقول الكاتب من خلال شخصية المسز: “للأسف، ينصب اهتمام الناس على رعب الخيال حين يطرأ على الواقع.. ولا أحد يفكر في رعب الواقع حين يطرأ على الخيال.. وأكثر من ذلك، رعب الخيال حين يطرأ على الخيال، وبحيث لا يصبح الواقع أكثر من مرجع بعيد، لم يعد له وجود. وهذا ما يحدث بظهور شبح في مرآة شبح.. أو رواية في مرآة رواية.. أو قصيدة في مرآة قصيدة.. أو فيلم في مرآة فيلم.”

“أقسى ما في المتخيل أنه يمنح كل شخص نسخته من الواقع، مثل ماكينة هائلة، تصنع مفاتيح مختلفة، تفتح جميعها باباً واحداً. هل يمكن أن ندخل جميعاً البيت نفسه، كل بمفتاح مختلف؟ إن هذا يعني ببساطة أن لا وجود للباب”.

إذا ما حاولنا تحليل القصدية من عدم وجود الباب يجب أن نحاول تحديد أي بيت يقصد بالضبط! وإذا ما اعتبرنا أنه يقصد باب مدينة وليس بيتاً عادياً، وبترسيخ المعنى عبر تقسيم الجمل عن طريق فصلات تُفصل المعنى وتؤكد عليه، سأقول إنه يقصد بالمدينة القاهرة بالطبع، القاهرة الواقعية أو المتخيلة، وأن المفاتيح المقصودة هم الأشخاص أنفسهم، سكان المدينة.

هنالك إشارات عبر النص إلى لغة “المسز” ورمزية مجازها، واختلاط لهجتها بأخرى أجنبية تُشير لكنتها إلى عدم انتمائها لتلك المدينة، بالإضافة إلى وجود إيحاء بألوهية ما وسلطة حاضرة طوال الوقت تتمثل في شخصيتها بالتوازي مع حضور كتاب منسي عجرم الذي لا يحمل اسماً سوى اسم كاتبه، وحيث أن أبطال النص كلهم فنانون، وكلهم كانوا يحاولون المقاومة عن طريق الفن، كل فيما يخصه، كان من الطبيعي أن يكون المجاز جزءاً كبيراً من لغة “المسز”، تناقشهم في كيفية استخدام ذلك الفن كمقاومة لتشويه ذاكرة المدينة وفي مدى جدواه لتحقيق ذلك، بلغة يفهمها ويتكلمها الجميع، راغبة هي نفسها ضمنياً في تحقيق ذلك التشويه وتدمير المدينة من أجل بناء مدينة أخرى.

وانطلاقاً من أفكار مثل تلك حاول إمام كتابة الحكاية من وجهة نظره، كفنان يُقيم -ظاهرياً- عالماً على رُفات عالم آخر، لكنه في الحقيقة كان يحاول بذلك النص التخييلي إحياء تفاصيل سقطت بالفعل، وتفاصيل أخرى ثمة محاولات لمحوها من ذاكرة مدينة كانت ومازالت محلاً لنزاع ما بين عدة أطراف، لم يكن الكاتب معنياً بإلقاء الضوء عليهم بقدر ما اعتنى بكيفية طرح الأسئلة حول وجودهم ووجود الفن ووجوده هو شخصياً، أسئلة لا تُحرض على إجابات بقدر ما تحرض على ولادة أسئلة جديدة.

“ما الذي يمكن أن يروي البيوت لتكبر؟ بالتأكيد ليس الماء، هل يكون الدم؟ وما الذي يجب أن يكون ثمرة بيت ما؟ ما الذي تطرحه البيوت غير ساكنيها؟”.

وعلى لسان المسز حول ماكيت القاهرة: “لماذا تبحث عن انسجام فيما نحاكي عملاً ينهض في جوهره على التنافر؟”

واستناداً إلى وجود ذلك التنافر في الواقع تستحيل فكرة وجود إجابات محددة على أي من الأسئلة المطروحة،

“ففي أحيان كثيرة، يكون العجز عن الإجابة، أو نسيانها، أو التشكيك فيها، أسباباً كافيةً، لتوكل إلى شخص ما مهمة إعادة تعريف أشد الحيوات تعقيداً، سواء كانت حياة شخص أو حياة مدينة.”

“يصير الناس أقرب ما يكونون لبعضهم عندما يشتركون في فقد الشيء ذاته. إنها رابطة أعمق من رابطة الدم. يكونون على استعداد للموت من أجل شبيههم في الخسران، ولن تعرف أبداً، هل يفعلون ذلك دفاعاً عمّا تبقّى أم ثأراً لما ضاع.”

كما تُثار إشكالية أخرى لها علاقة بأحداث ثورة 2011؛ هل كان هنالك أمل لئلا يحدث كل ما حدث؟ وهل ما حدث كان يستحق أن يفقد إزاءه سكان المدينة كل ما فقدوه، وأن تفقد المدينة نفسها الأمل في خلق حياة مختلفة على أرض نفس المدينة دون الحاجة إلى إنشاء مدينة جديدة.. وبصيغة أخرى! هل كانت هنالك أية فرصة للنجاة؟!

يقول الكاتب: “كلما نجح في الفرار، كان بلياردو يفكر أن أسوأ ما في النجاة أنها تُفقد المرء كبرياءه. مرة بعد مرة، كان يسأل نفسه: أي نجاة وهمية يمثلها الهرب، وفي الوقت نفسه، أي شجاعة زائفة، تنطوي عليها مواجهة مع مدينة، لا ترى من يراها؟”

 

“طارق إمام” روائي مصري صدرت له سبعة روايات: شريعة القطة، هدوء القتلة، الأرملة تكتب الخطابات سراً، ضريح أبي، الحياة الثانية لقسطنطين كفافيس ورواية طعم النوم. كما صدرت له خمسة مجموعات قصصية منها طيور جديدة لم يُفسدها الهواء، شارع آخر لكائن، حكاية رجل عجوز كلما حلم بمدينة مات فيها، ومدينة الحوائط اللانهائية. حصل على عدة جوائز أدبية منها جائزة الدولة التشجيعية، جائزة ساويرس وجائزة متحف الكلمة الإسبانية.

مقالات من نفس القسم