طقم صيني

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 3
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

سارة شحاته

لا أحد يمتلك ما تمتلكه خالتي من تحف نادرة.. هي بالفعل ملكة الامتلاك كما ألقبها.. خبيرة التسوق ويعرفها كافة أصحاب المتاجر.. تدرك كيفية إتمام أفضل الصفقات وتحصل على أثمن الأشياء بأرخص الأسعار.. تدرك أي المتاجر لديه أفضل المنسوجات وأي لديه أفضل الآواني.. تدرك متي تهرع للشراء من التصفيات ومتى تنتظر انتهائها حتى تتسوق في مناخ هادئ لتجد ما تريده..ربما لو عرفت كيف تستغل تلك المهارات القوية في الشراء لغدت أبرع متخصصة في عالم المشتريات إن كان هناك وظيفة مثلها.. ولم لا؟ ألا توجد وظيفة (الفاشونيستا) وذواقي الطعام.. فلابد أن تبتكر لنفسها تلك الوظيفة فهي قادرة على مساعدة المئات في التسوق والحصول على ال”لقط” كما تلقبها.

وعلى النقيض تماماً ابنتها.. فبعد زواجها قررت أنها لن تقوم بتخزين أي شيء ولن تشتري إلا للضرورة فحسب.. في سنوات صبانا كانت تشتكي (داليا) لي من حرص أمها على الاحتفاظ بكل وأي شيء.. قوارير المياة الفارغة.. ملابسها وهي طفلة.. جرائد قديمة .. ناهيك عن المعاناة التي تواجهها حين تطلب منها أن تستخدم أحد أواني المطبخ الجديدة التي ابتاعتها العام الماضي ولازالت في علبتها دون استخدام.

كانت معركة شرسة قد دبت بينها وبين زوج خالتي تدخلت فيه أمي حتى لا تتطور المشكلة .كل ذلك لأنه تجرأ وتناول طعامه في أحد أطباق الطقم الصيني .. ف(نيش) خالتي هو محراب لا يفتحه أحد ولا يلمس محتوياته أحد ولو حتى تطرأ تلك الفكرة في رأسه.

كانت أفضل اللحظات هي تلك التي تكون بمزاج رائق وتخرج لنا آخر مشترياتها من (جاليري) في تصفياته النهائية .. شمعداناً نحاسياً رائع الجمال .. تمثال لسيدة حزينة من خشب الأبنوس .. طقم كاسات كريستال بوهيمي أصلي حصلت عليه بنصف الثمن .

كانت تلمع عيناها وهي تعرض لنا بفخر تلك المشتريات وتمسكها في حنان وهي تشعر بالسعادة الحقيقية ربما لم أرها على ملامحها من قبل بذلك النقاء.. وكلما سألتها ابنتها بسأم إن كانت ستستخدم كل تلك الأشياء فترد أنها تدخرها لجهازها فهي لن تجد مثلهم أبداً وستكون قيمتها عالية جداً بعد بضع سنوات.

منزل خالتي منذ عرفته وهو يتسم بالتكدس.. كراتين أسفل كل شيء.. أسفل ال(بوفيهات) وأسفل الأسرّة.. وفوق خزانات الملابس.. لديها عشرات الأثواب الرائعة التي اشترتها على مدار أعوام والتي تدير رأسي كلما قامت بعرضها علي.

لديها كل ما يخطر على بال من أثواب لكل مناسبة.. حفلات زفاف.. أثواب سهرة.. أثواب قصيرة مثيرة  .. لكنها تلتزم بنفس الثياب التقليدية التي ترتديها للذهاب للعمل أو الزيارات..تحتفظ بكل تلك الكنوز في أكياس بلاستيكية شفافة تخرجها بين الحين والآخر لتراها وتمتع عينيها بها في لحظات رضا عن الوجود ثم تعيدها مرة أخرى لمكانها.

عبثاً حاولت (داليا) إقناعها بارتداء أي منها في كل مرة تخرج له ثوباً تردد لها بفزع لا وأنها تدخره لمناسبة لائقة..وطيلة معرفتي بها لم تأت تلك المناسبة قط.

كانت أفضل لحظات حياتها روعة هي حين خطبت (داليا) فهي كانت تنتظر تلك اللحظة بفارغ الصبر وبدأت في إخراج كافة المشتريات من كاسات وأطقم أطباق وأطقم ملاعق ومفروشات جمعتها خلال سنوات .. لكن علي العكس كانت أتعس لحظات (داليا) كذلك.. فأغلب المشتريات كانت انتهت موضتها ولم تكن تعجب ذوق ابنتها ومن ثم نشبت الخلافات لأنها جاحدة لا تعلم كم من الوقت والجهد والمال بذلته لشراء تلك التحف لها.. كنت أجد المشتريات جميلة بالفعل.. فذوق خالتي راقي للغاية ولكن يبدو أن (داليا) أصيبت بحالة رفض لكل ما هو مختزن.. أخبرتها أنها ستبتاع كل شيئ جديداً وبكميات قليلة حسب احتياجاتها ويكون على ذوقها هي دون أن يختاره أحد بالنيابة عنها

-” مش حتجوز بطقم صيني اشترته لي وانا في الحضانة”

أخبرها أن الطقم الصيني فخم للغاية وأجده بالفعل جميلاً جداً فهو كلاسيكي يعد من الأنتيكات فترد بغضب شديد أنها لا تريده ولن يدخل منزلها الجديد.

منذ بداية زواجها وقد وضعت (داليا) قواعد صارمة لحياتها.. منعت خالتي من التدخل فيها أو في طريقة إدارتها لمنزلها من ترتيب ديكور المنزل أو ما تبتاع وما لا تبتاع .. قامت بالنقيض من كل ما كانت تقوم به خالتي في منزلها حتى لوكانت أشياء تحبها فقط لتحس بالانسلاخ من جلدها القديم.. لم تكن تبتاع الملابس في التخفيضات للموسم التالي بل صارت تبتاع في أول الموسم حتى لو كان بضعف الثمن.

والتزمت خالتي بالإتفاق رغم امتعاضها ورؤيتها أن ابنتها تحيا حياتها بتبذير.. كانت تتعمد (داليا) أن تخرج الطقم الصيني لنا عند كل زيارة لها وتبالغ أن تقدم الطعام فيه للصغار لتتلذذ برؤية ملامح وجه خالتي المرتبعة لكل هذا التجديف الذي يحدث أمامها.

لا يمكن أن تتهم خالتي بالبخل ..  فهي لم تكن حتى قريبة منه.. فكانت تبتاع ما يريده كافة أفراد المنزل.. لكنها كانت لديها حالة من الرغبة في التخزين.. رغبة دفينة في إدخار الجميل لمناسبة أجمل لا تراها قد أتت بعد.. تبتاع ثوبين فتدخر الأجمل ولا ترتديه. تبتاع ديكورات لامكان لها بمنزلها لأنها “لقطة” وستجد لها مكاناً يوماً ما.. كانت كأنها تحيا داخل (النيش) الخاص بها.. تدخر المقتنيات واللحظات الأفضل والأقيم والأكثر أناقة لأوقات ومناسبات خاصة قادمة في الأفق..أحياناً كنت أشعر أنها تدخر حتى مشاعرها لمناسبات أهم.

حسناً يبدو أن تلك المناسبات لم تأت أبداً.. فبعد رحيل آخر السيدات من عزائها في منزل خالتي .. قررت (داليا) أن تخرج كافة المقتنيات لتكون صدقة جارية على روحها.

كم مهول من الملابس أخرجناه من خزانة ملابسها.. أكثر من نصفه كان لايزال بالعلامة التجارية التي تم شرائه بها.. قطع لاحصر لها لم ترتديها قط.. اتأمل (داليا) في قلق وهي تتأمل ملابسها وتهز رأسها بأسى ..لا تتحدث وتقوم بكل شيء في صمت تام.

تركنا البعض من الملابس لم نستطع التبرع به .. فكان هناك فراء ثعلب وجدناه صدفة وأحذية ذات كعوب رفيعة للغاية لا تناسب من ستعطى لهم تلك الملابس.. تخرج (داليا) مجموعة من الشعر المستعار داخل أكياس مغلقة  يبدو أن خالتي قد اشترتها في سبيعينات القرن الماضي حين كانت موضتها رائجة ولم ترتدها كعادتها.

ارتدت إحداها شقراء اللون فوق رأسها فبدت كشادية في مرحلة الستينات حين كانت الممثلات تبدين وكأنه هناك رأساً آخراً فوق رؤوسهن.. تضع باروكة حمراء فوق رأسي فنضج ضحكاً حتى تؤلمني ضلوعي ونسقط أرضاً وتستسلم (داليا) لبكاء صامت لا اتدخل لإيقافه فهي بحاجة له.

ألمح بجوار فراء الثعلب الخف المنزلي الذي كانت ترتديه خالتي والذي بليت أطرافه وحال لونه بينما تغلق (داليا) حقيبة كاملة من الأحذية التي لم تستخدم قط.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

روائية وقاصّة مصرية ـ من مجموعتها (كل علب الشيكولاته) صادرة مؤخرًا عن روافد للنشر

مقالات من نفس القسم