حوار مع الشاعر المصري صلاح عبد الصبور

صلاح عبد الصبور
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

كتابة وحوار: أسعد الجبوري

لم تعمل الرياحُ عملها المُضِرّ بحركة ذلك المنطاد الذي ارتفع بنا إلى أعالي السموات من أجل انجاز هذا الحوار مع الشاعر المصري المغدور. كنا نستمع إلى أغاني أم كلثوم على مدار الرحلة التي تحررت من الجاذبية،فدخلت المجال السمواي الحُرّ دون عوائق تذكر.

ما أن هبط بنا المنطادُ البنفسجي على الأرض الجديدة،حتى بدأنا رحلة البحث عن مكان إقامة الشاعر صلاح عبد الصبور(3 مايو 1931-14 اغسطس 1981).منهم من أخبرنا بأنه يعيش تحت ظلال المنفلوطي،بينما أفصحوا لنا آخرون عن منزل له وراء تلال الغيوم،بعد أن أخذ بيده أبو الهول ليكون معه على خط المدى البصري للفردوس الأخير من السماء الخامسة.

إلا أن المفاجأة،كانت بظهور الشاعر صلاح عبد الصبور منتشٍياً على ظهر طير “البلاتو”  الشبيه باللقلق العملاق،وهو يحط بيننا شاطباً كلّ الاحتمالات،ومرحباً بنا لإجراء هذا الحوار في مقهى يطلُ على نهر الدخان الأزرق.

 جلسنا هناك.تبادلنا الأنخاب والدموع والأغنيات،ومن ثم فتحنا باب الأسئلة:

س:ما الفرق ما بين بُنى المدن وبُنى الشعر؟

ج-ربما هو الفرق ما بين الحجر والماء نفسهُ.

س:تقصد أن المدن تولدُ من الحجارة وتموت، فيما الشعر يولدُ ماءً ولا يموت؟

ج _ بالضبط.العمران قد يتهدم بزلزال أو فعل إرهابي، فيما كلّ اللغات، تمنحُ الشعر الحقيقي درعاً لحماية نفسه من العدم.

س:وهل بتدريّع الشعر، تكمنُ لذّته بمواصلة الحياة على سبيل المثال؟

ج- لا أعرف. ولكن الشعر، عادةً ما يقاومُ الموت بالحركة.

س:تعني الإيقاع؟

ج _ نعم.فهو ضامنٌ حقيقي لديمومة الشاعر في مجرى قوانين اللغة والقواعد الأخرى.

س:ضامنٌ حقيقي في مجرى اللغة أم في مجرى الأنغام الوزنية تعني ؟

ج-سأقول لك شيئاً مهماً:لا شعر دون وزن.

س:تعني أن قطار الشعر،لا يتحرك دون تلك السكك الموسيقية؟!

ج _ قد يستطيع التحرك سنتمترات، ولكن ليس خارج تلك السكك.

س:وما المعنى ؟

ج- لا وجود لمعنى آخر، غير أن خروج الشاعر عن القواعد، لا يقود نفسه إلى التهلكة.

س: لمَ يعتقد صلاح عبد الصبور،بأن الشعر عمارة لا تُشيّدُها غير الأوزان والقوافي.هل هي التربية الأدبية القائمة على النظرة الضيقة تلك ؟!!

ج _ أنا لا أصرّ على التعايش مع قوانين الفراهيدي وقواعده وحسب، بقدر ما أرى الشعر رقصاً على صفيح ساخن.

س: ولا تتوفر إمكانية لفهم الشعر، إلا رقصاً مشروطاً على صفيح ساخن مثلاً ؟

ج- لقد تعلمتُ تقليدَ عمرو بن كلثوم والمتنبي منذ بداياتي،ووجدتُ في التناص مع قصائدهم، نشوةً لا تضاهى بالتماهي مع أحد من غير القادة الاسلاف.

س:يبدو أن تلك النشوة ما تزال مستمرة حتى الآن.أليس كذلك يا صلاح ؟

ج _ بالضبط. فلا يمكن التخلص من الموسيقى الإيقاعية إلا بطفرة غير وراثية.

س:تعني أن الانفكاك عن الأسلاف صعبٌ أم مؤلمٌ ومستحيل؟

ج- لا أفكر بفك الارتباط  بالماضي أبداً.

س:تعني ان الشاعر صلاح عبد الصبور،يقيمُ جسراً ما بين التراث والمعاصرة؟

ج _ ليس جسراً واحداً،وإنما لأن الشعر في بلادي ترابٌ لم تنهض فلزاتهُ من النوم بعد.

س:وما المانع الذي يحول دون تحريك تلك الفلزات برأيك؟

ج-الخوف.الجبن.الانبطاح لسلطة الأسلاف الحاكمة من المدافن.

س:ولمَ لا تقول الفراغ،أو وعدم قدرة شعراء مصر على جعل الشعر مواكباً لحركة النيل الذي شاكس الطبيعة،فسال من الجنوب إلى الشمال.

ج-ربما. فالأغنية،وكأنها لازمةُ المصري اليومية في المقهى والباص والشارع والحانة والكورنيش وعلى ظهر اليخت المرسوم على الورق؟

س:لازمتهُ أم متلازمة شبيهة بمتلازمة داون ؟

ج _ ما أقصده هو لازمته الروحية،وليست تلك التي تخصّ المورثات في الكروموسومات الصبغية.نحن المصريين نعيش في مجرى الطرب والكوميديا.

س:والشعرُ. أين موقع الشعرِ ؟

ج-الناس في مجرى الأغنية والشعر العامي.فهما جسدٌ واحدٌ يشتركُ في تطريب أهل مصر.

س:أهو البناء الثقافي الذي أوصل الناس إلى هذا الجسد الذي تتحكم فيه تلك القوتان:الأغنية والشعر المحكي؟

ج _ أعتقدُ ذلك.فكلما كثرت المواليد وارتفع تعداد السكان بالملايين،كلما خضعت بنية المجتمعات الثقافية لرياح اللاهوت،فتصبح العادات والتقاليد والأخلاق هي خطوط السكك لعامة الناس.أي هي ثقافتهم دون منازع.

س:ولكن صلاح عبد الصبور خرج من الرحم الشعبي في الزقازيق شاعراً ومسرحياً ومثقفاً،ولم يأت من الفضاء الخارجي.كيف بنيتَ نفسك وأنت ابن تلك البيئة؟

ج-ربما لأنني قفزتُ ذات يوم من الدروب الترابية الموحلة إلى أرصفة المدن المبلطة،نافضاً الغبار عن النفس ومنخرطاً ولو بنسبة قليلة بغير مجرى ثقافة العامة.

س:تقصد انك هربت إلى الثقافة هروباً ؟

ج _بالضبط.فذلك ما حدث لي في اربعينات القرن العشرين.

س:الهروب إلى الثقافة بغطاء سياسي ؟

ج-نعم.فلم تكن الثقافة في مصر يوماً مُفَرّغةً من السياسي.ففي الخمسينات والستينات من القرن الفائت،كانت الآداب والفنون تدور في فلك السياسة حتى دون الانتماء الأيديولوجي لمجموعة الأحزاب في بلاد النيل.

س:تقصدُ أن مصر، لم تكن أم الدنيا وحسب،بل كانت فتيل الثورات القومية في العالم العربي ؟

ج _ ذلك ما كان بالفعل.فمصر هي المنتج الأول لمجمل حركات التحرر العربية.وكنا بمثابة المصنع الخاص بتصدير أجنحة النار تخلصاً من المستعمرين وثكنات الفكر الغربي.

س:وهل وضع صلاح عبد الصبور نفسه تحت حساب الشعر أم تحت أمرة السياسة؟

ج- كنت قلقاً في حركاتي،فتارةً أقع في شرك الانتماء شبه الرسمي للنظام،وتارة تجدني بعيداً،ويكتب للثورة من وراء زجاج النوافذ.

س:كنتَ مستنكفاً، كأن تضع نفسك بخدمة الثورة على سبيل المثال؟

ج _ نعم.كان صعباً علىّ أن أكون غلام الخطاب الحكومي بالمعنى الدقيق.

س:هل كنتَ تخاف من التنميط السياسي أم الأدبي على سبيل المثال؟

ج-حاولتُ الابتعاد فقط.

س:ولكنك لم تنج بجلدك من الناصرية وآثار الزعيم جمال عبد الناصر.أليس كذلك؟

ج _ للحقيقة،كنتُ ناصرياً في الباطن العميق.

س: وعصبة ((الجمعية الأدبية)) ألا تعتبر ظلاً لحزب ما من أحزاب مصر ؟

ج _الأدب في مصر،ومنه الشعر على وجه الخصوص،كان رافداً للثورة وعاملاً لرفع المعنويات بالضدّ من العدوان الثلاثي في حرب السويس على وطني.

س:كيف يقرأ الشاعرُ صفحات الحرب في سجلات التاريخ؟

ج _ بالأعين التي تشتعلُ فيها النيرانُ.

س:وهل النارُ برأي صلاح عبد الصبور تقرأ ؟

ج _ ما من شئ ولا يقرأ شيئاً.

س:تعني ان الموجودات تتنهي رماداً،ومن ثم يستعيد الحياةَ ؟

ج _ما من عدم أبدي.

س:هل تقصد أن العدمَ ليس سوى فكاهة إلهية؟

ج _ لا أظن أن المسرح الكوني،لا يستوعبُ فكرةً من هذا القبيل.

س:هل سبق لك وان أسست مثل تلك الفكرة للمسرح الذي سبق وأن كتب له ؟

ج _ لا بالتأكيد.

س:لماذا ؟

ج _ لأن العقل المصري العربي الإسلامي، لم يتستطع تجاوز عقدة المُقدّس بعد.

س:هل من الضروري تطبيق مثل فكرة التجاوز تلك؟

ج _ نعم.فلا حركة أو حراكاً يتم في دم الشعوب دون التخلي عن الثابت.ليس بالضرورة محوه،بل بعدم الالتزام بجبروته.

س:ولكنك تتحدث عن التحولات،فيما أغلب شعراء مصر يغطون نياماً في مهاجع الشعر وقواويشيه التقليدية،كتابعين للغة الزمن الماضي.ألا تعتقد بصحة طرح كهذا ؟

ج _ ولكن الماضي برأيي، يكادُ أن يفقد سيطرته على الشعر.

س:وهل تظن أن شعر صلاح عبد الصبور  قد تحرر من سطوة الزمن القديم ؟

ج _ بالضبط.

س:وكم يمكن حساب نسبة ذلك؟

ج _ بنسبة كبيرة كما أظن.فأنا ومنذ مطلع الستينات،وجدت قدميّ خارج رقع الأسلاف.

س:ألا تعتقد بأن في كلامك مبالغة ؟

ج _ بنظر شعراء الشعر المنثور ربما.فهؤلاء غربيون،ويحاولون تغريب الشعر العربي،ووضعه تحت  وصاية المظلة الأوروبية.

س:هل لأن قصيدة النثر عملت للشعر العربي نوعاً من الـ  ((حجامة)) فانتصرت له بعد طرد الدم الفاسد من جسم الشعر؟

ج _ لا أميل إلى هذا الطرح أبداً.

س:لماذا. هل لأنه لا يُطربكَ أنت ومن كان من جيلك على سبيل المثال ؟

ج _ لقد ولدنا على تراب عربي،ولنا جذور يجب احترامها.فيما قصيدة النثر التي تغطيها بمثل هذا المصطلح الخاطئ،طارئة ولا أرض لها هنا.

س:لقد كنت أنت ورهط طويل من جيلك،أشبه بكتبة من الملتزمين بقواعد خليلية لا نبوغ فيها،وليس لها من الآفاق سوى البعد الايقاعي المرتبط بالشاحن  السياسي.

ج _ وماذا نفعل،إذا كنا من مواليد عصر الصراع مع الاستعمار؟

س:تقصد أن السياسة تحوّل الشاعر إلى كاتب أناشيد ساذجة ليس غير ؟

ج _ هي تفعل ذلك،ولكنني نأيت بنفسي عن أكوام من تلك الأناشيد والأغاني.

س:هل هذا اعتراف بأن دور السياسة في الشعر، كان دوراً تدميرياً لجماليات القصيدة في مصر ؟

ج _ نعم.كنا جوقات شعرية حزينة ومنكوبة معنىً ومبنىً.

س:وذلك ما يؤكد أن تكتب قصيدة من هذا النمط البسيط العادي الإنشائي :

 ((ياصاحبي إني حزين

طلع الصباح فما ابتسمت ولم ينر وجهي الصباح

وخرجت من جوف المدينة أطلب الرزق المتاح

وغمست في ماء القناعة خبز أيامي الكفاف

ورجعت بعد الظهر في جيبي قروش ))

 هل هذا هو الشعرُ يا صلاح ؟

ج _ لا يُكلفُ الواقعُ النفسَ إلا شعراً من ذلك الطراز.

س:وهل يمكن الاعتماد عليه في تطوير تيارات الحداثة برأيك ؟

ج _ لا أعتقد.ولكن كل ما فعلته السياسةُ سابقاً، أو  ما يفعله السياسيون على تلك الأرض راهناً، هو حفر قبور للشعر.

س:لا أعتقد السياسةُ وحدها،هي كلّ ما فعلته بجعل الشعر متخلفاً إلى تلك الدرجة.وإلا فأين مقام المخيّلة في رأسك،أو في رؤوس الشعراء من جيل الخمسينات والستينات والسبعينات والثمانينات ؟

ج _ ربما لأن الرواية ابتلعت الشعرَ في وادي النيل،ولم تبق من الشعراء سوى العظام ؟

س:تلك أراء النقاد.ولهم في الشعر والشعراء شؤون وشجون.ولكننا نبحث عن الأمراض التي تعيش على دم الشعر المصري.

ج _ قصرُ بصر المخيّلة ليس إلا.

س:وكم من الأعين للمخيّلة برأي صلاح عبد الصبور؟

ج _ لا أعرف.وربما لا ينجح أطباءُ العيون بتحديد ذلك حتى.

س: لمَ تؤكدُ ذلك باصرار ؟

ج _ قد يعرف أبو الهول ذلك وحده،فيما لو سألته أنت.  

س:أتعتقدُ بأن الشعر المصري ما زال في مرحلة الحجر،أم أن فلزاته ظهرت واستُعملتْ كتابة وتداولاً؟

ج _ أعتقد بأن الشعر المصري تتلمذ على يد الحجار الأكبر أحمد عبد المعطي حجازي،فصار حجراً فوق حجر تحت حجر. لقد كان وما يزال حجازي أفضل حاجب لمنع الشعر المصري من التقدم إلا بخطوات نادرة.هذا الشخص جرّ الشعر إلى الهاوية،ليستثمر المال فقط.

 س:وماذا فعل حجازي،ليصبح الشعر ميتاً ويتساوى مع حجارة الطريق ؟

ج _ افلاسه الشعري،دفعه للتمكن من أغلب مرافق الشعر،فتسلط على مجلات وصحف ومراكز رسمية،ليطوق الشعراء بموجاتهم المتنوعة،ويُشيد السدّ العالي الثاني بوجه كل حداثة.بعبارة أدق،حجازي ابن السلطة المناوئ لتطوير إدوات الشاعر وتطوره،وفي مقدمة تلك الأدوات:المخيّلة.

 س:أنت تقول ذلك بدافع أخذ الثأر منه.أليس كذلك؟

ج _لا.أنا هنا أتحدث عن دوره في اضمحلال الحركة الشعرية في مصر وتشويهها.إما فيما يخصّ قصة الاعتداء على حياتي في منزله،فلتلك الجريمة شأن آخر.

 س:هل تتهم حجازي بقتلك؟

ج _ نعم. أتهمُ أحمد عبد المعطي حجازي باغتالني،وأنا بانتظار وصوله إلى هنا،ليأخذ الطريق السريع من قبره المفتوح تحت ثيابه الآن،وإلى مكانه الطبيعي في جهنم وبئس المصير.

 س:تقصد في سهرة تلك الليلة السوداء النارية في منزله،عندما اتهمك قائلاً: ((أنت بعت يا صلاح)) ويقصد بيع القضية الفلسطينة والقبول بفتح جناح للكيان الاسرائلي في معرض القاهرة للكتاب عام 1981. أي بعد قبولك رئاسة ((الهيئة المصرية العامة للكتاب» في مصر ؟

ج _ بالضبط.فأنا لم اوافق على منح إسرائيل حق المشاركة في معرض الكتاب. الذي فتح باب التطبيع من النافذة الثقافية مع إسرائيل هو أنيس منصور.

 س:هل تعلم ماذا علقت ابنتك( معتزة ) عن تلك الحادثة.قالت :
(( صلاح عبد الصبور لم يوافق على مشاركة إسرائيل في معرض القاهرة الدولى للكتاب، فمن كان يسعى لمشاركة إسرائيل هو أنيس منصور والذي كان يكره والدى كراهية التحريم ومعروف بأنه رجل تطبيعي، وكان هو صاحب فكرة أن يكون لإسرائيل جناح في المعرض وأن يأتي القرار مباشرة من رئيس الجمهورية السادات في ذلك الوقت، ورفض صلاح عبد الصبور هذا القرار وترك استقالته من رئاسة هيئة الكتاب على مكتبه، ولم تقبل الاستقالة، وبعدها سافر والدي إلى أمريكا في شهر مايو تقريبا، متعاقدا مع جامعة هارفارد للعمل أستاذا للأدب العربي، متخذا قرارًا بأنه لن يعيش في مصر، ولكن الموت لم يمهله الفرصة للسفر. )).

ج _ أغلب كتّاب مصر يعرفون تلك الحقائق،وليست ابنتي وحدها.ولكن القصة لم تصل إلى أن تكون قضية رأي عام.إذ سرعان ما تم التعتيم عليها،وتسليم جسمي للتراب،لتنقبر تلك الجريمة معي.

 س:ألا تعتقد أن ميتتك هي جزء من تكوينك المسرحي الذي سبق وأن كتبت فيه العديد من المسرحيات كمسرحية ((مأساة الحلاج )) على سبيل المثال؟

ج _ يمكن أن يكون ذلك الفصل الأخير من مسرح حياتي.فقد انتهينا أنا والحلاج بالمصير ذاتهنولكن بطريقتين مختلفتين. 

 س:ماذا كان وراء استغراق صلاح عبد الصبور بالمسرح،فأنت كتبت منذ الستينات “الأميرة تنتظر” عام 1966م، و”مأساة الحلاج” عام 1964م، و”بعد أن” عام 1975م، و”مسافر ليل” عام 1968م، و”ليلى والمجنون” عام 1971م.

ج _كنت متعلقاً بخشبة انقاذ الناس.فقد كان المسرح أدباً لتشريح آلام الأجساد المُعذَبة وجعلها ناطقة ضد الظالم.

 س:هل لأن المسرح هو الفن الأقرب للشعوب من الشعر والرواية كما تعتقد؟

ج _ بالضبط.المسرح ليس ورقاً يُجمع وراء أغلفة تُلّونُ وتُطبع.إنما هو الإقامة بين الناس.فكل جملة مسرحية،هي احتكاك بلحوم البشر وعظامهم وتعبيراً عن مشاعرهم.

 س:هل تعني أن المسرح تعبير عن أصوات الأرواح المكبوتة،وليس تنفيساً لها؟

ج _ نعم.المسرح الحقيقي في مصر،كان يعتمد على التعبير الحرّ والمباشر عن أوجاع البشر،عكس المسرح التنفيسي التجاري الذي لا يأخذ هموم الناس مأخذاً جدياً،لأنه مشغول بالاضحاك ومسرحة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية كوميدياً لا يشفي العلل أو يقدم الترياق.

 س:كيف نفهم مسرح نفسك الخاص ؟

ج _ أنا مصري معجون بالغناء وبالألم،ولم أكن شخصاً أسطورياً.حاولت استخراج ما في باطني من طاقات أدبية،لتكون في خدمة الناس ليس إلا.

س/كيف كنت تنظر إلى أم كلثوم ؟

ج/ كانت السيدة أم كلثوم ملحمةً صوفيةً من نوع خاص، وقد لا تضاهيها ملاحمٌ كثرٌ في التاريخ الغنائي الحديث منه أو القديم.

س/ومتى يتحوّل المغني إلى صنف المتصوفة برأي صلاح عبد الصبور؟

ج/ عندما يتحدُ صوتهُ بالكلمات،ولا تجد بينهما إلا اللهب الموسيقي وبخار الأرواح المتطايرة من الناس.

س/أليس هذا تصوفٌ من نوع خاص؟

ج/ ولمَ لا.التصوف مفردة فضفاضة كجلباب الرجل المصري،يمكن أن تضم تحتها على كل ما يساعد المخلوق الآدمي على دفن مواجعه وشهواته وجنيهاته.

س/هل كان صلاح عبد الصبور سعيداً على الأرض ؟

ج/ كانت السعادةُ سمكةً لم أستطع القبض عليها،فهي تفلتُ من بين أصابعي على الدوام.

س/تعني أن حياتك كانت مبرمجة على نبض الاضطراب غير المريح ؟!

ج/ بالضبط.أنا لا أعتقد بوجود سعادة فائضة في جسد شاعر.

س/بسبب التنافر ما بين الطرفين تقصد،أم أن الشعراء لا تليق بهم غير المتاعب والآلام ؟

ج/ ما أعتقده،فان الطرفين يعيشان حالة السالب الموجب.

س/هل تظن ان التنكيل بالشاعر، يمكنُ أن يمنحَ نصوصه قيمةً إضافية يا سيد صلاح ؟

ج/ ليس شرطاً.فثمة شعراء مازوخيون،مما لا يشكل ذلك التنكيل لهم أية مواجع،بقدر ما يصبح عندهم  طقساً صحياً.

س/كأنك عشتَ حياةً ملؤها الشجن الباطني الهادئ.هل في هذا شئ من الصحة؟

ج/ نعم.ولم انقح ما كان يعتمل ببواطني من حزن.تركتُ له جسدي حوضاً،وهو يملؤني بنسب متفاوتة من الأحزان الساخنة الباردة.

س/ثمة من يرى في ما كتبته،بأن صلاح عبد الصبور كائن بشري يتكون من مختلف الديانات.ما ردّك؟

ج/ ذلك صحيح.فما أجزم به،عدم وجود ديانة سماوية حاملةً لبذور الشر.ولذا تجدني منتمياً لله في كل ما أنزل من كتب وآيات وسور.

س/ولكن ألا تعتقد بأن للـ ((الأزهر)) ممحاةً ضخمة،عادةً ما يستخدمها لمحو كل ما قبل الإسلام وكلّ ما بعده ؟!!

ج/ أجل.فهناك فقهاء الظلام والرمل والتحجر،ممن لا يؤمنون إلا بقوة السيوف لتثبيت دعائم الإسلام الذي استخرجوه من بواطن كهوف وعقول لم تر النور بعد.

س/أين يقع الشعري من اللاهوتي برأيك؟

ج/ ما أن يدخل الديني في الشعري،حتى ترى الكلمات أشبه بغصون الرماد.

س/ من منهما يخرّب الآخر؟

ج/ الذي حرّمَ الشعرَ كفنِ فاسقٍ،واعتبرَ الشعراء من صنف الكفرة.

س/ألا تعتقد بأن كلاماً كهذا،قد يكون  مبالغاً فيه،ويستجلب لك العداوات من كل حدب وصوب يا صلاح؟

ج/ أدرك ذلك جيداً.فحياة الشاعر في مصر الأزهر،آيةٌ من سور الرعب والإرهاب الديني.فتحت كلَ عمامة مشيخةٌ كاملةٌ من الفتاوى والفروض وحدّ الحدّ على الحدود في مباريات هزيمة العقول بعمائم عصابات السحر والشعوذة والفقة الوهابي الأعمى.

س/بعد عملية التبخر التي حدثت لك في قبرك،وصعدت إلى هنا،من كان باستقبالك من الشعراء؟

ج/ الشاعر السوري ديك الجن الحمصي.

س/هل كنت على معرفة أو على علاقة به من قبل؟

ج/ كلا.ولكنه أراد أن يوفر علىّ مشاق الرحلة،بشربةٍ من كأسه الخاص.وهو ما حصل بالفعل.فما أن وصل باب الله في السماء السبعة،حتى هرع نحوي،وناولني قطرةً من خمرة الخلود.

س/وهل خمور الجنة قطراتٌ وبالمثاقيل ؟

ج/ هكذا رأيتُ.فكلّ قطرةٍ تُسكرُ دهراً.

س/ومن كان الأثقل من الآخر في هذي الجنان يا صلاح :مثاقيلُ الخمور المقطرّة،أم مثاقيلُ النساء القاطرات والمقطورات ؟

ج/ أنا وجدتُ ان الشهوةَ  أعظمَ من الاثنين.فمقدارُ كلّ مثقالٍ منها،ما يعادلُ وزن الثقلين.

س/أتدركُ ما تحكي عنهُ جيداً؟

ج/نعم.فالله بَذرَ في الخلق بذرةَ المنتهى،وأبدعَ في النشوة بلا حدود.

س/ هل ترغب بالعمل هنا؟

ج/نعم.لقد قدمتُ طلباً للحصول على وظيفة مدير إستعلامات في فندق (( الموجة السوداء للشعر المصري)) وقد أفوزُ بتلك الوظيفة كما أتمنى.

س/كي تصبح ناقداً للشعر في هذي السموات ؟

ج/نعم.أريد الاقتصاص من أسلافي الذين جعلوا الشعر المصري ما يشبه السردين في علب الصفيح،ودون زيت وفلفل أحمر.

س/لا اعتقد بأنها فكرة رابحة،فمن شعراء مصر كثرٌ خارج تلك العلب الاصطناعية الضيقة.كسروا النمطي وتعايشوا مع الحداثة بشكل مريح.

ج/أعرف ذلك.ولكنهم لم يمنحوا الشعر لذّةً مميزة.

س/أين تنام في هذه الأيام؟

ج/تحت المطر.

س/للاغتسال أم للرومانسية ؟

ج/ لا هذا ولا ذاك.إنما أريد تربية مخيّلتي من أجل إعادة تكويني الشعري بتراب مختلف عن الزمن الأرضي تماماً.وربما سأعتمد على شخص قوي،كي يأخذ بيدي إلى حقول اللغات الحارّة،لأتمكن من تحقيق رغبتي.أعتقد أن الذي سيفعل ذلك هو السيد أبو الهول وحده.

مقالات من نفس القسم