بانجيا .. مزرعة الحكّام

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

سمر هادي

 

  تتردد كلمة (الإنسانية) فى زمننا الحالى مراراً وتكراراً، فى وسائل التواصل الإجتماعى والبرامج التليفزيونية والخطابات السياسية, "حقوق الإنسان" ، "علينا أن نعود إلى إنسانيتنا"، "اكتشف الإنسان بداخلك" ، والعديد من الجمل الحقيقية أو الجوفاء الرنانة. ولكن تأتى بعض الأزمان التى تصبح  فيه "الإنسانية" وصمة عار, لابد الفرار منها، أن تكون إنسانا هو الخطيئة بعينها، وتُرفع بدلا من شعارات الإنسانية لافتات تحمل عبارات  "كل من يمشي على قدمين فهو عدو، لا يجوز لحيوان قتل حيوان آخر، كل الحيوانات متساوية فى الحقوق والواجبات، الإنسان عدونا الأول".  تبدو هذه الفكرة التى طرحها جورج أورويل فى روايته "مزرعة الحيوان" فانتازية بعض الشئ، وهى الرواية التي حققت لأورويل شهرة عالمية واسعة قبل أن يصدر أيقونته (1984)، حيث غاص فى عالم الحيوان  بهذا الشكل الذى يبدو مشابها جدا من عالمنا إلى حد التطابق. قدم العرض المسرحي "بانجيا" على مسرح الفلكي بالجامعة الأمريكية رؤية جديدة لرواية مزرعة الحيوان، العرض من تأليف محمد عادل و تمثيل فريق كلية هندسة جامعة عين شمس، وإخراج عمرو عفيفي.

  يدخل صاحب المزرعة فى بداية اليوم ليوقظ الحيوانات حتى تبدأ عملها، تباشر مهامها اليومية, فى تكرار مستمر لأيامها التى تنتهي بحكاية العجوز ميجر, حيث يقص عليهم حكايته ساردا أحلامه بنهاية الإهانة التى يتعرض لها الحيوان، وحصوله علي حصته الكاملة من الطعام، والعديد من الأمنيات التي يتمناها الحيوانات. فى الرواية يوضح ميجر فكرة الثورة منذ البداية، ولكن ميجر في العرض دفع الحيوانات لاكتشاف ما هم بحاجته، الطريق الذي عليهم أن يختارونه ليحققوا عالما أفضل لها، بالوسيلة الأنسب لها. لم تأخذ الثورة أو لحظة التغيير حيزا كبيرا من أحداث الرواية وكذلك العرض، بل تحققت في وقت قصير وأمتلئت المزرعة بأغنية ميجر ورددتها من بعده الحيوانات، فأصبح ما بعد قتل صاحب المزرعة وتحقق الحلم هو لب القضية, وتم وضع الوصايا  - السابق ذكرها - التي تجعل حياة الحيوان أكثر كرامة بعيداً عن يد الإنسان، إضافة لمطالب أخرى فى السياق نفسه.

رسم محمد عادل من خلال الرواية شخصيات العرض بأبعاد مختلفة عما هي فى الرواية, وكذلك أعاد تشكيل الأحداث، لذلك لم يكن النص مجرد إعداد مسرحي للرواية, بل بعث للعالم الفانتازي الذي صاغه أورويل فى عباءة جديدة. شكلت قصة الحب بين الحصان بوكسر وزوجته الفرس كلوفر ميزانا آخر فى المزرعة، ميزانا نقيس من خلاله الفارق بين ما كان وما حدث، بين الحلم وتحقيقه، والفارق بين بوكسر -قوي البنية وصاحب قوة احتمال للعمل أكثر من باقي الحيوانات- الذى يردد شعاراته تحت أي نظام بأنه سيظل يعمل وينتج، وبين كلوفر التي فقدت حماسة تحقيق الحلم، وبحثت عن السعادة فى الحلم، سعادة تحقق الشعارات والوصايا بشكل حقيقى وصادق وفعلي. فأصبحنا بين جانبين مختلفين من التعامل مع الماضي والحاضر، بوكسر المُستهلَك في العمل حتى فقد الحلم، وفقد البصيرة فظل يردد شعاره"يسعدني أن أخدمك سيدي"، وبين كلوفر التي ملت بوكسر وملت الخنوع والمساومة في المطالب، فالحياة الجديدة لم تقدم للحصان وزوجه -أكثر الحيوانات شباباً- السعادة المًنتظرة، بل على حد تعبير بوكسر"كل من يقف فى الوحل ستتسخ يديه سواء انتصر أو انهزم"، حتى ولو كان هذا الانتصار هو التمسك بالحلم ككلوفر.

 

خلق مصمم الديكور(أحمد مورو) روح النص من خلال الصورة المسرحية التي تلونت بالإضاءة المتراوحة بين اللون الأزرق والأحمر والبنفسجي. عندما دمُجت هذه الألوان مع ملابس الحيوانات ذات اللون البيج، ظهر العالم الفقير الجائع الذي يعيش فيه الحيوانات. انقسم المسرح إلى شقين، الجزء الأول هو مكان الحيوانات، أما العمق فهو منزل صاحب المزرعة، بداخله كرسي السلطة ومكان حكم المزرعة، وهو المكان الذي يتردد إليه الخنزير نابولين دون عن باقي أقرانه من الحيوانات، ويستمر فى حبك خططه حتى يحصل على حكم المزرعة بعد أن طرد صديقة الخنزير سنوبول المدافع عن تمرد الحيوانات ضد صاحب المزرعة. حاول سنوبول, الخنزير المخلص للتغيير, مع أقرانه أن يًعلم باقي الحيوانات القراءة والكتابة, إلا أن نابولين طرده من المزرعة, وجعل منه فزاعة للآخرين، فهو من كتب علي أجسادهم الوصايا ولكن ما من أحد يستطيع القراءة؛ لذا تلاعب نابولين فى الوصايا كما شاء. الوصايا محفورة على أجسادهم ولكنها محمولة معهم إلى الطريق الخاطئ.

عادت مزرعة الحيوان إلي نقطة البداية مرة أخرى مع نابولين، حيث قلت حصص الطعام للحيوانات وزاد العمل وعاد القهر من جديد. ذهبت الوصايا ومعها المدافعين عنها، لم يبقى فى المزرعة سوى الجوع والعمل. وعاد رافي الغراب الذي جسده الممثل (مصطفي خطاب) إلي ايهام الحيوانات برؤيته لجبل السكر، ارتد إلى ألاعيبه التي تحقق له البقاء فى المزرعة. وعادت الحيوانات لا تفكر إلا فى الطعام، الذي من أجله ثاروا فى البداية, ومن أجله خضعوا لنابولين, ومن أجله كسروا أولى الوصايا, وتحولوا إلى إنسان يلبس البدل ويمشى على قدمين، حتي وصلوا إلى مشهد النهاية وهم يأكلون بعضهم البعض, بملابسهم الإنسانية المتناسقة, التى تخفى ورائها جسدا جائعا لا يري سوى الطعام. جاءت ثورة الحيوانات علي  صاحب المزرعة و نابولين بدافع الجوع، والثورة التي قامت من أجل توريث الأرض للحيوانات لأنه الأجدر بملكيتها لعمله فيها، سارت في طريق الرغبات، وبات الحيوان يقترب من الأرض أكثر .

 

 اعتمد المخرج على جسد الممثل كنص أساسي يقول من خلاله الأفكار، فتشكل الأداء الجسدي علي شاكلة الحيوان, بخاصة في لحظات وجود صاحب المزرعة وأمام نابولين, أثناء حاجة الحيوانات للطعام، يظل الأداء مستمرا بإتقان فى حركة الأيادى والأرجل حتى قرب النهاية، وتميزت كل شخصية بأداء حركة خاصة لكل حيوان، ولكن مع النصف الأخير من العرض، يبدأ الأداء فى الميل إلي الحركة الإنسانية، أي في التنازل عن مبادئ الحيوانية التي حققوها للحظات. كان للأداء الجسدي للممثلين إيقاعا خاصا مع وجود الموسيقى، التي شكلت الركيزة الثانية من مقومات العرض. جاء الإعداد الموسيقي ل محمود وحيد ليجمع بين الموسيقى المسجلة وبين الأداء الحي للقطع الموسيقية المُلحنه خصيصاً لدراما العرض.

  ينتهي العرض ب "فى البدء كانت بانجيا"، قد يكون بانجيا هو اختصارً لشخصية الحمار بنجامين أكبر حيوانات المزرعة سنا، يرى ولا يتكلم، يراقب فى صمت إلي أن تأتي لحظة الجوع فيثور مع الثائرين, ثم يعود للصمت مرة أخري، شخصية لم تتواجد كثيرا فى أحداث العرض إلا أنه قد يكون النموذج الأول للحيوان, ووسيلته الأولى ألا وهى الصمت. أظن أن فى هذا العالم الحيواني الجائع نفسيا وبدنيا وفكريا قد يعود الإنسان مرة أخري ليقف مكان بنجامين المراقب, إلى أن يجوع ليبدأ رحلته من جديد.  

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ناقدة مسرحية ـ المقال منشور في مجلة مسرحنا سبتمبر 2017

سمر هادي

  تتردد كلمة (الإنسانية) فى زمننا الحالى مراراً وتكراراً، فى وسائل التواصل الإجتماعى والبرامج التليفزيونية والخطابات السياسية, “حقوق الإنسان” ، “علينا أن نعود إلى إنسانيتنا”، “اكتشف الإنسان بداخلك” ، والعديد من الجمل الحقيقية أو الجوفاء الرنانة. ولكن تأتى بعض الأزمان التى تصبح  فيه “الإنسانية” وصمة عار, لابد الفرار منها، أن تكون إنسانا هو الخطيئة بعينها، وتُرفع بدلا من شعارات الإنسانية لافتات تحمل عبارات  “كل من يمشي على قدمين فهو عدو، لا يجوز لحيوان قتل حيوان آخر، كل الحيوانات متساوية فى الحقوق والواجبات، الإنسان عدونا الأول”.  تبدو هذه الفكرة التى طرحها جورج أورويل فى روايته “مزرعة الحيوان” فانتازية بعض الشئ، وهى الرواية التي حققت لأورويل شهرة عالمية واسعة قبل أن يصدر أيقونته (1984)، حيث غاص فى عالم الحيوان  بهذا الشكل الذى يبدو مشابها جدا من عالمنا إلى حد التطابق. قدم العرض المسرحي “بانجيا” على مسرح الفلكي بالجامعة الأمريكية رؤية جديدة لرواية مزرعة الحيوان، العرض من تأليف محمد عادل و تمثيل فريق كلية هندسة جامعة عين شمس، وإخراج عمرو عفيفي.

  يدخل صاحب المزرعة فى بداية اليوم ليوقظ الحيوانات حتى تبدأ عملها، تباشر مهامها اليومية, فى تكرار مستمر لأيامها التى تنتهي بحكاية العجوز ميجر, حيث يقص عليهم حكايته ساردا أحلامه بنهاية الإهانة التى يتعرض لها الحيوان، وحصوله علي حصته الكاملة من الطعام، والعديد من الأمنيات التي يتمناها الحيوانات. فى الرواية يوضح ميجر فكرة الثورة منذ البداية، ولكن ميجر في العرض دفع الحيوانات لاكتشاف ما هم بحاجته، الطريق الذي عليهم أن يختارونه ليحققوا عالما أفضل لها، بالوسيلة الأنسب لها. لم تأخذ الثورة أو لحظة التغيير حيزا كبيرا من أحداث الرواية وكذلك العرض، بل تحققت في وقت قصير وأمتلئت المزرعة بأغنية ميجر ورددتها من بعده الحيوانات، فأصبح ما بعد قتل صاحب المزرعة وتحقق الحلم هو لب القضية, وتم وضع الوصايا  – السابق ذكرها – التي تجعل حياة الحيوان أكثر كرامة بعيداً عن يد الإنسان، إضافة لمطالب أخرى فى السياق نفسه.

رسم محمد عادل من خلال الرواية شخصيات العرض بأبعاد مختلفة عما هي فى الرواية, وكذلك أعاد تشكيل الأحداث، لذلك لم يكن النص مجرد إعداد مسرحي للرواية, بل بعث للعالم الفانتازي الذي صاغه أورويل فى عباءة جديدة. شكلت قصة الحب بين الحصان بوكسر وزوجته الفرس كلوفر ميزانا آخر فى المزرعة، ميزانا نقيس من خلاله الفارق بين ما كان وما حدث، بين الحلم وتحقيقه، والفارق بين بوكسر -قوي البنية وصاحب قوة احتمال للعمل أكثر من باقي الحيوانات- الذى يردد شعاراته تحت أي نظام بأنه سيظل يعمل وينتج، وبين كلوفر التي فقدت حماسة تحقيق الحلم، وبحثت عن السعادة فى الحلم، سعادة تحقق الشعارات والوصايا بشكل حقيقى وصادق وفعلي. فأصبحنا بين جانبين مختلفين من التعامل مع الماضي والحاضر، بوكسر المُستهلَك في العمل حتى فقد الحلم، وفقد البصيرة فظل يردد شعاره”يسعدني أن أخدمك سيدي”، وبين كلوفر التي ملت بوكسر وملت الخنوع والمساومة في المطالب، فالحياة الجديدة لم تقدم للحصان وزوجه -أكثر الحيوانات شباباً- السعادة المًنتظرة، بل على حد تعبير بوكسر”كل من يقف فى الوحل ستتسخ يديه سواء انتصر أو انهزم”، حتى ولو كان هذا الانتصار هو التمسك بالحلم ككلوفر.

خلق مصمم الديكور(أحمد مورو) روح النص من خلال الصورة المسرحية التي تلونت بالإضاءة المتراوحة بين اللون الأزرق والأحمر والبنفسجي. عندما دمُجت هذه الألوان مع ملابس الحيوانات ذات اللون البيج، ظهر العالم الفقير الجائع الذي يعيش فيه الحيوانات. انقسم المسرح إلى شقين، الجزء الأول هو مكان الحيوانات، أما العمق فهو منزل صاحب المزرعة، بداخله كرسي السلطة ومكان حكم المزرعة، وهو المكان الذي يتردد إليه الخنزير نابولين دون عن باقي أقرانه من الحيوانات، ويستمر فى حبك خططه حتى يحصل على حكم المزرعة بعد أن طرد صديقة الخنزير سنوبول المدافع عن تمرد الحيوانات ضد صاحب المزرعة. حاول سنوبول, الخنزير المخلص للتغيير, مع أقرانه أن يًعلم باقي الحيوانات القراءة والكتابة, إلا أن نابولين طرده من المزرعة, وجعل منه فزاعة للآخرين، فهو من كتب علي أجسادهم الوصايا ولكن ما من أحد يستطيع القراءة؛ لذا تلاعب نابولين فى الوصايا كما شاء. الوصايا محفورة على أجسادهم ولكنها محمولة معهم إلى الطريق الخاطئ.

عادت مزرعة الحيوان إلي نقطة البداية مرة أخرى مع نابولين، حيث قلت حصص الطعام للحيوانات وزاد العمل وعاد القهر من جديد. ذهبت الوصايا ومعها المدافعين عنها، لم يبقى فى المزرعة سوى الجوع والعمل. وعاد رافي الغراب الذي جسده الممثل (مصطفي خطاب) إلي ايهام الحيوانات برؤيته لجبل السكر، ارتد إلى ألاعيبه التي تحقق له البقاء فى المزرعة. وعادت الحيوانات لا تفكر إلا فى الطعام، الذي من أجله ثاروا فى البداية, ومن أجله خضعوا لنابولين, ومن أجله كسروا أولى الوصايا, وتحولوا إلى إنسان يلبس البدل ويمشى على قدمين، حتي وصلوا إلى مشهد النهاية وهم يأكلون بعضهم البعض, بملابسهم الإنسانية المتناسقة, التى تخفى ورائها جسدا جائعا لا يري سوى الطعام. جاءت ثورة الحيوانات علي  صاحب المزرعة و نابولين بدافع الجوع، والثورة التي قامت من أجل توريث الأرض للحيوانات لأنه الأجدر بملكيتها لعمله فيها، سارت في طريق الرغبات، وبات الحيوان يقترب من الأرض أكثر .

اعتمد المخرج على جسد الممثل كنص أساسي يقول من خلاله الأفكار، فتشكل الأداء الجسدي علي شاكلة الحيوان, بخاصة في لحظات وجود صاحب المزرعة وأمام نابولين, أثناء حاجة الحيوانات للطعام، يظل الأداء مستمرا بإتقان فى حركة الأيادى والأرجل حتى قرب النهاية، وتميزت كل شخصية بأداء حركة خاصة لكل حيوان، ولكن مع النصف الأخير من العرض، يبدأ الأداء فى الميل إلي الحركة الإنسانية، أي في التنازل عن مبادئ الحيوانية التي حققوها للحظات. كان للأداء الجسدي للممثلين إيقاعا خاصا مع وجود الموسيقى، التي شكلت الركيزة الثانية من مقومات العرض. جاء الإعداد الموسيقي ل محمود وحيد ليجمع بين الموسيقى المسجلة وبين الأداء الحي للقطع الموسيقية المُلحنه خصيصاً لدراما العرض.

  ينتهي العرض ب “فى البدء كانت بانجيا”، قد يكون بانجيا هو اختصارً لشخصية الحمار بنجامين أكبر حيوانات المزرعة سنا، يرى ولا يتكلم، يراقب فى صمت إلي أن تأتي لحظة الجوع فيثور مع الثائرين, ثم يعود للصمت مرة أخري، شخصية لم تتواجد كثيرا فى أحداث العرض إلا أنه قد يكون النموذج الأول للحيوان, ووسيلته الأولى ألا وهى الصمت. أظن أن فى هذا العالم الحيواني الجائع نفسيا وبدنيا وفكريا قد يعود الإنسان مرة أخري ليقف مكان بنجامين المراقب, إلى أن يجوع ليبدأ رحلته من جديد.  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ناقدة مسرحية ـ المقال منشور في مجلة مسرحنا سبتمبر 2017

مقالات من نفس القسم