الشارع الخلفي

نسرين البخشونجي
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

نسرين البخشونجي

يحرضها الشتاء على البقاء في السرير حتى وقت متأخر من النهار على غير عادتها، تفتح الشباك فتتسابق أشعة الشمس والهواء البارد في الدخول. تصيب جسدها قشعريرة تحبها. تحضر فنجان قهوتها بينما تتسلل لأنفها رائحة الخبز الطازج والطعمية التي خرجت توا من الزيت من أحد المحال بالشارع الخلفي. تجلس على سريرها تلعب كاندي كراش بينما يشدو صوت الست بإحدى أغنياتها المفضلة “فكروني” تعجبها الاختيارات اليومية لصاحب المحل الذي لا تعرفه، وكأنه يعرف تماما ذوقها الموسيقي.

رجعوا لي الماضي بنعيمه وهَناوته وبحلاوته… وبعذابه… وبقساوته.

تحب يناير، شهر البدايات الجديدة والأمنيات التي تجد طريقها إليها قبل أسبوع من بدايته. مثل ذرات تنتشر بهمهمات الوداع في ديسمبر. كل عام في ليلة رأس السنة تذهب إلى حي الكوربة بمصر الجديدة، تبهجها الزينة التي تضيء الشوارع ليلا، فتشعر وكأنها داخل مشهد من فيلم أو لحظة من حلم. تلتقط الصور بجوار الزينة المكتوب عليها رقم السنة الجديدة بينما تنثر القبلات في الهواء، قبلاتها ما هي إلا أمنيات ترسلها للكون.

وافتكرت فِرِحتِ وَياك قدْ إيه.. واِفتكرتْ كمان يا روحي بِعِدْنا ليه.

قبل سنوات تغير معني يناير لم يعد بالنسبة لها شهر البدايات الجديدة والأمنيات الحالمة فقط. ففيه تحولت حاسة شمها ذات يوم لقوة خارقة بحيث استطاعت أن تشم رائحة البرتقالة الفاسدة في المطبخ بينما تجلس في غرفة نومها، فطلبت من زوجها أن يتخلص منها فورا. رغم ذلك لم تلتفت للحادثة وبقت تشاهد تزاحم البشر في الشوارع عبر الشاشات. تسمع صوتهم الذي امتزج بصوت الرصاص والقنابل المسيلة للدموع. الجموع التي لا يستقر لها حال بين كر وفر، غناء وشعر، قتلى وجرحى. مشهد سريالي يثير أحلامها.

 وِاِبتَدا الليل يِبْقى أَطْوَلْ مِنْ ساعاتُه.. واَسْهَرْ اَسْمَع نَبضِ قلبي بيْناديك.

نبض الأمل في الشوارع والميادين، وداخل رحمها.

بَعْدِ ما صَدَقتِ إني قِدِرتِ أنسى.. بَعْدِ ما قَلبي قِدِرْ يِسلاك ويِقْسى.

ظنت أنها ستنسى ما حدث وتجنبت التفكير فيما ما سيحدث مستقبلا. انشغلت بجنين كان يسبح داخلها حتى ضاق وثار وقرر الخلاص. كبر الولد ومازالت تتجدد كل يناير ألاعيب الهرمونات الأنثوية في الحمل ما بين غثيان وحموضة وكأنها مازالت حبلى. كل نظرة لعيونه، تذكرها. كل مرة تسمعه يقول لها “لا” متحديا، تفرح.

وِاللي جُوَه القلب كان في القلب جُوَّه..رُحْنا… وِاِتْغَيَّرنا اِحْنا… إلا هُوَّ.

 

 

 

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

الفقدان