أقساط متأخرة

مروان عثمان
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

مروان عثمان

 سأحكي لسيادتكم، ذهبت إلى البنك أروم فهم الكارثة التي حلت بي وستنقلني من مستواي إلى مستوىٍ آخر لا أعرف عنه شيئًا، سألت موظف الاستعلامات:

-جاءتني مكالمة منذ أيام من أحد موظفيكم حول القرض الذي أخذته منذ شهور..

 لم يمهلني وقتًا يضيعه معي، وناولني ورقة فهمت منه أنها تخص قائمة انتظار موظفي خدمة العملاء. انتظرتُ دوري في بهو البنك الواسع، وأنا استرجع الأحداث…

 اتصل بي رجل منذ أيام وقال إنه موظف من البنك يحدثني بخصوص القرض الذي أخذته من البنك. ضحكت في سري، ظننته ذلك النصاب الذي يتصل بالناس وينهب حساباتهم الهزيلة، فوجدتها فرصة عظيمة للتسلي بهذا الوغد!

-هل أنت سعيد عبد الرحيم شعبان؟

 لم أجد بدًا للإنكار، كما لم يكن هنالك من داعٍ لإجابته بكلمة “نعم” مقتضبة، فآثرتُ كغيري ممن لا يجدون تسلية في هذه الأيام السخيفة أن أتظارف وأقول:

-والله يقولون ذلك..

-حسنًا، رقم بطاقتك…

 وتلا عليّ أرقام بطاقتي الشخصية وكأنه يمسكها بين يديه، هنا بدأ الشك يتسرب إليّ، فقلت:

-من حضرتك بالضبط؟!

-من حضرتي؟! أنا موظف البنك، البنك الذي يبحث عنك منذ سنوات وتتهرب منه يا سعيد!

 قلتُ بصوت خرج مخنوقًا:

-أنا؟

-طبعًا أنت، ألم تسحب قرضًا بنصف مليون جنيه منذ ثلاث سنوات ولم تسدد منه سوى قسطين فقط..

 هنا لم أتمالك نفسي من الضحك، لأصدق سيادتكم القول، شخرتُ من الضحك، ليس لأنه يتهمني بتلك التهمة الغريبة، بل لتلك الحبكة التي صنعها، فإذا افترضنا أنني أخذت هذا القرض وتهربت من السداد بالفعل، فأنا لم أسدد أول قسطين من الأساس، وأظن هذا دليلًا جليًا على براءتي، أرجو من سيادتكم إثباته..

 المهم، لم تعجب الرجل سخريتي منه على ما يبدو، وقال إنهم ينتظرونني في البنك لأتأكد بنفسي مما اقترفته وأتفاوض معهم للتوصل لحل يضمن لهم أموالهم.

 جلست أمام موظف خدمة العملاء بعد انتظار دام لأربع ساعات، وقال لي:

-كيف تريدني أن أساعدك؟

-والله إنني…

 وبدأت أحكي لولا أنه لم يكن يسمعني على ما يبدو، وطلب مني بطاقتي الشخصية بطريقة آلية. لكنه سرعان ما أفاق من روتينه عندما رأى الاسم المدون في البطاقة. نهض من كرسيه وركض باتجاه مكتب المدير، ثم ناداني، ولبيت الدعوة وأنا لا أفهم شيئًا على الإطلاق!

 قال المدير بابتسامة سمجة:

-هل يجب أن نتصل بك لتأتي يا أستاذ سعيد، ألم تشتق إلينا يا رجل؟!

-وهل أعرفكم أصلا! إنها المرة الأولى التي أدخل فيها إلى هنا..

-لا بأس، ولا تأتي مجددًا إذا كانت المسألة تضايقك. لكن أرجوك التزم بمواعيد الأقساط، إنها أموال البلد!

-جئتُ لسيادتكم من أجل هذا بالضبط، بالتأكيد هنالك سوء فهم، أنا لم أتقدم لأي قرض من الأساس (ضحكت) كما أني لا أملك أية ضمانات لتقديم طلب قرض، وإذا كنت قد تقدمت بضمان فلا بأس أن تحتفظوا به..

 منحني ابتسامته السمجة مجددًا وقال:

-أستاذ سعيد، يبدو أنك لا تفهمني جيدًا..

 وحكى لي أنهم نظروا أوراقي مع مواطنين آخرين، ونظرًا لما لاحظوه من صعوباتٍ في حياتي، قرروا منحي قرضًا بلا ضمانات لتغيير حياتي السوداء.

قلتُ له:

-كتر خيركم..أين أموال القرض إذن؟! أنا لم آخذها! أين توقيعي باستلامها؟!

 احتفظ بسماجته وقال:

-ومن قال إنك تسلمتها؟! أنت لم تتسلمها بالفعل، وهل جُن البنك حتى يُسلمك الأموال لتبددها! لقد سُجل القرض باسمك وحُولت الأموال لشراكة في مشروع للبنك مع مستثمر.

-عظيم! أين الأرباح إذن ؟!

 فإذا كان المتحدث مجنونًا سمجًا، فالمستمع عاقل يا سعادة البيه..

-لا توجد أرباح، المشروع خسر، المستثمر سرقه وهرب، ألا تقرأ الجرائد يا رجل؟!

 كانوا يطالبونني بتسديد قرض لم أتقدم بطلب لأخذه، خسرته في مشروع لم أدخله، مع مستثمر لم أسمع به، ولمّا شخرت في ميكروفون البنك، جاءوا بي إلى هنا، إلى مكتب النائب العام، للتحقيق معي في سلسلة جرائم لم أرتكبها!

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

الحلوى