حوار مع الشاعر المصري أمل دنقل

كتابة وحوار: أسعد الجبوري

لم نكن ندرك بأن الحصان الطائر سيشق طريقه نحو تلك الحقول،مثلما تفعل الريح.

كنا في أوج الحنين للاستدلال على مكان إقامة الشاعر المصري الشهيدُ بعنفوانه الصارخ الجميل الشهي كطلقة في جبين متوحش.

وصلنا إلى هناك،لنتضمخ برائحة حنطة وقطن وأناشيد المظاهرات.وما أن هدأت الأعصاب واستتبت ملامح خوفنا على السطر،حتى وجدنا الشاعر أمل دنقل وهو يعمل في نحت تمثال شبيه بأبي الهول.كان الشاعرُ أمل دنقل(19401983) في ثياب الصيف.وعندما حاولنا الاستفهام عما كان يصنعه،قال لنا :إنه بصدد انجاز نسخة عن أبي الهول، ليكون حارساً في هذا المكان،بعدما تردد على الألسن حصول اختراقات كثيرة،كان فاعلوها يرومون الوصول إلى الجنة،وهم يحملون رائحة الديناميت والدم والألغام والخراب..

كان أمل الشاعر متداخلاً في أمل القلق المريض بفداحة الألم،وكأنهما في تواصل دائم مع حالة ذلك الرعب الداخلي الذي لم ينته عند حد،حتى بعد الوصول إلى هنا في ذلك القطار العدمي الضيق الشبيه بسمكة على وشك الاختناق في  نهر من الجليد.

■من مدينة القلعة في الصعيد إلى السماء السابعة.أية ولادة هناك،وأي مولود هنا يا أمل؟

–  مجرد تبادل حاضنات.

■ وهل كانت الأرض حاضنة يُؤسف على مغادرتها مثلاً؟

– يوجد هنا صعيدٌ مصري آخر هائل، لا ينقصه سوى صديقي  عبد الرحمن الأبنودي.

■ تتذكرهُ شعرياً فقط؟

– شعرياً ووجودياً.شعرُ الأبنودي مياهٌ للتخصيب في أرض الصعيد وفي أرواح الناس هناك.

■ وأنت بما تملك من شغب.ألا زلت مُشعل حرائق؟

-كلما اقتضى الحال.فأنا هنا صاحب طاحونة،وأديرها بقوة الوزن والقافية.

■ ولكنك كنت موظفاً بمحكمة قنا وموظفاً بجمارك السويس والإسكندرية،فلمَ العمل بالطحن وبالطحين الآن،هل من أجل العيش أم لذرّه في العيون؟

–  تعمل ُ طاحونتي هنا بالموسيقى.لذا تراني مستثمراً جيداً للغة،ولي قدرات غير تلك القديمة.

■ ولكنك كنت شاعراً محمولاً على أكتاف التراث،وحاولت التقدم خطوة إلى الحداثة،من خلال استعمال المثيولوجيا.هل كان ذلك من أجل أن تصل شهيداً للبكاء بين يدي زرقاء اليمامة ؟

– كنت شهيداً منذ ولادتي. وما أن كبرت مترعرعاً بين السيوف والبنادق والهتافات والرماح والأعاصير والآلام والأغاني،حتى أدركت حقيقة الشهادة بالمفهوم المستعمل،استعمالاً عاماً. فأن يصبح المرء شهيداً،ليس بالضرورة أن يموت،ويتحول إلى أفيش عند حزب،أو أن  يكون بوستراً يتصدر مظاهرة في ميدان التحرير.لأن الشعب الشهيد،هو الذي يطغى على مفهوم الشهادة الفردية راهناً.

■ هل التقيتَ بزرقاء اليمامة؟

– لم ألتقِ بها حتى الآن.البعض قال لي أنها ما تزال تقود المظاهرات في اليمن السعيد.فيما أشار بعضهم إلى أنها تنام تحت شجرة سدر عملاقة في الجهة الأخرى من شط البارود.لكن المرأة،كما سمعت هنا،أنها أجرت عملية تشطيب للقرنية  بالليزر، وتزوجت من بائع أقمشة،وهي حبلى بتوأم من البنات.

■كأنك تتبعُ أثرها؟

– ربما.لأن مصر بحاجة إلى ألف زرقاء يمامة ويمامة،عسى أن تلتقط الأعين ما يمشي تحت شجرها المدلهم من أشباح وجند قتل ومواكب مختصة بالتدمير وتصنيع الظلام الذي بات أشبه بالعبوات الناسفة التي يمكن زرعها في أي مكان يختاره قبليو الأسلاف..

■ هل تظن مصر اليوم،ملغومة القلب أم الرأس يا أمل؟

– أكاد أرى رأس مصر تحت ألف حشوة من الديناميت.

■ولكنها في بداية الربيع كما يقال.فلمَ التذمر والخوف وفتح صناديق القلق؟!

– ليس أجمل من قراءة قصيدة ((الأرض الخراب)) لتوماس إليوت تحت واحدة من أشجار الربيع الرمادي

■وشعر اللحظة المصرية الآن؟ إلا ترى ناراً تشغلهُ؟

-لا أرى ناراً تلهب جوف الشعر في مصر،وكأن شعراء النيل هياكل خشب لاستعمالات المواقد فقط.

■ ولكن تلفزيون الدولة يهدر بإعلانات عن شعر بعضهم – هشام الجخ- وهو أمر ما كان ليحظى به حتى شاعر مثل أحمد شوقي!!

– ليس كل إعلان عن صرخة أو عن صراخ هو شعر.فما من ولادة لشاعر مصري،إلا وتكون ولادة قيصرية.شاقة.لذلك لا تجد زخماً شعرياً متطوراً عندنا.

■ ربما بسبب انتشار السينما والدراما والمسرح مثلاً؟

– وربما بسبب الخوف من الاقتراب إلى الشعر،باعتباره ثمرة مقدسة.

■ أما زلت على لاءاتك ثابتاً؟

– لم أنس كلمة من تلك القصيدة.أتذكرها،فهي طفلتي التي لا تشيخ.

(1)

لا تصالحْ!

ولو منحوك الذهبْ

أترى حين أفقأ عينيكَ

ثم أثبت جوهرتين مكانهما..

هل ترى..؟

هي أشياء لا تشترى..:

ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،

حسُّكما – فجأةً – بالرجولةِ،

هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،

الصمتُ – مبتسمين – لتأنيب أمكما..

وكأنكما

ما تزالان طفلين!

تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:

أنَّ سيفانِ سيفَكَ..

صوتانِ صوتَكَ

أنك إن متَّ:

للبيت ربٌّ

وللطفل أبْ

هل يصير دمي -بين عينيك- ماءً؟

أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..

تلبس -فوق دمائي- ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟

إنها الحربُ!

قد تثقل القلبَ..

لكن خلفك عار العرب

لا تصالحْ..

ولا تتوخَّ الهرب!

(2)

لا تصالح على الدم.. حتى بدم!

لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ

أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟

أقلب الغريب كقلب أخيك؟!

أعيناه عينا أخيك؟!

وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك

بيدٍ سيفها أثْكَلك؟

سيقولون:

جئناك كي تحقن الدم..

جئناك. كن -يا أمير- الحكم

سيقولون:

ها نحن أبناء عم.

قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك

واغرس السيفَ في جبهة الصحراء

إلى أن يجيب العدم

إنني كنت لك

فارسًا،

وأخًا،

وأبًا،

ومَلِك!

■ وماذا أنت فاعل في هذا التيه الواسع يا أمل دنقل؟

– قلت لك عندي طاحونة،وأستخدمها لأغراضي الخاصة منها والعامة.فأنا هنا أحاول التخلص من بقايا ((البولينا)) وكذلك من أجل أن أطحن حتى الظلام.

■ أتخاف من العتمة، وكأن شموس هذا الفضاء لم تنر لك طريقاً؟

-لا.ليست الأمور هكذا. ما قصدته، أنني أخشى من تسرب الظلام للقلوب،فيصبح كالحائط في مجرى الدم.

■هل ستنزل ميدان التحرير؟

-ولمَ لا يحدث العكس مثلاً،فيصعد الميدانُ إلى هنا.

■ أنت تحاول المشاكسة،وكأن النكسات ليست محصورة بالأرض وحدها؟!!

– أشعرُ بأن الأرواح تريد المزيد من الراحة.

■هل تحتاج إلى تنظيف مثلاً؟

-نعم.فلا السلفية ولا الصوفية ولا الرومنطيقية ولا الحداثة وسواها من المسكنات الأخرى، تجدي الأرواح الشعرية نفعاً،بعد كل ما زخرت به أرواحنا من آلام وحزن وتحطم وقتل وتدليس وهيمنة.مصر الآن في عنق زجاجة من الفولاذ،ومن الصعوبة بمكان أن تحرر نفسها من ذلك المكان الجهنمي الصامت..

■وهل توسع رقعة المطاردة إلى هنا يا أمل؟

 – في مصر منا من اختنق فبكي داخل سجنه الجسدي ليستريح مؤقتاً، أما هنا،فلا غفران لباكٍ،لأن الدمع حرامٌ.

■ هل التقيت ببعض شعراء الدائرة الثورية: نيرودا.صلاح جاهين.ماياكوفسكي.الشابي. لوركا. درويش؟

– لا.لم ألتق بغير الشاعر المتنبي فقط.فقد كان هو وحفنة من أتباعه ومريديه،يستمعون إليه عندما كان يقرأ قصيدة العيد على مسامع كافور.

■وهل كان كافور هادئاً،ولم يستل سيفه،فيقطع رأساً من رؤوس المتنبي؟

– أبداً.كان ضاحكاً وثملاً تحيط به أكوام الحريم.حتى أنه أهدى المتنبي حفنة من الحور،ليخفف الضغط عن قصائده، وكي يجعلنه أكثر رومانسية.كان كافور ذكياً.فهو أراد أن يريح عرشهُ من المديح والهجاء ولو لبعض الوقت.

■ يبدو أن مصر في الأعالي،أصبحت هي الأخرى مثل أليس في بلد عجائب.كأنها تريد أن تعكس صورتها الراهنة على الأرض؟!!

– هذا ما أراه.وإلا ما كان أبو الهول دليلاً سياحياً لحسن الظن بعرائش الربيع العربي المفخخ بالبيض الفاسد!!

■ ربما لأن حجر مصر بمعاهدات كامب ديفيد،أصبحت أقوى من العضلات التي يتمتع بها أبو الهول،وبالتالي فلا حراك خارج هذا السياق!

– لن أنظر  إلى مصر في هذه المرآة السياقية التي تحدثت عنها. أنا أعرفها جيداً،فهي لو عجزت في الشعر قليلاً،لا يأخذها الخوف إلى النوم في سرير الخديعة.

■ هل جربت الكتابة عن أحد هنا.عن المرأة مثلاً؟

-بعد أن رأيته وسيفه في مكان من الأمكنة هنا، حاولت تجريب الكتابة عن شهريار.وفشلت.

■ خوفاً من سيفه؟

-بل من حجم التضليل الإعلامي الذي كان يمارسه هنا.فهو يدعي بأن سيفهُ ما كان ملطخاً إلا بأحمر الشفاه!!

■ ربما من باب التهرب من تاريخ السيوف لا أكثر !

-لا أعرف عن شهرزاد وأخواتها الكثير في هذه المحميات الكبيرة المتعددة،ولكن كل سيف بما فعل.

■ هل ترى الموت نقطةً؟

-ليس كمثل الموت طيراً يملك كل الأعشاش.

■ ما الذي يحول بينك وبين العالم السفلي الآن.الغيم أم غبار الأرواح؟

-أنا قربان من قرابين طبقة الأوزون.لولا وجود تلك الفتحة،ما كان الوصول سريعاً إلى الأعلى.

■ هل هي فلسفة أم خبر علمي يا أمل؟

 -وجود هذا الثقب في السماء،سيسهل صعود الملايين دون عرقلة.

■ هل يكبر المرءُ في الموت أو يشخ؟

-الموتُ في الميت نظرةٌ مطفأة.

■ ماذا عن لحظة الصعود. هل ثمة إيقاع للحظة الغياب يا أمل؟

– لقد وصلت إلى غيابي عن نفسي وعن الآخرين بفعل تلك الإيقاعات الشعرية الموزونة،وكأنها كانت بمثابة أذرع لمراوح عملاقة،تستطيع دفع المخلوقات دون استهلاك لبطارية أو تفتت لقوة.كانت رحلتي على أنين نفاذ.وكنت أرتفع على طرب تلك اللازمة التي عادة ما كنا نستخدمها في التأليف الشعري.

■ هل تعتبر الموت مصطلحاً قاتلاً؟

-لا أعتقد ذلك.الموتُ دميةٌ لكلّ الأعمار.