حوار مع الشاعر الفرنسي سان جون بيرس

كتابة وحوار: اسعد الجبوري

أمام حوض كبير من المرمر، وجدناه يُطعمُ أسماك الحنكليس ويداعبها بأصابعه الرقيقة، وإلى جانبه بعض الكتب الضخمة. فيما جلست على بعد أمتار منه، سيدةٌ يَعتمرُ رأسُها قبعةً من القماش المزخرف ببعض حبات اللؤلؤ، وهي تحتسي النبيذ الأبيض بكأس طويل .

ما أن وصلنا إلى ذلك الحوض، حتى بادرنا الشاعر الفرنسي سان جون بيرس بابتسامةٍ رقيقة. بعد ذلك سحبَ أصابعهُ من الماء، مودعاً أسماك الحوض ومخلوقاته المختلفة التي  كان يمتلئ بها مع  العديد من قوارب خشب الصغيرة التي بقيت هادئة على سطح المياه هنا.

هل كان الشاعر في تلك اللحظات، يستعيد ذكرياته عن بحار تلك الأرض ومحيطاتها التي طالما عاش مراقباً أمواجها وحيتانها ومتأملاً حركاتها ؟ 

جلسنا متقابلين بهدوء. بعد ذلك تناولَ الشاعرُ غليونهُ، ومن ثم لينهمك قليلاً بحشوه وإشعال النار في التبغ، ليطيرَ الدخانُ من فوق رأسه.آنذاك قلنا له:

■ لم نأتِ لنطرح عليك أسئلةً تخصّ أسماك الحنكليس بالتأكيد، ولكننا نريدُ توضيحاً عن سبب تربيتك لهذا النوع من السمك في الحوض التي تشرف عليه هنا .هل لكَ قصةٌ ما ؟

_ هذا النوعُ من السمك، له حركاتٌ تشبهُ حركات الشِعر ضمن دورات اللغات المائية في قواميسنا التي تركناها خلفنا على الأرض، والتي طالما تذكرني براقصات فرقة الباليه لمسرح البولشوي الروسي.

■ وهل لا بد للشعر من حركاتٍ ما تشبهُ أفعال راقصات الباليه، ليكون شعراً مثلاً؟

_ بالتأكيد. فأنا لا أتصورُ أن تكون الفِيَلة من المنظومات الفنية التي تنتمي إلى عوالم الشِعر وطقوسه وحركاته، مع بالغ احترامي للفِيَلة كحيوانات عملاقة وعميقة التربية والأخلاق والقوة.

 ■ من أية مواد تصنعُ شعركَ يا سيد سان جون بيرس؟

_ أنا لا أصنعُ شعراً من الصراخ، ولا من مخلفات الدوابّ والسفن المحترقة، بل عادةً ما أنهمكُ بخياطة القصائد من صفائح دم العالم المتألم ومن أقمشة البحار.

■ كأنك تعتمدُ على هندسة النصّ الشعري ؟

_ بالتأكيد. فذلك أفضلُ من تركهِ وحيداً على قارعة التيه.

■هل تشككُ بقدرة الشعر على الإبصار، فتخاف عليه من المزالق والمطبات مثلاً؟

_ كلّ ما هو ساحر، يستوجبُ الحرصَ على حياته.والشعرُ العظيم، هو أحدُ مراتب العمى.

■كيف ؟

_ متى ما بلغ الشعرُ المرحلة القصوى من الاندماج السحري، سرعان ما يفلتُ عقلهُ من عقالهِ، ويذوبُ من شدّة البصر وتجليات الرؤى .

■ كيف تندرجُ فكرتك هذه مع الشعر الأسطوري على سبيل المثال؟

_ من خلال الصرامة الحادّة بالتعامل مع مولّدات الشعرِ ليس إلا .

■ تقصدُ مختبرَ المخيّلة ؟

_ أنا لا أرى ضرورة بتضخيم موقع الخيال في رأس الشاعر، بدلاً من احتكار الباطن النفسي لصالح الاستثمارات في عالم الشعر. المخيلةُ قطعةُ أثاث لا يمكن أن تشغلَ كلّ مساحة الشعر برأيي . 

■ كم يبلغُ عندك حجم التوق لقصيدة نظيفة؟

_ طالما فكرتُ بضرورة تطهير الشعر من الالتباس بالسردّي. وفعلتَ ذلك، متحاشياً التيارات الهوائية التي تصحبُ الغبار والبكتريا إلى النصوص. فأن تكون هناك قصيدة نظيفة، فمعنى ذلك استنهاض العواصف الداخلية للشاعر، كي تكون في مواجهة متاعب اللغة والضرورات التي يفرضها القارئ، تلك التي عادةً ما تصيبُ النصوصَّ بالخلل والضعف والتشتت.

■ أنت تريدُ طردَ القارئ عن شجرة الشعر مثلاً؟

_ ليس طردهُ بالضبط، إنما تأهيله، ليكون في مجرى النصَ. فعلُ ذلك مهم، حتى لو تطلب إلى عمل جراحي.

■ أي قراءٍ يريدُ سان جون بيرس للشعر وللحياة ؟

_ القراء الذين يشبهون أمواج مستعمرات فرنسا في بحر الكاريبي.أن أولئك ،يحملون بذور الغضب بالأعين التي تختلطُ فيها الدموع بالحروف وبالتصاوير التي تخلفها جزر الأنتيل في دفاتر الأرواح،مثلما حدث لي شخصياً في ذلك التاريخ القديم .

■ هذا ينطبق على القصيدة المائية التي كانت الجزء الأعظم من تجربتك الشعرية .أليس كذلك يا سيد سان جون بيرس؟

_ أجل.كان الماءُ بمثابة ثمرتي الوحيدة في الشعر.

■ وكم بلغ حجم التبخر في تلك التجربة على سبيل المثال؟

_ لقد عملتُ على تهذّيب ذلك البخار واستدامته بطريقة ما،بحيث جعلتُ منه غيوماً لإعادة الانتشار بين الكلمات.

التصحر اللغوي شأنٌ قاتلٌ،ولا يمكن كتابة نصّ شعري ناهض،دون التحرر من أسباب القتل الخاص بالنصوص.

■ هل سان جون بيرس سفينةٌ أم سبّاحٌ ؟

_ اعتبرني ذاكرة سفينة، فذلك ما يجعل الماء ديانةً ترافقني حتى هذه التخوم .

■ ولكن هل لابد من التعايش مع البحار فقط ؟

_ كان حلمي يتجاوز التعايش مع المياه، لإمكانات تحولها إلى لغة تجري فيها كل وقائع اليابسة ونقيضها .

■ ألا ترى أن سان جون بيرس أعطى لأهل الأرض  ظهره ، وذلك عندما جعل شعرهُ خاضعاً للتقني اللغوي الرومانسي المرتبط بعلوم البحار والفيزياء.هل ثمة فكرة من هذا القبيل ؟

_ لم أترك نفسي مغترباً عن أحداث أهل الأرض، ولم أعتكف معتزلاً عن حركة العلوم .كنت شغوفاً بعلوم وتقانات ذلك العصر،حتى أنني كنت أحشرُ نفسي بصداقات شديدة التعقيد،خاصة من علماء أمريكا،وفي مقدمتهم ريتشارد فاينمان المتنبئ بالنانو.

■ منْ يسرقُ أفكارَ منْ برأيكَ: العلماء من الشعراء، أم العكس ؟

_ كلّ العلماء عبر التاريخ، هم في غالبيتهم العظمى أحفادُ الشِعر.

■ يبدو أن سان جون بيرس كان يعاني من لوثةٍ ما بشأن إيمانه المسيحي المشكوك به، مما دفعه ذلك إلى كتابة قصيدة ((مدائح)) تحت ذلك التأثير، كما تشيرُ الوقائع.ما ردّك ؟

_ لم أعتبر المسيحية إلا نوعاً من الكحول فهو من ناحية يُسكر، ومن ناحية أخرى يُطهر البدن من الشوائب والمخاوف ويلغي الصدأ. ولم تكن قصيدتي ((مدائح)) إلا من ذلك الطراز.ربما كان مشابهةً لشعلة الأولمبياد.أشعلتها للركض في شوارع العالم من أجل إعلان الشعر ترياقاً روحانياً،مثلما هو في الجانب الآخر ،موكبٌ جنائزي يندفعُ بآلام البشر ،صعوداً على طريق الآلهة .

■ هل تقول هذا، لأنك واجهتَ اضطهادَ مرؤوسيك ،عندما كنتَ دبلوماسياً في الأربعينات من القرن العشرين، وجردّتَ من ذلك المنصب الفرنسي مطروداً ؟

_ عندما أُنهيتْ وظيفتي في الخارجية الفرنسية مُبعداً،عملتُ في مكتبة الكونغرس الأمريكي مستشاراً.

■ وكنت شهيراً بعقد الصداقات مع العقول العلمية.

لماذا فعلتَ ذلك، أكثر مما فعلته مع شعراء وفناني وكتّاب أمريكا؟!!

_ كنتُ أحاولُ أن استجر الطاقات من تلك العقول،بدلاً من الاعتماد على الوَحْي والإيحاءات. أو الغوص في الخيال والجنون الضروري للشعر في معظم الأوقات.

■ وكانوا يبادلونك الرؤى والشطح وتبعات الجنون الشعري وفيضاناته الفانتازية؟

_ لم أكنْ رِجْل مِنْضَدة بالتأكيد. ففي الشعر سطورٌ لا يمشي عليها إلا أصحاب الاختراع. وتلك ليست فكرة خبيثة أو مُضللة أبداً. ((الحقيقة، كل ابتكار عقلي هو أولاً خلق شعري بأحسن ما تعنيه الكلمة. ونظراً لوجود تكافؤ بين أساليب الإحساس والعقل، لا فرق بين الأمر الذي يوضع للامتحان في مشروعات العالم أو الشاعر. هل هي الفكرة الاستطرادية أم الانتقالات الشعرية المفاجئة..أيهما ترحل إلى الأقاصي البعيدة؟، وأيهما تعود منها؟ ومن تلك الليلة الأولى التي واد فيها الأكمهان، وأخذا في تلمس الطريق، أحدهما مسلح بالعلم والآخر لا تنصره غير ومضات الخيال. أيهما يعود سريعاً محملاً بالألق الفسفوري؟ الجواب لا يهم. فالسر مشترك بينهما، والمغامرة العظمى للعقل الشعري لا تعدو أن تكون أمراً ثانوياً بالنسبة إلى التطورات المثيرة للعلم الحديث. ذهل علماء الفلك لنظرية تمدّد الكون، لكن التوسع غير قليل في المطلق الأخلاقي لعالم الفرد. كلما تراجعت تخوم العلم، يسمع الإنسان من على القوس الشاسع لهذه التخوم، نباح كلب الشاعر على الطريدة. ولو لم يكن الشعر«حقيقة مطلقة»، كما يقال، فإنه قريب منها، ذلك لأن للشعر توقاً شديداً للحقيقة، وإدراك عميق لها، قائم في الحقيقة في الحدّ الأقصى من التعاون، حيث يتخذ الحقيقي شكلاً له في القصيدة عن طريق التناظر والرمزية، عن طريق الاضاءات البعيدة للصورة الشعرية اللا مباشرة، عن طريق تفاعلات هذه الصور في ألف سلسلة من ردود الفعل والتداعيات الغريبة، وأخيراً عن طريق بركة اللغة التي يُترجم بها إيقاع الوجود ذاته، يكسو الشاعر نفسه بسريالية لا تمت إلى العلم بصلة، أو يملك البشر لغة أخرى أكثر إدهاشاً وأكثر جاذبية من هذه. وما دام الفلاسفة أنفسهم يغادرون عتبة الميتافيزيقيا، فعلى الشعراء الرجوع إليها.

هكذا فإن الشعر، لا الفلسفة، يبرهن على أنه الابن الحقيقي للأعجوبة .))

■ أتظنُ أن الكلمات يمكن أن تكون بديلاً عن حواسّ الجسد الخمس؟

_ اللغةُ في جوهرها مملكة أولى للحيوان والنبات والجماد. وبالتالي، فإن لكلّ كلمة من اللغة، مقامٌ في منطقة من الجسد.

■ وماذا عن الكلمات في مَلكُوت السموات .هل ثمة شِعرٌ بوزن ما أنجبته الأرحامُ الخياليةُ في تلك الأراضي البعيدة يا سيد بيرس؟

_ لا أريدُ التسرّع في الاستنتاج. فثمة قسم من جسدي ما زال منفصلاً عني،ويعيش بعد موتي على الأرض هناك.

■ هل تشعر بأنكَ مثل سّكك الحَديد، وُجِدتَ لتمشي عليكَ الكلماتُ من أجل أن تولدَ من جسمك النيرانُ ؟

_ أنا واجهتُ انعطافات جمةً في تاريخي الشعري،إلا أنني ما زلتُ أشعرُ بعزلتي الكونية،ولم يبق عندي ما يؤكد وجودي على سطرٍ حرّ من ذلك العالم العسكري.

■ هل أدنتَ الموتَ المجاني، فمُنحتَ جائزة نوبل 1960 بمعزل عن تاريخك الشعري المحافظ ؟

_ لا أحد يعرفُ لمَ يُمنح جائزة مثل جائزة نوبل.ولكنني وصلت إليها دون مراثون.قبضتُ على جمرة المال والشهرة ،ولم يبق عندي من هدف سوى الجلوس على أريكة مميزة أمام نهر أو بحر أو دُشّ،ومن ثم الكتابة عن حركات الجسد الداخلية المرافقة لحركة اللغة في مجرى الرأس المنتصب فوق جذعي. 

■ كيف تفسرُ ممانعتكَ للحداثةِ العاصفةِ، بعدمِ انجراركَ وراء المدارس الدادائية والسوريالية التي قامت على مبادئ التجاوز الحرّ للموروث؟

_ أنا نجحتُ بالتهرّب من الملذّات الطارئة، بالاعتماد على جوهر الفكر في صياغة وتكوين العوالم الشعرية وطقوس الذات .

■ هل تعتبر المدارس الدادائية والسوريالية من الملذّات الأدبية الطارئة ؟!!

_ تماماً.وهما مدرستان للتجسس الشمولي .

■ ماذا تقصد بكلمة ((تجسس)) يا سيد بيرس ؟!!

_ أقصد أن الدادائية والسوريالية مدرستان للتجسس:الأولى على حركات العقل،من أجل السيطرة على رأس الشاعر وهَدّمهِ.فيما السوريالية،فقد اختصت بتركيع اللغات إلى السحر ،وجعل الكلمات مسارح لعبث المخيّلة المعتمدة على الجنون والشطح وقلب جيولوجية الشعر لصالح الشيطنة .  

■ ولكن النصّ الشعري ليس عقاراً مهجوراً،ليبتعد الشعراءُ عن أشباحه وخيوط عناكبه، ولا هو بذلك الثوب الحارق،حيث يجب تفادي ارتداءه ؟

_ أنا أدركتُ بأن الشعر لحمٌ ودمٌ في بدنٍ ملئ بالغلوكوز .ثمة طاقة،يحتاجها الشاعر .وثمة تجارب حبّ للاحتراق ،تتطلبها العمليات الشعرية .وهو ما دفعني إلى البحث عن الوسائل والمواد التي توفرُ للنصّ الصحة .

■ وإذا لم يتمكن هذا الشاعرُ أو ذاك من الحصول على تلك الطاقات التي تتحدث أنت عنها،هل يبطلُ مفعولُ الشعر عندهم على سبيل المثال ؟!

_ تلك الطاقاتُ هي سككُ حديد العربة الشعرية،دونها يدخلُ الشعرُ في مرحلة التعثر،ومن ثم ينالُ منه التعبُ والكساحُ،فيعجز أن عن المشي.

■ ولكن الشعر بنظر الحداثويين،إنما هو طيران ليس إلا .فما رأيك ؟

_ الطيران هو الآخر يحتاج إلى طاقة مضاعفة .فالشاعر البراغماتي ،هو منشأ تكاثر الأجنحة في الجو.وهو الذي يمنح الأفقَ معنى أن يكون مفتوحاً لمصلحة النصّ .

■ كم كانت المسافة ما بين المجموعات الايدولوجية وبين سان جون بيرس؟

_ أنا صغتُ مسافةً وهميةً ما بين الاثنين. فقد كنت في ضواحي الإيديولوجيات متأملاً لا مشاركاً .لم أمشِ على جسر حزبي،وأنا اضربُ الأرض بقدميّ كمناضل مراهق .فالأفكار التي كانت تخرج من فوهات المداخن،لم تلقَ رغبة عندي ،إلا بالنظر إليها كخفافيش أو كغيوم خارجة من كهوف مخيفة.

■ تقولُ هذا، مع إنكَ كنت خضتَ المعترك السياسي كدبلوماسي !

هل أنتَ مُشْبَعٌ بالكراهية للسياسي الأيديولوجي إلى هذا الحدّ ؟ هل لأن تسييسَ النصوصّ هو إعدامٌ لها ؟  

_ الشعرُ السياسي مثل قدم  تقطعُ ثلوج جبال الألب بجورب قصير  .

■ منْ يتحكم بمزاج النصّ الشعري: اللغةُ أم الأنفسُ ؟

_ أنا أرى أن أنفس الشعراء تبعيةٌ وازنةٌ لعيادة فرويد .فالشعراءُ سَمَك مُدَخّن في غرف خاصة. يتأرجحون على الحبال،وكلّ منهم يحلمُ بالحصول على وجبةٍ إضافية من النار .

■ وهل كنت تحبُّ التأرجح كسمكة مُدخنة على حبال الزمن يا سيد بيرس ؟

_ أنا لم أدخل تلك الغرف أبداً،لأنني كنت بمثابة سمكةٍ في مجرى نهر.

■ وكيف كنت تنامُ تحت المياه ؟

_ لم يمسسني نُعاسٌ أو وسَنٌ تحت لِحاف الماء.

■ لماذا؟هل كنت كمنْ يمشي في نومهِ ؟

_ أجل.وعشتُ داخل كيسٍ للنوم في الطبقات السفلى من المياه ، أحرسُ شعري وأتمتعُ بملامسة الأمواج فقط.

■ أكنتَ تحرسهُ من حيتان الشعر الفرنسي، أم من أسماك القرش الأوروبية ؟

_ الشاعرُ الذي لا يقوم بحراسة شعره،مثله مثل قرد لا يفكر بتَّرقية نفسه أمام الشعوب .وأنا فعلت ذلك من أجل أن لا تَفسدَ نصوصي فرنسياً،ولا من أجل أن تبتلعها تياراتُ الشعر الأوروبي.

■ هل تؤيدُ صحة ما ذهبت إليه صديقتك  الشاعرة والناقدة الأميركية (كاترين بيدل) في كتابها عنك ((سان جون بيرس من الداخل)) أنك كنت رجلاً ((مسكوناً بخدمةِ مساره الأدبي وشديد الاهتمام بأبسط مقال يُكتب عنه وهدفه كان الشهرة))؟

_ وما المشكلةُ في ذلك، إذا لم أكن قاتلاً أو عنيفاً بأذية أحد؟ الخدمة التي كنتُ أوليها لنفسي ليست عاراً، ولا تندرجُ في سياق المحظور. فأن تكون شاعراً،عليك بجمع أوراق الغابة التي تتساقط حولك،لأنكَ شجرة نفسكَ في الربيع والشتاء والصيف والخريف.وكلّ ما تجمعهُ من أوراق،سيصبحُ ورقاً مصقولاً يصلحُ للكتابة فيما بعد.

■ لقد أحدث ديوانك ((أناباز)) الصادر في العشرينات من القرن الفائت،دويّاً عالمياً .هل كان الابتعاد عن بحور الشعر الفرنسي،هو الذي أثار الإعجاب في ذلك العمل الشعري المهم ؟ 

_ ليس ذلك وحده هو ما أحدث الضجة وقتها،بل كان الأمرُ الأهم ،يتعلقُ بالنصّ الملحمي المفتوح الذي تقدمتُ به إلى القارئ،وأخضعَ رقبةَ الشعر الفرنسي إلى الكسر.

■ على ما نعتقدُ، فإن الشاعر السوري أدونيس، قام بنقل ((منارات))  إلى العربية، ومعترفاً بالتناصّ مع عملك المشار إليه.فماذا تقول في ذلك ؟

_ التأثر الشعري الذي أوقع أدونيس به نفسه تحت فكرة التناصّ،لا معنى له.

يبدو أن أدونيس المترجم، تناسى تلك المهمة،فدخل على شعري بشبه غزوة لا تُغتفر،بعد تكاثر التناصّ وتضخم التبادل غير الشرعي ما بين ما كان لي،وبين ما أصبح له.

فـ ((التأثّر الشعريّ،ونتيجة للابتذال الذي أصابه عبر الوقت،هو جزءٌ من ظاهرة أكبر للتنقيحية الفكرية .والتنقيحيّة سواء أكانت في النظرية السياسية ،علم النفس،اللاهوت،القانون،أو الشعرية،قد بدّلت الكثير من طبيعتها في وقتنا الراهن.)) وهكذا تصبح النصوص بمثابة قرابين ،تارة للتناص،وتارة أخرى للتأثّر،وهي في جوهرها عمل لصوصي للسرقات المنطوية تحت حساب التخاطر غير البريء مطلقاً !

■ ما معنى أن يتأثرَ شاعرٌ بشاعرٍ آخر؟ 

_ أن يسرقَ المتأثرُ النارَ من جسد الأصل،ثم يتركهُ محاطاً بتلال من الرمال لعزلهِ عن القراء،كي لا يتم اكتشاف البضائع السحرية المسروقة.  

■ هل فعلتَ أنتَ ذلك بأحد من الشعراء؟

_ لا أتذكرْ .ولكنني حاولتُ تأهيل نفسي بأصوات من الشعر الإغريقي،إلا أنني استعملتُ الممحاة بعد ذلك ،لئلا أترك شيئاً من الآثار العظيمة تتعشقُ بالنسيج اللغوي لنصوصي ،بحيث تنعدمُ القدرةُ على محوها بشكل نهائي. 

■ هل يؤمنُ سان جون بيس بأن الشعر مع الآخرين، هو  بمثابة حركة مدّ وجزر ؟

_ لا أظنُ أنني ميالٌ إلى هذا النوع من الاعتقاد. فأنا أفضلُ الإغراقَ على الاستغراق .

■ تعني إغراق الآخر بالشعر ،وليس الاستغراق معه بالحكي عن فوائد الفيضانات التي يستعملها الشعراءُ للسيطرة على حركة الآخرين؟

_ بالضبط. فالآخرون هم سكان الأراضي المُنْخِفضة التي يذهبُ إليها الشعرُ بصخوره وبواخره وأمواجه وطينه وأسماكه ووحوشه وأغانيه الصاخبة .   

■ ألا يَعُدّ ذلك تعالياً على القارئ؟!

_ أبداً.القارئ جزءٌ من عذاب الشعر وتعذيب الشاعر.فما من قصيدة ،إلا وتدفعُ الشاعرَ إلى التفكير بالقارئ، وكأنه متاعُ رحلةِ النصّ،فيما هو عَفْشٌ قابلٌ للتعايش مع كلّ مكان وكلّ زمان.

■ متى تتمتعُ الكلمةُ في النصّ باللذّة.أقصدُ تتمتعُ بنفسها ؟

_ يحدثُ ذلك،كلما لثمَ شاعرٌ شفةً حارقةً،فأدتْ باللغة إلى فتح بوابات الانتعاش بالكلمات.

■ هل سبقَ للشاعر سان جون بيرس وأحبَ الثعالب ؟

_ نعم.فأنا أدركُ بأن خلو الشاعر من الثعالب، يجعلُ النصّ مُفَرغاً من الدَهاء ومُسطحاً من كلّ عمق بلاغي يحتاجهُ الشعرُ لبناءِ نفسهِ،والحفاظِ على خلاياه من التخريب والموت أو الاندثار.

■ متى أحسّ الشاعرُ سان جون بيرس بأنه أصبح سفينةً قديمةً تُسَيّرُ بمجاديف مُنهِكة؟

_ لم يُحْرز زمني الفائت تقدماً نحو تلك الفكرة التي تتحدثُ أنتَ عنها.فأنا مازلتُ قوياً كباخرة تعمل بوقود الفحم الحجري،ووصلتْ بعد رحلة الموت إلى هنا،لأمتلئ بنيران شعري من جديد،وكأنني عينٌ من عيون طَبّاخٍ لم تقو الريحُ على إخماده.  

■ تعني ان حرارة شعرك لم تنقطع عنكَ، كما هي حرارة النساء ؟!!

_ بعد أن تجاوزتُ جسرَ الموتِ،عادت الحرارةُ إلى مختلف مناطق الجسد، بل وإلى أجساد الكلمات التي سرعان ما تحولتْ إلى حسناوات للتدفئةِ ولكتابةِ النصوص السماوية .كل ذلك حدث هنا ، ربما بفعل العناية الإلهية .

■ أترى أن نصوصّ الأرض، تختلفُ أو تتباينُ مع ما يمكن أن تكتبهُ أنتَ في السموات؟

_ ذاك ما كان يشكو منه عمر بن أبي ربيعة بالأمس،عندما أسرّ لي بأن شبابه ما يزال متوثباً بتلك المراهقة الشعرية التي لا تنطفئ جذوتُها في روحه حتى الأبد.لذلك فكان  يخشى على ثروتهِ الشعرية من أن تنزعَ ذلك النزوع الأيروسي أمام عرش الله.

■ ألمْ تستطع طمأنته ؟

_ أجل.قلتُ له أن يستعملَ الرقم السِرّيّ(باسوورد ) للاتصال بالنسوة اللاتي يرغبُ بهنّ ، إلا أنه رفض الفكرةَ،مفضلاً صيد النساء في البحيرات الهرطوقية.

■ وأنتَ.أين منكَ النساء يا سان جون ؟!!

_ أنا في مرحلة الخروج من سباتي الشتوي إلى الفضاءات التي سبق لي وأن نسيتُ ملامحها الكونية على جدرانها .

■ هل تشعر وكأنك تقمصتَ دباً ؟؟

_ أنا ذو ميولٍ جنسية مع المخلوقات البحرية،ولا أعرف سبباً لتلك الأفكار التي تدفعُ بي إلى فكرةٍ من ذلك النوع؟!!

■ ربما أن نسبة الماء في جسمك أعلى من الدم؟

_ليس ذلك مهماً كما أظنُ،المهمُ نسبةُ الأوكسجين في الذهن الشعري.إما فيما يتعلقُ بالماء والدم في الجسم،فهما مادتان تتصارعان على مرّ الوقت من أجل التخلص من الآثار السيئة التي تساعدُ في قتل الطموح،كأن يبقى الجسدُ اللغوي أقوى من الجسد اللحمي.

■ ألا ترى بأن أفكاركَ تتطبّعُ ببعض الأفكار القُرطوسية على سبيل التخصص ؟

_ لا أعرفُ. ولكنني في خلاّط زمني ضخم،لا انفصالَ فيه ما بين فترة زمنية وبين أخرى.الاتحاد الشعري في التأليف،هو تواصلٌ لا انفصالَ فيه ما بين مرحلة شعرية ومرحلة أخرى تختصُّ بميلودراما الفراغ .

■ وبأية موادٍ يُعبئ الشاعرُ نفسهُ يا سيد سان جون بيرس؟

_ ليس بحلوى اللوز المطحون بالسُّكر بالطبع. فكل خليّة في الجسد الشعري،إنما هي منطقة مسكونة بمختلف المخلوقات وتيارات الريح،ولا يصح التعامل معها كأغنية حزينة فقط.

■ هل ما زلتَ محموماً بالهواجس القديمة يا سيد بيرس ؟

_ في تلك الأرض،وضعتُ نقطةً من دمعي على التراب،وجئتُ متبخراً إلى هنا في مجرى الضوء بلا عقبات.

 ■ لتقرأ شعرك أم لتقلّبَ ما في رؤوس الآخرين من أفكار ؟

_ لا .لم يُعُدّ الأمر معلقاً بقراءة شعر أو بتقلّيب أفكار، فعندما تصبح الأعينُ من الأرض البُور،لا تشتعلُ في النفس إلا الأوراق اليابسة وتصاوير الأنهر الذابلة .لكن العظيم في الشاعر،إنه كزهرة عباد الشمس،يلتفتُ حتى وهو في منزله الطيني الأخير،وذلك لأن شعرهِ، سيبقى متدفقاً إلى ما وراء القبر. فالشاعر ينمو ويتكاثر في نصوصّ أخرى، لم يسبق لهُ وإن تدرّب عليها في حانة الأرض.