حوار مع الشاعر الإيطالي دانتي ألتغييري

كتابة وحوار: أسعد الجبوري

هذا هو فنُ الاقتحام بعينه. أن تدخل السموات دون قيامةٍ، تمسح الأكوانَ بفعل المحرك الإلهي، لتضع البشر على أبواب المحكمة الخاصة بالعدل الرباني.

هكذا كان الذهاب إلى الآخرة في رحلةٍ مستثناةٍ من قواعد الزمان والمكان وأنظمتهما الفيزيائية. وهو ما جرى فعلاً، عندما وصلنا إلى هناك مُحققين المرادَ بلقاء من كنا نريد الحوار معه. كل ذلك تم عبر تلك السفرة الومضة ما بين الأرض وبين السموات، وذلك عندما تكفلَ ذلك البرزخ السريّ بإيصالنا إلى هناك بعيداً عن فكرة القيامةٍ الموعودةٍ التي طالما تحدثت عنها الديانات في كتبها المقدسة.

واللقاء بشاعر سبقكَ إلى السموات ومناطقها وفنادقها وفراديسها، فالتقى أشخاصاً ورموزاً تاريخية شهيرة، وكتب عنهم مُصوّراً أحوارهم هناك، لهو أمرٌ مثيرٌ للاضطراب، وغير قابل للتصديق الفوري في كل الأحوال.

ولكننا في نهاية المطاف، وصلنا إلى هنا في باص إليكتروني مثلث الشكل. واجتمعنا بالشاعر الايطالي دانتي ألتغييري (1265م ـ 1321) م الذي قَسّم السموات إلى جحيم ومطهر وجنة.الشاعر الذي ارتبطت شهرته بالجحيم طوال عقود من الزمن الشعري وعقود أخرى من زمن هرطقة اللاهوت.

اجتماعنا بالشاعر دانتي، شكلّ وضعاً استثنائياً، خاصة وأن سلسلة حوارات  “بريد السماء الافتراضي” تناولت أوضاع مئات من شعراء العالم الموتى، وبما لم يفعله أحدٌ من قبل، حيث قطعنا شوطاً هاماً من الجرأة بفتح مجاري الأنفس والأجساد والنصوص الخاصة بالغائبين، ومن ثم مناقشتها ونقل وجهات نظرهم الجديدة لقرائهم على  الأرض مرة أخرى.

عندما وصلنا إلى مقر إقامة الشاعر دانتي المتاخم لمسرح العرائس في المنطقة الزجاجية،  وجدنا معه خنزيرهُ الأزرق منبطحاً إلى جانب زجاجة من الكوكا كولا وبعض القات اليمني. تصافحنا متداخلين بكلمات تحكي عن الحياة في الآخرة، دون تناسى السيرة الذاتية لرموز التاريخ في مجرى الناس، ممن لم تنته فواجعهم لا على طريق النار ولا في الفراديس حتى.

بعد مقدمة التعارف طرحنا على دانتي السؤال الأول مستفسرين :

■ ما أوجه التشابه ما بينك وبين دونكيشوت.كلاكما قاتل الأوهام. هو في حرب الطواحين وأنت في حروب الغيب؟!!

ـ ربما لا تشابه إلا فيما يخص النضال الأعمى.دونكيشوت كان محارباً لطواحين الهواء، وفشل بالانتصار على أوهامه البيضاء، وكان الرجلُ بارعاً من فرسان الوهم.وأنا مغامر، عندما فشلت في الصراع السياسي بدعم الوحدة الإيطالية، أخذت طريقي إلى الجحيم،  لألعب بمصائر الرموز العظمى وأنتصر على تحالفات الموتى هناك.

■ تعني أنك كتبتَ في الأدب والسياسة والفلسفة من أجل الفصل بين الكنيسة والدولة في الإمبراطورية الرومانية التي كنت تعتبرها مقدسة، فيما دونكيشوت حارب من أجل ترسيخ الفضائل على الأرض دون فائدة؟

ـ لقد ربطت مصيري بالأدب الذي منحني إياه القدر ونُفيتُ من أجل تلك المعتقدات.فيما السيد الآخر، أقصد دونكيشوت،  فقد كان يربي الفضائل والآمال في قن للدجاج، فكان رمحهُ في كل حروبه عصا من الخيزران، لا يبتعد عن ظله سوى مسافة مترين أو أقل؟

■ قلت إنك تشردتَ ونُفيتَ.فهل كانت أفكارك تستحق تلك العقوبة، كأن يكون ثمنها النفي من مسقط رأسكَ؟

ـ لقد كان ترحيلي أو نفيي عن فلورنسا عملاً شاقاً بالنسبة لشخص من طرازي، لأنه كان لزاماً علىّ آنذاك، أن أحمل تلك المدينة تحت جلدي، لأحتك بها وأشم روائحها حتى في اشد أيام الزكام قسوة وتبدداً. إلا أن الطغاة حكموا علىّ بالموت فيما لو رجعت من المنفى لفلورنسا.

■ لذلك عشتَ في مدينة رافينا حتى لحظة وفاتكَ؟

ـ أجل ونمتُ دون انتعاشٍ تحت التراب في قبري هناك.

■ أتكون فلورنسا هي المرأة الظل في بواطن دانتي؟

ـ لم تكن فلورنسا غير بوابة واسعة للاندماج بالحرية وبالمرأة.وذلك ما حدث بالفعل.عندما انخرطت وأنا في ربيع الشباب بالأعمال العسكرية كمجند

■ تقصد أن زواجك المبكر في عمر 12 شبيه بالزواج العسكري المندمج بعالم الدمى؟!

ـلم يكن الأمر كما تتصور أنت، فالزواج المبكر، كان عرفاً لا خلاف عليه عندنا. وهو في كلّ الأحوال كان بمثابة خدمة عسكرية في سرير.

■ أي نوعٍ من الحبّ اندمج به قلبُ دانتي أولاً؟

ـ الاحتفال باللحم.

■ كيف تصف لنا ذلك شرحاً يُثمرُ معنى دقيقاً؟

ـ قد لا يحتاج الاحتفال باللحم إلى شرح خاص.كنتُ ولداً شقياً سرعان ما وجد نفسه ينغمسُ بطريق شهوته مبكراً ودون عناء أو توسل.

■ كلّ ذلك الحب أو الجنس، كان من أجل التقاليد العائلية؟

ـ ربما. فتقاليد النكاح العائلي أفضل من الانهماك بالبحث عن امرأة تسدّ الرمق.كان هناك طريقان للاندماج بالحياة الاجتماعية،  أولاً تدخل القفص الذهبي وأنت مثل طير غرٍ،  لا يملك الكثير من الريش الكفيلة بتوفير أدوات الطيران.وثانياً أن تمارس المراهقة بالبحث عن حبّ، وتنالَ الفشلَ قبل تلمسّ تلك الأجساد الفائضة بالشهوات، فينكسرُ قلبُك وتكون من أيتام الغرام.

■ أهو الحبُ الذي قرأتهُ مبكراً ككتاب، ليأخذكَ من بعد ذلك إلى المتاهة  الأعمق في الحياة وفي الشعر؟

ـ لقد فتح الحبُ برأسي نافذة على الجحيم، فسرقتني نيرانُ الغرامِ منذ البواكير إلى ما بعد النشوة، فكانت الآلام البسيطة افتتاحية حياتي.

■ومن بعد ذلك بدأ الألم البسيط بالتمدد الكلي وصولاً إلى كمال الوجع الصارخ كما تعتقد؟

ـ كنت أكثر من ذات في جسد نشط ومتقد.

■ تعني أنك انفصامي:تنشق عن نفسك طوراً، وتلتحق بها طوراً آخر..وهكذا تتكاثرُ في جسدكَ وتتقلص؟

ـ لا أعني أنني كنت مصاباً بالشيزوفرينيا، بقدر ما أؤكد انتمائي إلى سلالة الآلهة المشيدين للأساطير ما بين قطبي الكون :الوجود والعدم.

■ كأنك منذ البدء، حاولت مقابلة لغات الأحياء بلغات الموتى؟!

ـ كل صعود إلى القمة، يستوجب تكريس تلك المقابلة.فما من حيّ إلا وبداخله ملايين الموتى، مثلما يحتفظ الموتى بأسماء أفراد عائلاتهم ومعارفهم.فذاكرةُ كلّ ميتٍ،   تبقى محتفظةً بسجلات الزمن الذي عاشتهُ بشكل صامت غير ناطق.

أنا، وبعد وقت المراهقة، وجدتُ في نفسي الطاقات الحيوية للصعود إلى أعلى.كنت أفكرُ بالملكوت البعيد، مثلما كنتُ أحاولُ تعبيدَ طريق سريعٍ يُوصلُ  الأرضَ بالسموات؟

■ وما فحوى الهدف من وراء قصدكَ يا دانتي؟

ـلقد تلمستُ نيراناً مُسْتَعِرة في داخلي، وكان علىّ معرفة مصادر الحطب الذي يوفرُ لتلك الحرائق الإدامة في جسدي وخارجهِ على حد سواء؟

■ والورق؟!!

ـ لم يكن الورقُ إلا للتعايش مع حواسّ الكلمات، مثلما كان الدمُ حبراً للتدوّين على صحائف اللحوم المشتعلة بمختلف أصناف الكلمات.ولكن؟

■ ولكن ماذا يا دانتي؟

ـ أن أترك للغة مهمة بناء عوالم الذات الإنسانية في مكان آخر غير الأرض.

■ لماذا إجراء محاولات من ذلك الطراز.هل لأن الذات البشرية قد فقدت مفاتيحها هنا. أي على الأرض مثلاً؟

ـ ليس من أجل ذلك وحدهُ، بل لأن الأرض لم تعد تتسع الذات كتابة وتأملاً وأحلاماً وغراماً.ذرة واحدة من الذات، لا تعادل، ولا حتى رطلاً من لحم الأرض.

■ هل كان الأمر متعلقاً بالتنافر ما بين لحم الإنسان  والتراب كلحم للأرض على سبيل المثال؟!

ـ بالطبع.ففي الحياة، يمشي الأحياءُ منذ ولادتهم إلى المقابر، وكأنهم ولدوا من أجل اكتمال ذلك المشهد المسرحي وحده.

■ أهذا ما أردت أن تنتجه أنتَ في الكوميديا :صناعة عالم افتراضي داخل اللغة.أليس كذلك؟

ـ بالضبط.فربما الجحيم الذي أنتجته الدياناتُ  في كتبها ونصوصها تهويلاً للعقوبات الإلهية في السموات، قد لا تظفر لفكرة انحياز الربّ إليها، وتصديقها بكل مافيها من صور وتصاوير وأفكار ومشاهد. 

■ ثمة من يقول ـ فليب سوليرز ـ انه  “بفضل شيلينغ أصبح دانتي جزءا من الأسطورة الرومانسية،  التي احتفظت له في فرنسا على الخصوص،  بصورة تزيينية ترصيعية حيث صار كل من دانتي والجحيم مفردتين مترادفتين تدخلان في صنف الرؤياوي والمرعب. مع ذلك،  فالفضل يعود إلى القطيعة التي عرفت عن النصف الثاني من القرن 19 والتي ستجعل حضور  “الكوميديا  “ يتخذ طابعا شكليا (  “هوميريا  “)،  وهو الأمر الذي سيجري على أساسه تحويل وقلب حاسمين مرتبطين بظهور الدال في ذاته،  وباللغة كسؤال جذري أكثر فأكثر.    إنه حضور يفصح عن نفسه بشكل متناقض:  جيمس جويس وعزرا باوند شددا فيه على ما يمكن تسميته بالمشروع الكون – مجهري microcosmique ذي الصبغة اللسانية الشمولية. كلوديل فضلا عن أنه وجد فيه المجال ليصوغ على طريقته نماذجه حول الشعر الذي  “لا يغوص في اللانهائي لكي يعثر على الجديد ولكنه يغوص في عمق المنتهي لكي يعثر فيه على غير المستنفذ  “،  يريد كالعادة أن يطمئن الطائفة الكاثوليكية التي لم تعرف ماذا تفعل بكاتب في غاية الإرباك (ومسرف في الكونية). وإذا أردنا القول،  فدانتي قابل لكل ما نريده منه:  الجامعة،  النزعة الأكاديمية،  النزعة الحداثية؛ كل واحدة  منها تتبناه بدون كبير مخاطر. وإذن فالمشكلة،  بكل تأكيد،  لا تكمن هنا (وهي بالقطع لم تكن كذلك بالنسبة لهولدرلين،  للوتريامون،  أو لمالارميه،  وكما نعرف فإن الفكر تخلى منذ زمن بعيد عن هذه التصنيفات المصطنعة). وإذا كان من وجود  “لسرِّ  “ يسمى دانتي،  وإذا كان الانبثاق الأركيولوحي لنصه أن يلقننا شيئا ما لم يكف خفية عن تحديد تاريخنا،  فقطعا ينبغي لنا ألا نبحث عنه في مظهر هذا النص ولا في محتواه،  ولكن في العلاقة العميقة التي يقيمها دانتي مع الكتابة.   إن  “الكوميديا الإلهية  “ ـ التي لم يكن لها هذا الاسم الحامل لهذه الهالة الكاشفة إلا ابتداء من القرن السادس عشر،  والتي اعتبرها دانتي،  بكل بساطة،   “قصيدة مقدسة  “، –  ستغدو إذن بالنسبة إلينا نصا في سبيله إلى الانكتاب،  بل وأكثر من ذلك أيضا الكتاب الأول الكبير الذي تم التفكير فيه وبلورته بالكامل من طرف مؤلفه ككتاب  “. ما رأيك؟. 

ـ كل الذين تناولوا  “الكوميديا الإلهية  “كنص شعري معقد،  يبحث في سجل السموات عن مصادر تكوين الآلام، سيكتشفون بعد وصولهم إلى السماء، بأنهم ضحايا تفكير ساذج، لم يحقق طويلاً في عمق التراث اللاهوتي الذي قدم للبشرية صور الله بمختلف أشكالها.فالسرّ الذي يتحكم بالكوميديا، هو جزء من الفزع الذاتي للنفس التي تعيش في جسدي بالضبط. بمعنى أدق، ان الكوميديا كانت أرضاً موازيةً لمنطقة افتراضية تقع عليها حوادث متخيّلة، وذات أصول مرتبطة بالتاريخ الإنساني.

■ لقد كتبت  دانتي في جحيمه : “أنت يا من يقرأ، ستسمع لعباً جديدة “؟

ـ أجل.فكلّ قراءة للجحيم النفسي، تفرضُ إنتاج انعطافة جديدة في التفكير الخاص بالنار.بالعقاب.بالتعذيب المُستنسخ للآلام التي يريدها الرب وفقاً لادعاءاتهم.الشعر هنا، هو محرك النشاط المتعلق بقيمة قياس الخير وهوّل الشر في الفضاءات الخاصة بالمخلوقات الآدمية.

■ هل يعتبر دانتي أن الكوميديا اجتراحاً ينحى الاتجاه الأسطوري؟

ـ بالتأكيد. فعلت ذلك مثلما فعل الآخرون مع بقية الكتب الخاصة بالديانات.أو تلك التي كانت شبيهة لها أو على هوامشها.فكل عبقري يمكنه تأليف كتابه الديني.

■ أنت تعلمتَ في البيت. ودرست الثقافة اللاتينية والشعر( التسكاني)،  متأثراً بالشعراء البروفانسيين. فهل كان نموذجك الأعظم هو الشاعر الروماني بوبليوس ورغيليوس مارو أو المُسمى فرجيل؟

ـ نعم ذلك كان صحيحاً.فقد انغمستُ بعمل فيرجيل الأهم  “الإنياذة  “ وترعرعت روحياً معها إلى حدّ مبالغ فيه.فالشاعر فيرجيل بقدر ما كان شجرة روحية وارفة الظلال، بقدر ما هو مشتعل داخلياً بغبار الآثام وطقوس المخلوقات المُعرّفة بالعذابات المجهولة.

■ هل اكتسبت لغة العذاب منه، فغرقت بطقوس الجحيم؟

ـ ليس منه تسربت الآلام لنفسي فقط، بل كان موت حبي الأول  “بيتريس  “ الأثر الانقلابي على نشوء العذاب الجسدي المصحوب بالعواطف المتقدة بالحزن والمرارة، مما دفع بي إلى البحث عن منقذ ميتافيزيقي يكرس في ذهني فكرة التحرر من الخوف، فدخلت بعض المدارس الدينية والفلسفية في سانتا ماريا نوفيلا.

■ يعني أن لا نشاطك السياسي ولا التحاقك بالجندية العسكرية في فلورنسا كانتا كافية لسدّ الثغرات النفسية السوداء في ذهن دانتي؟

ـ لقد سُدّ عليّ غضبُ البابوات جميع الثغرات مجموعة  “الغيليون“ الكنسية السياسية التي حكمت فلورنسا عام 1301 م بالحكم علىّ موتاً بالمنفى.

■ ولكن بعد وفاتك أدركت حكومة فلورنسا أنها أخطأت في حقك خطأ فادحا، و”حاولت تدارك هذا الخطأ بطبع أعماله، ودعوة ابنه وبعض الأساتذة المتخصصين في الأدب إلي إلقاء المحاضرات عنه،  ومنهم جيوفاني بوكاتشو (1303 ـ 1375) الذي يعد أكبر الدارسين للشعر اللاتيني وقد جمعت نصوص محاضراته في كتاب  “حياة دانتي“.وظلت الحكومات المتتالية تتحين الفرص لنقل رفات دانتي من مدينة رافنا إلي فلورنسا فلما فشلت مساعيها أقامت له في عام 1829 قبرا تذكاريا في كنيسة الصليب المقدس،  يعلوه تمثال لدانتي،  توج رأسه بأكليل الغار،  مثلما حدث للعالم الإيطالي جاليليو (1564 ـ 1642) الذي تعرض في حياته علي نحو ما تعرض دانتي،  لغضب الكنيسة ومحاكمتها له وتحديد إقامته،  ولكنها بعد ما يقرب من مائة سنة من وفاته رفعت الكنيسة الحظر عن كتبه المدرجة في قائمة التحريم. وأقامت له نصبا تذكاريا في الكنيسة “ أليس كذلك؟

ـ ذلك ما حدث بالضبط. ومن تلك الآلام الخانقة، ولدت الكوميديا الإلهية لتكون جسراً واصلاً ما بين الجنة والجحيم.

■ إذا أردنا أن ندخل في طقوس قلب دانتي العاطفية، فإننا نكتشف شخصيات حادّة ومتعثرة ومغامرة ضمن مسار من الكلمات أو الشعر الإيقاعي المقفى المستغرق بغرامك بتلك المرأة المتزوجة  “بيتريس “ التي كنت تتفاعل معها تحت اسم مستعار (بياتريك) خوفاً عليها من الفضيحة.

هنا نسأل عن مشاعرك الغائرة بالنيران، وأنت بعمر الثامنة عشرة،  وكيف كنت تتجلى بكتابة تلك السوناتات لها عام 1283 وإلى ما بعد موتها؟

ـ ما أن وقعت في حب تلك الفتاة، حتى وجدت قلبي ينبض خارج القفص الصدري تماماً.آنذاك بلغت مرحلة من الشغف الموصول بنار زرقاء غريبة المصدر.وعندما تقدم بي الحبُّ إلى المناطق الأخطر، سرعان ما سرق الموتُ عشيقتي تاركاً رأسي كموقد يملؤه الجمر. تارة يوشك على الانطفاء، وتارة أخرى تعصفُ به ريحٌ، فيجنُ مستعراً، خاصة وأن دانتي،  قسم  “في هذا العمل،  أعماله إلى ثلاث مراحل متميزة: المرحلة الأولى،  هي مرحلة الحياة الجديدة،  مرحلة تقديس بياتريك الحقيقية،  التي رأى ولمس فيها الشاعر عدة أشياء من خلال وعيه وإدراكه كما لو إنها أحلام. هذه المرحلة تتضمن عمله سيرة حياة،  وإشعاراً إلى بياتريك والتعهد بالكتابة والاهتمام بها أكثر من أية امرأة أخرى. المرحلة الثانية،  هي مرحلة المعاناة،  الاضطراب السياسي والبحث الفلسفي،  وملاحظة تقدمه بشكل كبير في اغلب الاتجاهات تقريبا. انها تتضمن الجزء الأكبر من مجموعة الأناشيد والأشعار والمسودتين النثريتين غير الكاملتين والرسائل السياسية مع هنري السابع والدراسة اللاتينية «الحكم المطلق» ربما تعود أيضا لهذه المرحلة. وهنا يمكن ملاحظة ان نماذج إمبراطوريات القياصرة الألمان،  البابوية،  فينيسيا،  إسبانيا وعائلة بوربون الفرنسية (وهي الإمبراطوريات التي مهدت لظهور الإمبراطورية البريطانية الحديثة) موجودة في كتاب «الحكم المطلق». ولربط المرحلة الثانية والثالثة تأتي الرسالة الموجهة إلى الكارديناليين الإيطاليين حول موت كليمنت الخامس 1314. اما المرحلة الثالثة،  فهي مرحلة الكوميديا الالهية،  العودة إلى بياتريك،  ولكن الآن بياتريك (المجازية)،  وكذلك قصيدتين رعويتين ورسائل إلى صديق فلورنسي والى كان غراندة  “.

■ هل كان دافعك لكتابة الكوميديا الإلهية هو تعقب آثر الفتاة  “بياتريك “ التي دخلت عالم الغيب؟

ـ ذلك هو الدافع بالضبط.وعندما لم أعثر عليها هناك، قررت عدم العودة للأرض بخفي حنين، فأقحمتُ نفسي بالجنة والنار وبقية عوالم السموات، لأكتشف وأفيض بمختلف الأفكار والمشاهد الخيالية التي بُنيت على أسس افتراضية.

■ لم تجدها.كيف؟!

ـ ذلك ما حدث. فتشتُ عنها في زواريب الجنة ودهاليز النار، وسألت الملائكة عنها، ولم أحصل على معلومة تفيدني بالاستدلال عليها.وتلك كانت نكبة بالنسبة لي.وجدت لها نسخة أو شبيهاً على ما أعتقد.

■ وربما لذلك، صببتَ جَمّ غضبك على المخلوقات الذين تم لك توزيعهم ما بين مناطق الفردوس وشُعب النار، لتتمكن بعد ذلك من تكبيل كل شخص منهم بأفكارك وتهمك وأوصافك؟

ـ وماذا تريدني أن أفعل غير ذلك.فلكل مخلوق قراءة خاصة به.وأنا فعلتُ ذلك، عندما توغلت تحت الجلود وقَلّبتُ في الأرواح، لأستدل على تلك الفلزات المُكوّنة للرموز التي تناولتها في الكوميديا الإلهية.

■ وكانت تلك النصوص كوميدية حقاً.أليس كذلك يا دانتي؟

ـكل شخص بما في ثيابه الباطنية من محتويات.

■ولكن بعض الثياب كانت فضفاضة على جسوم تلك الرموز التي تناولتها سواء في الجحيم أم في النعيم.فهل احتوت(( الملحمة الشعرية على نظرة خيالية بالاستعانة بالعناصر المجازية حول الآخرة بحسب الديانة المسيحية،  وتحتوي على فلسفة القرون الوسطى كما تطورت في الكنيسة الغربية (الكاثوليكية الرومانية) كما يرى البعض؟

ـ إنها الملهاة الربّانية التي تتوفر فيها جميع أنواع العزاء والفرح والجنون والحب والكآبة والمتمزقات التي تنال من أكباد البشر تحت تأثير الحساب القائم على فقرتي الثواب والعقاب.

■ هل ذهبت إلى هناك من أجل أن تتطهر أو تبحث عن المطهر الذي قاد الشاعر العربي أبو العلاء المعري يا دانتي؟

ـ لا يعتقدنّ أحدٌ بأن الكوميديا الإلهية نسخةٌ مُقَلَدةٌ عن رسالة الغفران.أنا من عالم آخر غير عالم المعرّي ورؤاه الخاصة.فالجحيم والفردوس والمطهّر وكل الأفكار التي اجتمعت في الأجزاء الثلاث من،  الكوميديا، لها منبتٌ خيالي آخر، لا يرتبط بخيال الأعمى حكماً،  حتى لو كنت أنا هو الضرير الذي كتب رسالة الغفران.

لكن البعض من النقاد والمؤرخين يربط ما بين رسالة الغفران وبين الكوميديا الإلهية  بخيوط متينة وذلك من خلال وجود  “احتمال كون أشهر نص إيطالي،  وأقوى الملاحم الغربية مستسقاة من مصادر إسلامية! وتحديدا رسالة الغفران وقد أثير هذا الموضوع بعد دراسة شهيرة للمستشرق الأسباني بلاثيوس بعنوان علم الأخرويات الإسلامي في الكوميديا الإلهية،  لكن الأمر استبعد بحجة  أن الرسالة لم تكن مترجمة إلى لغات أخرى في القرون الوسطى،  كما أن فكرة تصور عالم ما بعد الموت ليست بجديدة،  وعرفتها الحضارات القديمة كالفرعونية والسومرية!  “.علماً ثمة من يقول  “أن إمكانية قيام حوار عقلاني بين المعري ودانتي إمكانية غير ممكنة. ففي الوقت الذي يرى فيه المعري في نموذج بشري كدانتي داعيةَ صوفية مدرسية فإن دانتي لن يرى في المعري غير عدوٍّ حقيقي. والتصوف المدرسي يختلف عن التصوف الذي نادى به المعلِّم إكهرت (1260-1337) الذي كان يستمد مبادئه من الأفلاطونية الجديدة،  معلناً بذلك انفصاله عن النوع الأول من التصوف المدرسي الذي لازم التعاليم الدينية المدرسية،  كما هي الحال لدى دانتي – وهو الانفصال الذي أدى إلى إدانة القائلين به.

ـ كل شئ وارد.إلا أن الشئ الأعظم هو إنتاج المخيّلات، باعتبارها المصنع الذي يخترع كل ما لم يكن واقعاً موجوداً ومجرباً.كذلك ثمة من يقدم رواية عن أستاذي (برونيتو لاتيي )بأنه من المحتمل أن يكون قد نقل له شفويا بعض المعلومات الشفوية أو الخطية عن تصور المسلمين لحياة الآخرة،  خصوصا وأنه انتقل ما بين قشتاله وفلورنسا. ومن جهة أخرى نجد أن انريكو سيرولي نسب أيضا فكرة الكوميديا الإلهية إلى أصول إسلامية،  فهو يذكر في كتابه ” مقياس وقضية المصادر العربية – الإسبانية من الكوميديا ​​الإلهية ” .أنا في كل الأحوال، سأبقى متهماً.وتلك لوثةٌ لن يمسحها من تاريخي إلا الله.

■ الله الذي لم ترَ في أثناء زيارتك إلى السموات؟

ـ ومن قال بأنني لم أجتمع بالله؟!!

الأخيارُ يجتمعون بربهم بسهولة وربما يومياً.

■ وهل يعتبر دانتي نفسهُ من رموز الخير في العالم؟

ـ بالتأكيد لا. ولكنني شاعر تحولات دون توقف.فأنا في بواطني دورق زجاجي ملئ بمادة الزئبق، أرتفع وأنخفض شعرياً حسب الطقس والحدث.

■ ما معنى ذلك؟ أن تمتهن الانقلابية، فيكون لك في كل يوم موقف على سبيل المثال؟

ـ لقد كانت الأرضُ تربة كوميدية مناقضة لتربة السموات الميلودرامية- التراجيدية.فما أشبه الأرض بالورق، وما أشبه السموات بالسرير الساخن الذي يحيي العظام الرميم. 

■  ثمة من يقول عن سبب تسميك لهذا العمل بـ  “الـكوميديا “ لأنها تبدأ بما يزعج وتنتهي بما يفرح (على نقيض التراجيديا التي تبدأ بما ترتاح إليه النفس ثم تنتهي بمأساة) فما مدى صحة ذلك الاستنتاج؟

ـ ليس في ذلك ما يدفعني للتوكيدً على صحة تلك الفكرة أبداً،  لأنني استخدمتُ كلمة الكوميديا كمفردة أو كعنصر إطفائي  

■ أريد أن أطرح سؤلاً تكميلياً : هل فشلك بالحب مع  “بياتريشي بورتاناري“  هو من دفعَ بكَ للبحث عن مخلوقات جهنم؟

ـ الحب الحب الحب.أليس هو تلك المادة التي كان من المحتمل أن تحمي تربة الأرض من الصدأ لولا طوفان الفحش والفساد؟

أليس هو المادة الأساسية في صناعة الفراديس وإدامة وجود سكانها؟

■ لماذا تجاهل الأوروبيون جهدك سيد دانتي، فقبعت  “ الكوميديا الإلهية في غور النسيان ما يزيد على ثلاثة قرون،  ثم خرجت في القرن التاسع عشر لترى النور من جديد  “؟؟

ـ سأقول لك شيئاً جوهرياً يتعلقُ بالرغبة التي كانت منبعثة بداخلي، تلك الخاصة بتطهير المسيحية من التشوهات الخلقية وسواها من الأمراض والأوساخ التي شابتها.كنت أحاول صنع سور شبيه بسور الصين لتلك الديانة المقدسة.

■ ولكنك أنشأت سوراً لخنق بقية الديانات وعزلها، ومنها على سبيل المثال رموز الإسلام ممن  وضعتهم في جحيمك وحاكمتهم بعقلية المستبد غير المنطقي، حتى جاءت محاكماتك لهم بشعة واستفزازية.

والسؤال هنا :بأية دوافع فعلت تلك المسرحية الهزلية ضد بعض الرموز المقدسة، بعد أن وجدت لهم الأمكنة التي تليق بكل واحد منهم في النار!

كيف لمن كان تائهاً في غابة الوجود السماوي مثل دانتي، أن يهتدي ولو مجازياً إلى إصلاح الآخرين دماً وفكراً وروحاً؟!!

ـ لقد وجدت في روح الشاعر  “ڤرجيل  “ كل ما يمكن للديانات أن تدعو إليه بعيداً عن لغات السيوف،  خاصة وأن  “مجموعات وثنية،  وثانية إلى مسيحية منبوذة،  وثالثة دينية مسيحية،  مقبولة. وهذه الأخيرة،  تعتبر تاج الخلاص،  والحقيقة اللّاهوتية الكنائسية المطلقة  “ ثمة نيران تشتعل في رؤوسنا نتيجة تلك الديانات التي تؤسسُ لمخلوقاتها العقوبات داخل طواحين العذاب.

 ■هل أحبّ دانتي العيشَ في النار؟
ـ إلى حد ما نعم.ولكن ليس بمعزل عن صحبة النساء المعتقات بالنبيذ أو بخل التفاح.لذلك قمتُ بزيارة جهنم لأطلع على وجود مخلوقاتها حسب مراتب الذنوب.
■ ولكن ألا تشعر بالوضاعة الأخلاقية من وراء اختياراتك المنحازة، عندما وضعت رموز الديانة الإسلامية في قيعان جهنم، وأقفلت عليهم الأبواب؟
ـ صحيح.لكن ذلك جاء من وراء معرفتي بالوقائع التاريخية ليس غير.فأنا لم أر أشدّ من المسلمين هوّلاً على الأرض بالقتال والذبح والفتك اليومي في حياة الشعوب.صحيح ان المسلمين يشكلون 5% من سكان الأرض، إلا أن حروبهم عليها، غطت على كل المجازر التي قام بها جميعُ المتصارعين من مختلف الديانات.
■ أليس في ذلك بعض التهوّيل؟!
ـ ليطرح هذا السؤال على الربّ، لأنه الأعرف بخلقه وبمخلوقاته.
■ هل شعرتَ بأن جسمك قد بُعث حيّاً بعد الموت؟
ـ بالتأكيد.وإلا كيف وجدتني هنا؟
■ أنا وجدتكَ جسدَ قصيدة مُضعضعةٍ ليس غير؟
ـ هكذا هو الشاعر.أن يكون بذرة في تربة القصيدة، لينمو ويرتفع وصولاً لدرجة الإثمار.
■ والموت؟
ـ الموتُ هو الآخر ثمرة من نوع خاص، تُخلّصُ أو تنقذُ المخلوقات من الترهل والشيخوخة وتستبدلُ قطع غيار الأجساد الخربانة. لذا فالموتُ منقذٌ من البهدلة بإظْهَارالسُّخْفِ وَالتَّفَاهَةِ وَالضُّعْفِ وفقاً للمعجم.كما أنه ثوبٌ من ضباب، سرعان ما يدخلهُ الشاعرُ دون خوف، ليخرج منه بعد ذلك كأي غيمة يملأ رحمها المطرُ، لتزرع شيئاً بقيمة لا تعادل.
■ أي شاعر من الشعراء التقيت هنا؟
ـ لم ألتقِ بأحد.كانوا مشغولين بحمل المطافئ والسير عراةً نحو أرض الجحيم، وأفواههم تهدرُ بأناشيد مالدورور الحماسية للشاعر الفرنسي لوتريامون. كأن شعراء الأرض، أتوا للطواف حول جبال نار، والانتعاش بمعلقات الشياطين الصوتية المُعذِبة، وهي تتغنى بقصائد عن الخداع والمذلة والهجران والقمع والكبت الجنسي والاعتقالات ومدافع الحروب.
■ كانت تظاهرة ضد…؟
ـ لا تُكمل.فتلك تظاهرة مرعبة وطويلة الحشود. كانت فيها كلّ ذاتٍ تمشي على جانب جسد صاحبها الشاعر، وهي تلّوح بسلسلة من مفاتيح لامعة.المنظرُ يستدعي حركة نقدية كما أخبرني بذلك الناقد  “غايتان بيكون  “ المولع بالجماليات.
■ وهل تعتبر الجحيم صنعاً جمالياً أو من المفاهيم الأستاطيقية على حدّ علمك؟
ـ الجماليات أو علم المحاسن علم الشهوات والزين أو الأستاطيقا (بالإنجليزية كما وردت في المعاجم والقواميس) أحد الفروع المتعدّدة للفلسفة،  لم يُعرفْ كعلمٍ خاصٍّ قائمٍ بحدِّ ذاته،  حتّى قامَ الفيلسوف بومجارتن (1714–1762) في آخر كتابه تأملات فلسفية في بعض المعلومات المتعلّقة بماهيّة الشِّعر 1735،  إذ قام بالتّفريق بين علم الجمال،  وبقيّة المعارف الإنسانيّة،  وأطلقَ عليه لفظةَ الأستاطيقا.
■ ولكن ألا ترى أن النقاد إذا ما دخلوا منطقة من مناطق الربّ في الأعالي، أفسدوها، مثلهم مثل الملوك الذين أعاثوا بجيوب الأرض فساداً وخراباً؟
ـ لا أظن ذلك دقيقاً إلى حدّ ما.فالنقادُ هم على الدوام كتّاب ملاحظات أو محاولات، وليس لهم في الغالب أظافر تليقُ بالحفر في الصخور،  أكثر من النهش بلحوم المؤلفين أو الترويج لروائحها المتعفنة الصدئة.
■ كأنك تعرضت لبعض الإشعاعات الضارّة هنا.هل نالَ منها رأسُكَ شيئاً، فأثرت على عقلك؟
ـ لا لم يحدث لي شئ من هذا القبيل، وذلك بفضل الخنزير الأزرق الذي ما زال يرافقني في هذا المسرح الكوني الهائل.
■ وهل يمتصٌّ هذا الخنزيرُ الأشعة الضارّة بدلاً عنك، أم ما يزال خادماً يساعدك بالتأليف؟
ـ أتمنى أن يجد الشِعرُ الحيوانيّ له مقعداً ولا يحتقر في الآخرة أيضاً.
■ وهل وجدت حيواناتٍ تكتبُ شعراً هنا؟!!
ـ أجل.وسأقوم بكتابة انطولوجيا تجمعُ كلّ أنواع الحيوانات التي تمارس كتابة القصائد، مع مقاربات نقدية ما بينها وما بين الأشعار التي كانت من تأليف حيوانات الأرض.