الموت متجولاً في “فندق العالم”

فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام
فندق العالم هو صورة مصغرة من العالم الذي نعيشه؛ العالم العبثي، اللاهث، التَعِس، غير المنصف. الذي ما إن يمنحنا فرصة للعيش، إلا وتكون هي ذاتها فرصة للموت!

رضوى الأسود 

عن دار العين صدرت عام 2021 رواية “فندق العالم” للروائية والصحفية الإنجليزية “آلي سميث”، ترجمة أميمة صبحي.

رواية بطلاتها خمس من النساء، هن: “سارة”، “إلس”، “ليز”، “بيني”، “كلير”. تبدو البطلات لأول وهلة وكأن لا رابط بينهن، لكن مع التوغل في القراءة، نجد كل واحدة منهن وقد ارتبطت بشكل أو بآخر بالفندق، وأن ثمة علاقة مباشرة أو غير مباشرة تربط بعضهن ببعض.

الرواية عبارة عن تساؤلات فلسفية حول الحياة، في محاولة لفهمها من خلال أسئلة تدور في معظمها حول الكم والكيف، ووحدات القياس؛ الوقت، الوزن، السرعة، … الخ. حتى أن شبح “سارة ويلبي” لا يكف بطول الرواية عن طرح سؤاله حول ماذا استغرق الجسد من وقت حتى يصل إلى الأرض ويرتطم بها ويصبح جثة هامدة؟ لكن هل سيصل إلى إجابة؟ و-في حالة الوصول لرد شافٍ- هل سيهدأ أو يقتنع؟ هذا ما سنحاول معرفته في السطور التالية.

تبدأ الرواية بالشبح الهائم لـ”سارة ويلبي”، فتاة التسع عشر ربيعًا، بطلة السباحة، والتي كانت تعمل بـ “فندق العالم”، والتي توفيت في حادث مفجع. يروي لنا شبحها تلك الثواني التي استغرقها الجسد حين هبط من عليائه -في مصعد الطعام- نحو الأرض بسرعة قذيفة صاروخية، وكيف اختبر مشاعر جمة اختلطت بالرعب والاندفاع والهبوط والتحليق والظلام.

يتجول هذا الشبح في المنزل بين أفراد عائلتها، فنرى ما يتسبب فيه من تباين في المشاعر؛ ما بين فزع وحيرة للأب والأم، وبين ترحاب وإشتياق من شقيقتها الوحيدة “كلير”، بعدها يصيبه الملل، فيقرر الذهاب إلى حيث يرقد الجسد، وهنا تتحول “سارة” إلى شخصيتين أو كيانين منفصلين: واحد يمثل الروح والآخر يمثل الجسد، الكيانان يحيان على الرغم من موت الشخصية الحقيقية، الأول يعيش فوق الأرض، وله القدرة على الإنتقال لأي مكان وقتما شاء، أما الثاني فهو مُسجى بلا حراك تحت الأرض!

بعدها يستقبل القارىء البطلة الثانية “إلس”، والتي تعاني من علة صدرية تجعلها -بطول الرواية- تسعل وتقذف بالبلغم المحشور بداخلها نحو الأرض، وكأنها تبصق على العالم. ولا نغفل دلالة الاسم حين نعلم أن “إلس” التي تعني “آخر”، تشير إلى أن هذه  البطلة من الممكن أن تكون أي شخص آخر في هذا العالم. “إلس” التي تحترف التسول، وتنتقي لممارسته مكانًا قريبًا من مدخل الفندق، تتضايق كثيرًا من الظهور المباغت لفتاة مجهولة بدأت تزاحمها في المكان، وعطاء الناس وإحسانهم! غير أن الفتاة تبدو غير مكترثة بشيء البتة، ولا حتى بالنقود التي بدأت بالانهمار عليها!

ثم تظهر “ليز” موظفة استقبال الفندق، الشخصية الحنون، المعطاءة، التي ستقوم بتوزيع عطفها بين “إلس” و “كلير” فيما بعد، والتي ستصاب لاحقًا بمرض سوف يجعل جسدها عاجزًا عن الحركة تمامًا وسوف يُقعدها عن العمل.

“بيني” الصحفية، والبطلة الرابعة التي تشترك مع “ليز” في حُسن النية، والتي تبدو وكأن بها قدر من السذاجة، والمقيمة بالفندق لإنجاز مهمة، يصيبها الضجر، فتخرج من غرفتها لتجد فتاة من عاملات الفندق تقوم بشيء ما، فتعرض عليها المساعدة، وحين تفشل، تأتي لها بدعم من امرأة أخرى كانت تمر بالمصادفة، وفي النهاية تتسبب الفتاة (عاملة الفندق) في هدم الجدار، ثم تقذف بداخلة ساعة ونقود معدنية، وتتأملهما وهما يسقطان في الفراع الأدهم، ثم تنهار في البكاء، وبعدها تتسلل المرأة (التي كانت تمر بالمصادفة) بمصاحبة “بيني” إلى خارج الفندق حيث تمارس هوايتها الغريبة في التلصص على الناس في منازلهم!

وأخيرًا نأتي لـ “كلير” شقيقة سارة التي تتآكل من الحزن والاكتئاب بسبب وفاة أختها، وعدم تقبُّلها لتلك الوفاة المفاجئة.

تحمل النهاية عدة مفاجآت، فنكتشف أن المرأة غريبة الأطوار هي “إلس”، التي عرضت عليها “ليز” المبيت في الفندق لليلة واحدة، حيث كان الجو بالخارج متجمد، وسنكتشف أيضًا أن “ليز” (قبل أن تمرض) ساعدت “كلير” على التشافي، حين منحتها فرصة الدخول إلى الفندق والحديث مع  “دنكان” زميل شقيقتها، والشاهد الوحيد على الوفاة، وأن الفتاة المتسولة التي كانت تجلس في الجهة المقابلة لـ”إلس” ما كانت سوى “كلير” التي كانت تجلس فقط لتأمل المكان الذي كانت تعمل به شقيقتها، ومحاولة تَصَوُّر ما حدث في آخر لحظات عمرها، وأنها هي أيضًا الفتاة التي هدَّمَت الجدار، في محاولة منها لمعرفة إجابة للسؤال الذي سنتأكد أنه لم يتردد فقط في ذهن روح سارة، ولكن في ذهن أختها أيضًا، وهو: كم استغرق زمن السقوط؟!

مصعد الطعام في حقيقته يجسد رحلة الإنسان في الحياة، وسرعة وقوعه دلالة على قِصَر تلك الرحلة، أما وقوعه بهذه السهولة جراء حشر سارة لجسدها المرن بداخله في محاولة منها لكسب رهان اتفقت عليه مع زميلها في العمل، فدلالة على عبثية الحياة وهزليتها. تُشَبِّه “بيني” الممر الطويل المظلم الذي يسير فيه ذلك المصعد والذي يمتد بطول الفندق، بالعمود الفقري، ذلك العمود الذي حين أطَلَّت لترى ما بداخله وجدته فارغًا، مظلمًا، مخيفًا كالحياة، لم تعثر على شيء، فقط خواء ودُهمة، كما توق الإنسان الدائم لمعرفة الحقيقة والسعي ورائها، ثم العودة حاملًا خيبته و روعه. كما نلاحظ أن حَدَث الموت (وليس الحياة) هو ما يربط أبطال الرواية، وكأن الروائية تؤكد على أن الموت هو الحقيقة الوحيدة، وأي سعي نحو معرفة ملابساته أو وقته أو سببه، هو جهد بلا طائل.

قدَّمَت الروائية أشكالًا سردية شديدة التعقيد؛ فالسرد في الفصل الأول يأتي على لسان شبح “سارة ويلبي” مستخدمًا ضمير المتكلم، والذي يعتبرأيضًا الراوي العليم، كما يُعَد في ذات الآن الراوي غير الموثوق به، نظرًا لأنه ينسى أجزاءًا مهمة في سرده! أما في الفصول 2 و3 و4، أتى السرد بشكل أساسيّ بضمير الغائب، مع احتوائه على عناصر من ضمير المتكلم، مما يسمح للسرد بالانتقال بحرية في أفكار الشخصيات.

تلعب الروائية بالزمن كما اللغة؛ فتتقاطع الأزمنة بطول الرواية (حاضر وماض)، فنجد أحداثًا تبدأ بعد وفاة سارة مباشرة، وأحيانًا بعد مرور شهور من تلك الوفاة، وأخيرًا بعد مرور سنة كاملة على الحادث، يتم السرد من خلال تلك الأزمنة الثلاثة بشكل لا يتبع نسقًا كرونولوجيًا خطيًّا. كما أنها تمنح لفصولها عناوين زمنية مثل “حاضر – حاضر ماض – مستقبل مشروط – مستقبل في الماضي)، أما فيما يخص اللغة، فنستطيع أن نقول بكل ثقة أن اللغة في هذه الرواية هي البطل الحقيقيّ، فقد لعبت الكاتبة بعلامات الترقيم، حيث أن هناك فصلًا كاملًا بدون هذه العلامات! ليس هذا فحسب بل كان هناك بعض الفراغات، تركتها للقارىء ربما ليملأها هو بنفسه بالكلمات المناسبة والتي قد توافق فهمه أو رؤيته أو خياله! تَلَهَت الروائية -حتى الثمالة- بالمجاز، لعبت بذكاء حاد وقريحة متفردة بكلمات تحمل للمعنى وجهين، وبذلك قد أوقعت القارىء في شراك الرواية، حين أضافت لحريته الأساسية، والممثلة في اختياره الرواية -بإرادته- ليقرأها، حرية أخرى، هي حرية الفكر والتحليق عاليًا بعقله، ومن هنا سوف يكون حرًا في قبول معنى أو رفضه، في أيهما يجده الأقرب للمعنى، وأيهما الأبعد، فالروائية تقول: “هناك طريقتان لقراءة هذه الرواية، لكنك في النهاية ستقرأ فقط بإحداها”! وقد أشفقت حقيقة على المترجمة من صعوبة وثِقل المهمة التي اختارتها حين قررت القيام بترجمة هذه الرواية، والتي نجد فيها العديد من الهوامش التي تحوي معنيان للكلمة الواحدة، مع الشرح اللازم.

فندق العالم هو صورة مصغرة من العالم الذي نعيشه؛ العالم العبثي، اللاهث، التَعِس، غير المنصف. الذي ما إن يمنحنا فرصة للعيش، إلا وتكون هي ذاتها فرصة للموت! الفندق الذي يُعَد فرعًا في سلسلة فنادق عالمية، والذي يقع في مدينة بريطانية غير مُسماة (يُلَمَّح في خاتمة الكتاب إلى أنها تقع شمال الحدود الاسكتلندية)، والذي يبلغ ارتفاعه أربعة طوابق بالإضافة إلى قبو، هو الهيكل الموحد لأحداث هذه الرواية، حيث يجمع الفندق موظفيه (سارة، ليز، دنكان)، والعميلة أو الزبونة (بيني)، والمارة (إلس، كلير). 

تقع الأحداث الرئيسية داخل الفندق في أربعة أماكن صغيرة:

1- ممر الطابق الرابع، حيث صعدت سارة إلى زميلها “دنكان” ثم سقطت ميتة، وحيث تقابل كل من “بيني” و”إلس” و”كلير”، 2- استقبال الفندق حيث تعمل “ليز”، 3- الغرفة 12 حيث تقيم “إلس” لفترة وجيزة، 4- الغرفة 34 حيث تقيم “بيني”، وهناك يضًا أماكن ثانوية مثل ذلك الذي يقع خلف الغرف، والذي يختبىء فيه “دنكان” أثناء نوبات عمله، وكذلك الطابق السفلي (القبو).

الرواية التي تعد ثيمتها الأساسية “الموت”، والتي تبدأ بحادثة وفاة، والتي يُعَد راويها العليم محض شبح، لم تنس في نهايتها تقديم رؤية باسمة، تحمل قدرًا من التفاؤل، فتقوم بوصف رومانسي لمشاهد من الحياة اليومية لا يزال فيها عشق، وطيور، وشيء من بهجة، لتؤكد على استمرارية الحياة رغم كل شيء، مستشهدة في سطرها الأخير بهذه العبارة: “تذكر لا بد أن تعيش، تذكر لا بد أن تحب، تذكر لا بد من الرحيل”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روائية وناقدة مصرية 

مقالات من نفس القسم