ملح الهذيان: حين يتحوّل تفكّك الذات إلى إبستمولوجيا لفهم شروخ الوجود السوري

فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام
أطروحة وجودية عميقة تتخذ من الهذيان جهازًا معرفيًا لتشريح الاغتراب، ومن اللغة المهدّمة وسيلةً لإظهار هشاشة الإنسان في زمن القمع.
نحن أمام رواية لا تقدّم مجرد سرد متشظٍّ أو حالة لغوية منفلتة، بل تُشيِّد نظامًا خطابيًا مُفكِّكًا خاصا بذاته, يحاكي انهيار الوعي السوري المعاصر تحت وطأة العنف والسيادة في حقبة زمنية هي الآن دائما، محولةً الهذيان إلى آلية إدراكية منتجة لوعي جديد.
ينسج النصّ موقعًا بين الدويّ الداخلي للذات وبين الخراب الخارجي، منطلقاً من أطروحة مفادها أن تكسّر اللغة هو الشرط البنيوي الوحيد لإعادة إنتاجها, ثم.. لقول الحقيقة عن انهيار المعنى ذاته في حدود الواقع المعاش.
تتحرك الرواية في فضاء التجريب لتجعل من التشظّي الداخلي للذات شرطًا لقول العالم الخارجي، حيث تُوظَّف تقنية تيار الوعي لا كحيلة فنية، بل كصيغة لتمثيل الوجودية السوداوية التي تُصاغ من جروح الحياة اليومية لا من الفلسفة. فمن نقطة اللاجدوى المطلقة، تُشرَط  كل رؤية للعالم، حيث يصف الراوي الحياة بأنها ممارسة مُهانة، رافضاً كل أشكال الأمل والانتظار الذي تفرضه الأيديولوجيات القديمة:
“يعتقدُ جازماً أنه لا جدوى من ممارسة هؤلاء البشر لحياتهم اليومية المُهانة… أنه لا جدوى من الإنتظار، لا.. انتظار الزمن، ولا انتظار الأنثى، ولا انتظار الأولاد، أو الخبز، أو الجنة.”
هذا الموقف ليس يأسًا فرديًا، بل هو موقف وجودي واعٍ يتجسد في دعوته الاحتجاجية للتخلي عن كل تفاؤل زائف:
أدعو للتشاؤم العام، أنني ضد التفاؤل الرعوي.
يُواصل النصّ تفكيك الهوية بتحويلها إلى صورة متعدّدة، متجاورة، تتماهى فيها الذوات بلا استقرار، ليصبح التداخل بين “الأنا” و”الآخر” تشابكًا مرضيًا لا يمثل وحدة وجودية، بل تماهيًا في العطب والكآبة:
الذي هو.. أنا، أو الذي أنا.. هو. متشابهان أنا وأنت.. إلا أننا نحمل الاسم ذاته، والكآبة ذاتها، حيث لا عنوان دائم لكآبتنا.
هذا التنافر الوجودي يجد صيغته في تَقَدُم الذات عبر سلسلة من الأعطال البنيوية التي تجعل من العطب نفسه شرطاً للرؤية:
“أعرج من قدمي، أعرج من الزمن، أعرج من العينين، من اليد، من اللسان، من الأذن، من القلب… لم أعد أعرج من شئ سوى من الوهم البنفسجي.. القائم في اللحظة.. الآن.”
في هذا السياق، تعمل الأحلام كمنطقة وسيطة بين الفقدان والفرار، لكنها لا تقدم الخلاص، بل تستمر ككوابيس في صيغة أقل عنفاً، لتصبح مساحةً لغياب المعنى:
“سألتقيك في مكان ما، بين أوهامي، بين أحلامي، في كوابيسي، قرب ذاكرتي…” 
يتكثف المضمون السياسي للرواية عبر رمزين مركزيين لتفكيك البنية السلطوية والتشيؤ.
أولهما، رمز “الخواجات” الذي يشير بوضوح إلى قوى الاستعمار الخارجي والداخلي الفاسد الذي نهب البلاد.
هنا يدمج النص بين البلاغة والشتيمة ليصبح الاحتجاج عنيفاً وواضحاً:
الخواجات أولاد الجراء… خواجات بنجوم وتيجان من البرونز.. أو البراز / قوادون، عاهرون، وسفلة، جنرالات ولصوص… مسكينة ومسبية يا مؤخرة بلدنا الأم...”
ويتوازى هذا الرمز مع رمز “الرقم”، الذي يمثل التشيؤ المطلق، وتحوّل الإنسان إلى بنية إدارية محضة، إلى ملف بلا روح في ظل السلطة البيروقراطية:
“نحن أرقام… الأرقام لا تخشى من أحد، أو من عقاب، أنا الرقم 21 / 1… أنا صورة لرقم اختلقته دائرة الأحوال المدنية في محيط الله… موت الرقم كولادته، لا يعني لك شيئاً.”
هذا التحول إلى إحصاء هو جوهر الاستعمار الداخلي الذي يمحو الوجود ويحوّل المصير إلى خانة تُسجَّل وتُمحى.
على المستوى الأيديولوجي، يهاجم النص الثورات التي تحوّلت إلى مسوخ سياسية استنزفت الوعي، معتبراً إياها إعادة تدوير للهزيمة:
“ثورات قومجية اسلاموية منحطة، فاشلة، سافلة، ممسوخة إلى دور بغي، ومزارع عهر.”
مؤكداً أن الجميع محكوم بـ”اللعنة والعنّة”التي هي “منشار دائم الحركة في رقابنا المستسلمة للسكين.
أما المرأة، فتظهر بوصفها إمكانًا ناقصًا للخلاص، أو كيانًا يتطلع إليه الراوي لا ليحبه، بل ليشارك معه خراب الوجود.
إنه يرفض استعارة الأنثى كـ”وطن” أو “خلاص”، معترفاً بعجزه وحصره في حالة التشتت والانهزام:
“أهوّم، أحلم، أطير، أحلق، أقع، أنهزم، أتشظى، أتناثر، أستقر حطاماً محطماً فوق خراب الأرض.”
ولذلك، فإن دعوته للمرأة لا تعد بحب أو حلم، بل بدعوة للمشاركة في بناء مساحة ما بعد-الكارثة:
ستجربين الهاوية، ستعيشين معي هناك.. في ذاك المستقر الذي أحبه كهاوية. سآخذك إلى الشقاء يا امرأة خضراء…”
ان رواية “ملح الهذيان”تقرأ كـأطروحة وجودية عميقة تتخذ من الهذيان جهازًا معرفيًا لتشريح الاغتراب، ومن اللغة المهدّمة وسيلةً لإظهار هشاشة الإنسان في زمن القمع.
إنها ليست مجرد احتجاج، بل تفكيك جذري لآليات التشيؤ، ومحاولة لإعادة كتابة الوعي السوري من داخل شروخه، مُعلنة عن الحقيقة العارية لهزيمة شاملة لا تُفرِّق:
“الجميع عانى من الهزيمة المنكرة… هو الفرد… هو القطيع.”
صحيح أن الرواية مكتوبة في ثمانينات القرن الماضي وعانت من المنع الرقابي السياسي طويلا. إلا أن قارىء هذه الرواية الآن. يشعر أنها كتبت البارحة أي مساء الأمس السوري عن البلاد السورية.. لا أكثر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرواية صدرت عام 2024 عن دار أرواد للنشر 

مقالات من نفس القسم