أسئلة الهوية ورهانات التجاوز المعطوب

قراءة في مونودراما"عناكب في الراس " للكاتب الدكتور الطيب الوزاني

الطيب الوزاني

د. محمد محبوب

1.    من الكتابة المونودرامية إلى مساءلة تحولات المجتمع

يمثل نص «عناكب في الرأس» للدكتور الطيب الوزاني محطة دالة في مساره الإبداعي، بالنظر إلى ما يكشف عنه من وعي بطبيعة الكتابة المسرحية، ومن رغبة في استثمار إمكانات المونودراما بوصفها شكلاً تعبيرياً قادراً على استيعاب التوترات التي تطبع علاقة الذات بمحيطها الاجتماعي والثقافي والحضاري. فالكاتب لا يتعامل مع هذا الجنس المسرحي باعتباره مجرد صيغة تقنية تقوم على حضور ممثل واحد فوق الخشبة، وإنما ينظر إليه باعتباره اختياراً جمالياً وفكرياً يتيح تفكيك التجربة الإنسانية، واستكشاف ما يعتمل داخل الذات من تناقضات، وما يتولد عن احتكاكها بالواقع من أسئلة ومواقف ومآزق.

وتنبع أهمية هذه التجربة من كونها تضع الشخصية الفردية في مواجهة عالم متحول، تتداخل فيه مرجعيات الماضي مع إكراهات الحاضر، وتتقاطع فيه أسئلة الانتماء مع تأثيرات العولمة والتكنولوجيا الحديثة. ومن ثم، فإن المونودراما تصبح وسيلة لمساءلة التحولات التي يعرفها المجتمع العربي، والكشف عن مظاهر الاختلال التي أصابت منظومته القيمية، وعن التصدعات التي مست علاقة الفرد بذاته وبالآخرين وبالعالم الذي يتحرك داخله.

إن الطيب الوزاني، وهو يختار شخصية «حائر» لتكون مركزاً لبناء عالمه الدرامي، لا ينطلق من حالة فردية معزولة عن شروطها التاريخية والاجتماعية، وإنما يجعل منها مدخلاً لقراءة واقع مأزوم، تتنازعه أنماط متعددة من السيطرة، وتثقل كاهله مفارقات تربوية وثقافية وسياسية. لذلك، فإن حيرة الشخصية ليست مجرد اضطراب نفسي أو حالة من التردد الشخصي، بل هي تعبير مكثف عن حيرة الإنسان العربي أمام واقع يعجز عن فهم تناقضاته، وعن امتلاك الأدوات الضرورية لتغييره.

وعلى هذا الأساس، يمكن النظر إلى «عناكب في الرأس» باعتبارها كتابة مسرحية تتجاوز حدود التشخيص المباشر للواقع، لتطرح سؤالاً أكثر عمقاً: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على استقلاله ووعيه بذاته في عالم تتنازعه سلط تقليدية، وآليات تكنولوجية حديثة، وتعمل جميعها، بطرائق مختلفة، على توجيه سلوكه وتحديد اختياراته وصياغة تصوراته عن الحياة؟

2.    المونودراما بين الذاتية والصراع الدرامي

يقتضي تناول هذا النص الوقوف عند الاختيار الجمالي الذي يؤطره، والمتمثل في الكتابة المونودرامية. فهذا الجنس المسرحي يضع الكاتب أمام تحدٍّ أساسي يتعلق بكيفية بناء الفعل الدرامي في ظل حضور ممثل واحد، من دون أن يتحول النص إلى خطاب ذاتي مغلق، أو إلى تدفق اعترافي يستمد قوته من الانفعال المباشر أكثر مما يستمدها من بناء الصراع وتطويره.

وتكمن إحدى الصعوبات المركزية في المونودراما في أن حضور الممثل الفرد قد يغري الكاتب بالانزلاق نحو الذاتية، واختيار منطق البوح الذي تفصح الذات من خلاله عن معاناتها، وتستعيد ذكرياتها، وتبسط انفعالاتها ورغباتها، من غير أن تجد نفسها مضطرة إلى مواجهة قوى مضادة تجبرها على مراجعة مواقفها أو إعادة بناء علاقتها بالعالم. وعندما يحدث ذلك، تتراجع الدرامية لصالح الذاتية، ويصبح النص أقرب إلى خطاب تأملي أو اعترافي منه إلى فعل مسرحي قائم على التوتر والتعارض.

غير أن الطيب الوزاني يبدو واعياً بهذا المأزق، وهو ما يتجلى في حرصه على الإبقاء على حضور الشخصيات المتعارضة داخل البناء الدرامي، حتى وإن لم تتحقق جميعها من خلال ذوات حاضرة يشكل مادي فوق الخشبة. فالشخصية المركزية تستحضر الآخرين بواسطة الذاكرة، وتتحاور معهم، وتجادلهم، وتستعيد مواقفهم وخطاباتهم، بما يجعل الغياب الجسدي/ المادي لا يعني الغياب الدرامي.

وهنا تتجلى إحدى الخصائص المميزة للمونودراما: فالشخصيات الغائبة تظل حاضرة في وعي الشخصية المركزية، كما تظل آثارها ممتدة في تكوينها النفسي والفكري. وبذلك يتحول الحوار الداخلي إلى مجال لتعدد الأصوات، وتغدو الذات نفسها فضاءً تتصارع داخله مواقف متباينة، وتصورات متناقضة، ورغبات لا تنسجم بالضرورة مع شروط الواقع.

إن تعدد الأصوات داخل المونودراما لا يتحقق، في هذه الحالة، بالضرورة من خلال تعدد الممثلين، وإنما عبر استحضار الشخصيات الأخرى وتمثلاتها داخل الذاكرة والوعي. لذلك نجد شخصية حائر تحضر في هذا النص على مستويين : حائر الظاهر على الركح المرئي ، وحائر الآخر الثاني اللامرئ ،فالذات لا تتحدث من موقع مكتفٍ بنفسه، بل تتكلم وهي تحمل آثار الآخرين، وتستعيد سلطاتهم، وتواجه خطاباتهم، وتحاول أحياناً التحرر منها.

ومن هنا، فإن القيمة الدرامية للنص لا ترتبط بعدد الشخصيات الحاضرة مادياً، وإنما بقدرة الكتابة على إنتاج التعارض والتوتر. فالصراع هو الذي يمنح المونودراما بعدها المسرحي، ويحول التجربة الفردية من مجرد اعتراف بالمعاناة إلى مساءلة للشروط التي أنتجت هذه المعاناة.

وفي هذا السياق، يمكن وضع تجربة الطيب الوزاني ضمن المسعى الرامي إلى ترسيخ المونودراما في الثقافة المسرحية المغربية، إلى جانب تجارب إبداعية ساهمت في تطوير هذا الجنس، من بينها تجربة عبد الحق الزروالي، وتجربة المرحوم حوري الحسين، ومحمد تيمد، وعبد الكريم برشيد وتجارب أخرى اشتغلت على الممثل الفرد وإمكاناته التعبيرية. كما يمكن استحضار بعض أشكال التعبير في التراث الشعبي المغربي، وخاصة الحلقة وحلقة الراوي، حيث ينهض المؤدي الواحد بأدوار متعددة، ويستعين بالصوت والجسد والإيماءة لاستحضار شخصيات وأحداث وعوالم مختلفة.{1}

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين المونودراما باعتبارها جنساً مسرحياً حديثاً له شروطه الفنية، وبين الأشكال التراثية التي يمكن أن تتيح له مرجعيات جمالية أو آليات في الأداء. فالعلاقة بينهما لا تعني التطابق، وإنما تشير إلى إمكان استثمار بعض تقاليد الفرجة الشعبية في بناء خطاب مسرحي معاصر.

وعليه، فإن الرهان في «عناكب في الرأس» لا يقتصر على إثبات قدرة الممثل الواحد على حمل العرض على كاهله، رغم ان واقع الممارسة المسرحية يثبت ان الممثل/ الفرد كما هو الحال تماما بالنسبة ، للممثل الشعبي يشكل دعامة أساسية لإنتاج التمسرح، فهو الذي يحول الفضاء العام الى فضاء تمسرحي احتفالي بفعل قدراته الخارقة التي يوظفها في سميأة الفضاء [2] فالأمر يتعلق بتجاوز ذلك إلى البحث عن كيفية تحويل وحدته الظاهرة إلى تعدد درامي، وكيفية جعل الجسد الفردي حاملاً لتناقضات اجتماعية وحضارية تتجاوز حدوده الشخصية.

3.     «حائر»: من مأزق الشخصية إلى أزمة الإنسان العربي

لا يبدو اختيار اسم «حائر» اعتباطياً، بل يحمل دلالة تتجاوز التعريف بالشخصية إلى اختزال وضع إنساني واجتماعي كامل. فالاسم يحيل على التردد والضياع والعجز عن الحسم، لكنه يكتسب، داخل السياق المسرحي، بعداً رمزياً يجعله عنواناً لحالة أوسع من الارتباك الذي تعيشه الذات أمام واقع فقد بوصلته.

إن حيرة الشخصية ليست ناتجة عن غياب الاختيارات فحسب، بل عن وجود اختيارات متعددة تتحكم فيها قوى لا تتيح للفرد أن يكون فاعلاً حقيقياً في تحديد مصيره. فهو يجد نفسه محاصراً بين سلطة الماضي، وإكراهات الحاضر، وإغراءات عالم افتراضي يعده بالتحرر، لكنه قد يعيد إنتاج تبعيته في صورة جديدة.

ويبدو أن الكاتب يسعى إلى بناء الشخصية من خلال مفارقة أساسية: فـ«حائر» يعيش داخل مجتمع يطالبه بالانضباط والطاعة، ويقدم له الخضوع باعتباره دليلاً على التعقل والاتزان، في الوقت الذي يسلبه فيه القدرة على المبادرة والاختيار. وبذلك يصبح الامتثال الاجتماعي آلية لترويض الذات، وإضعاف ملكة السؤال لديها، وتحويلها إلى كائن يتجنب المواجهة خوفاً من عواقبها.

وتتجلى هذه الوضعية بوضوح في قول الشخصية:

«انا جبان وخائف، علموني أن أكون راضخاً، متردداً سلبياً. علموني أن أكون رقماً من الأرقام، علموني أن أنطق كلمة نعم، ولا شيء سوى نعم».[3]

تكشف هذه العبارة عن آليات التنشئة التي لا تكتفي بتلقين الفرد معارف أو قيم محددة، بل تسعى إلى تشكيل نمط من الشخصية يتسم بالطاعة والتردد والخوف. فالفعل «علموني» يتكرر ليؤكد أن الأمر لا يتعلق بخصائص فطرية، وإنما بعملية اجتماعية وتربوية ممتدة أسهمت في إنتاج ذات “مطواعة،” تتعلم الامتثال قبل أن تتعلم التفكير، وتستبطن الخضوع قبل أن تختبر إمكان الاعتراض.

كما أن الانتقال من عبارة «إنساناً خائفاً» إلى «رقم من الأرقام» يحمل دلالة لافتة؛ إذ ينتقل الخطاب من وصف الحالة النفسية إلى الكشف عن مآلها الاجتماعي. فالخوف لا يبقى انفعالاً داخلياً، وإنما ينتهي إلى إلغاء التميز الفردي، وإذابة الإنسان داخل كتلة متشابهة، لا يكون فيها الاختلاف مصدراً للإبداع، بل احتمالاً يستدعي الحذر أو العقاب.

إن تحويل الإنسان إلى رقم يختزل أزمة الاعتراف بفرادته، ويكشف عن منطق اجتماعي يفضل الأفراد المتشابهين والقابلين للضبط على الذوات المستقلة القادرة على إنتاج الأسئلة ومراجعة المسلمات.

وفي هذا السياق، تصبح الطاعة قيمة ملتبسة؛ فهي تظهر في الخطاب الاجتماعي باعتبارها فضيلة، لكنها تتحول، في المنظور النقدي للنص، إلى وسيلة لإعادة إنتاج العجز. ويصبح التعقل، حين ينفصل عن التفكير الحر، اسماً آخر للخوف، كما تصبح الحكمة المزعومة غطاءً للاستسلام.

ومن ثم، فإن حيرة الشخصية ليست ضعفاً فردياً خالصاً، وإنما هي نتيجة لتناقض بين ما يطالب به المجتمع الفرد من امتثال، وما يحتاج إليه هذا الفرد لكي يحقق وجوده من حرية ومبادرة وقدرة على الاختيار.

4.    من سلطة الكرسي والعصا إلى سلطة البوصلة نحو هندسة الخضوع

ينهض النص على بنية رمزية قائمة على ثلاثة عناصر هي: الكرسي، والعصا، والبوصلة. ولا تستمد هذه العناصر دلالتها من حضورها المادي فحسب، وإنما من قدرتها على اختزال أنماط مختلفة من السلطة والتحكم.

فالكرسي يحيل على الحكم والتمركز في موقع القرار، أي على السلطة التي تحتكر حق التوجيه وتحديد قواعد الحركة داخل المجتمع. وعليه فان، المقصود بالكرسي ليس مجرد قطعة أثاث، وإنما ما يختزنه من دلالات سياسية واجتماعية تتصل بالهيمنة وامتلاك القرار.

أما العصا، فتستحضر البعد القسري للسلطة، وتكشف عن اعتماد الإخضاع على التهديد والعقاب. فإذا كان الكرسي يرمز إلى الموقع الذي تصدر عنه الأوامر، فإن العصا تجسد الأداة التي تضمن تنفيذها، وتحول السلطة من مجرد امتلاك للقرار إلى ممارسة فعلية للإكراه.

وتتخذ البوصلة موقعاً أكثر تركيباً داخل هذا الثالوث، لأنها تحيل على التوجيه وتحديد الاتجاه. فالمشكلة لا تكمن فقط في وجود سلطة تأمر وأخرى تعاقب، وإنما في وجود آلية تحدد للإنسان الوجهة التي ينبغي أن يسلكها، وتقدم له اختيارات جاهزة، بحيث يبدو وكأنه يتحرك بإرادته، في حين أن مسار حركته قد حُدد مسبقاً.

وهنا يتجاوز النص نقد السلطة المباشرة إلى نقد إنتاج الامتثال. فالإنسان قد يخضع للعصا خوفاً من العقاب، لكنه قد يخضع أيضاً لبوصلة توجه رغباته وتعيد تشكيل تصوراته عن الممكن والمرغوب والمقبول.

وإذا كانت الرموز الثلاثة تحيل على أشكال مألوفة من التحكم، فإن العنصر الأكثر إثارة في النص يتمثل في إضافة «العناكب»، بما تحمله من دلالة على اتساع شبكة السيطرة وانتقالها إلى مجالات جديدة.

إننا إزاء انتقال دلالي من السلطة التي تتجسد في مؤسسات وأدوات واضحة، إلى سلطة شبكية تنتشر عبر وسائل الاتصال والتكنولوجيا، وتؤثر في الوعي والسلوك من خلال آليات أقل وضوحاً. وبذلك لا يعود التحكم محصوراً في المجال السياسي أو في العلاقات الاجتماعية المباشرة، بل يمتد إلى المجال الرمزي الذي تتشكل داخله الرغبات والقيم والصور الذهنية.

ومن هنا، يمكن فهم العناصر الرمزية في المسرحية باعتبارها منظومة مترابطة: الكرسي يمثل مركز السلطة، والعصا تمثل وسيلة الإكراه، والبوصلة تجسد آلية التوجيه، فيما تشير العناكب إلى انتشار شبكة التأثير وتعدد منافذها.

ولا يعني ذلك أن هذه الرموز متطابقة في وظائفها، بل إن قوتها تنبع من اختلافها وتكاملها. فالمسرحية تكشف، من خلال هذا البناء، أن السيطرة لا تتحقق بالقوة وحدها، وإنما تحتاج أيضاً إلى توجيه الوعي، وإعادة ترتيب الأولويات، وصناعة تصورات تجعل الخضوع يبدو اختياراً شخصياً.

5.    المخدرات والسفر الافتراضي: الهروب الزائف من الواقع وإعادة إنتاج العزلة:

تحتل تجربة الهروب موقعاً مركزياً في بناء شخصية «حائر». فحين تضيق بها حدود الواقع، وتحاصرها التناقضات الاجتماعية، تبحث عن إمكان آخر للوجود، فتنتقل من العالم المعيش إلى عوالم تصنعها المخيلة وتغذيها التجارب المرتبطة بالمخدرات.

وتعبر الشخصية عن هذا الانتقال بقولها:

«أقفز بمخيلتي نحو المستقبل، فأسعد بسفري نحو عوالم أبنيها من تهيؤات أرصع تفاصيلها من أشياء بسيطة، لكنها تسعدني، اسكب عليها ألوانا تريحني، وأنغاما تسكرني».[4]

يقول بنبرة ساخرة لا تخلو من مفارقات

“فأنا القاعد الماشي

انا القاعد في مكاني، الماشي في خيالاتي وأحلامي [5] .

وتتجسد المفارقة في ثنائية: المشي والقعود، الحركة والجمود.

وتكشف هذه الثنائية عن رغبة في الإفلات من واقع لم يعد قادراً على توفير شروط الإشباع النفسي والوجداني. فالشخصية لا تتجه نحو المستقبل عبر مشروع عملي أو فعل تغييري، وإنما تقفز إليه بواسطة المخيلة، وتبني عوالمها على تهيؤات، أي من صور لا تستند بالضرورة إلى شروط واقعية تسمح بتحققها.

وتكمن المفارقة في أن المخيلة، التي يمكن أن تكون طاقة إبداعية تتيح تجاوز حدود الواقع وتصور إمكانات بديلة، تتحول هنا إلى ملاذ تعويضي. فبدلاً من أن تساعد الذات على إعادة تشكيل علاقتها بالعالم، تصبح وسيلة لتعليق هذه العلاقة مؤقتاً.

ومن المهم، في هذا السياق، التمييز بين المخيلة بوصفها شرطاً للإبداع، وبين التهيؤات بوصفها آلية للهروب من واقع لا تستطيع الشخصية مواجهته. فالمسرحية لا تقدم الخيال باعتباره قيمة سلبية في ذاته، وإنما تكشف عن المأزق الذي تعيشه الشخصية حين تنفصل عن الفعل، ويصبح الخيال والتهيؤات بديلاً عن مواجهة اكراهات الواقع.

ويكتسب السفر الذي تخوضه الشخصية دلالة إضافية حين يرتبط بتجربة المخدرات. فالسفر هنا ليس انتقالاً جغرافياً من مكان إلى آخر، بل هو خروج مؤقت من شروط الوجود اليومي، وانفصال عن الإكراهات التي تجعل الحياة الواقعية مصدر ضيق وقلق.

غير أن هذا الخروج لا يقود إلى التحرر الحقيقي؛ إذ سرعان ما تتحول التجربة إلى شكل من أشكال الاعتماد، حيث يصبح الهروب نفسه حاجة متكررة، ويغدو الواقع أقل قدرة على استعادة مكانته في وعي الشخصية.

وهكذا، لا يتخذ المخدر في البناء الدلالي للنص وظيفة تفسيرية بسيطة، بل يتحول إلى علامة دالة على أزمة أعمق: أزمة الإنسان الذي فقد القدرة على تغيير شروط حياته، فصار يبحث عن بدائل مؤقتة تخفف إحساسه بالاختناق.

لكن الطيب الوزاني يوسع مجال هذه التجربة حين ينتقل من السفر المرتبط بالمخدرات إلى السفر داخل العوالم الافتراضية، وكأنه يضع الشخصية أمام شكل جديد من أشكال الهروب، تتوفر له إمكانات أوسع في الاتصال والتواصل، لكنه لا يضمن بالضرورة تجاوز العزلة.

وتصف الشخصية تجربتها قائلة:

«أطلقت العنان لصهوة حصاني، عفواً، لصهوة فأرتي. جمحت.

جاريت جموحها، وازدادت ركضا وسرعة.

لم أكن وحدي هذه المرة في سفري (…) كنا كثيرين كثيرين في الدروب الازقة والمحطات والنوادي «.[6]

كما تعبر الشخصية عن احساسها وهي تخوض هذه التجربة/السفر «ممتع ومريح ومشوق هذا السفر».[7]

تكشف هذه العبارات عن انتقال الشخصية من عزلة واقعية إلى فضاء يبدو أكثر اتساعاً، تتعدد داخله العلاقات والصور والوجوه. فالعبارة «لم أكن وحدي هذه المرة» تختزل الإغراء الذي يوفره العالم الافتراضي؛ إذ يمنح الفرد إحساساً بالانتماء إلى جماعة، ويتيح له التواصل مع آخرين لم يكن من الممكن الوصول إليهم في حياته اليومية.

غير أن هذا الحضور الجماعي يظل ملتبساً؛ لأن كثرة المتواصلين لا تعني بالضرورة قيام علاقات إنسانية عميقة، كما أن تعدد الوجوه لا يضمن تجاوز العزلة والوحدة. فالشخصية قد تنتقل من عزلة المكان إلى كثافة الاتصال، لكنها لا تنجح بالضرورة في بناء علاقة متوازنة مع ذاتها أو مع الآخرين.

ومن هنا، يمكن قراءة العالم الافتراضي بوصفه فضاءً مزدوج الوظيفة: إنه يفتح إمكانات جديدة للتواصل وتجاوز الحدود، لكنه قد يتحول أيضاً إلى وسيلة لتعميق الانفصال عن الواقع، حين يصبح بديلاً عن العلاقات المباشرة وعن المشاركة في الحياة الاجتماعية.

ولا ينبغي، تبعاً لذلك، اختزال موقف النص في رفض التكنولوجيا أو إدانة العالم الرقمي في ذاته. فالمشكلة الأعمق تتعلق بنوعية العلاقة التي يقيمها الإنسان مع هذه الوسائط، وبالشروط التي تدفعه إلى استعمالها: هل يستخدمها لتوسيع خبرته بالعالم وتعميق علاقاته، أم يلجأ إليها هرباً من واقع لا يمتلك القدرة على تغييره؟

إن «حائر» لا يجد في السفر الافتراضي خلاصاً نهائياً، لأن الأزمة التي يعاني منها ليست أزمة نقص في وسائل الاتصال، بل أزمة في شروط الوجود الاجتماعي ذاته. وهكذا يصبح العالم الرقمي امتداداً للمأزق الذي بدأ في الواقع المعيش، وإن اتخذ صورة أكثر جاذبية وإغراءً.

6.    التاريخ المدرسي ومفارقات الوعي: حين تنهار الصورة المثالية للذات الجماعية

لا يكتفي النص برصد الانقسام النفسي الذي تعيشه الشخصية، بل يبحث عن بعض جذوره في التكوين الثقافي والتربوي الذي أسهم في صياغة وعيها بالعالم. ويتجلى ذلك في نقد الخطاب التاريخي الذي تلقاه الفرد في طفولته، والذي رسخ لديه صورة مثالية عن الجماعة، من غير أن يمنحه الأدوات اللازمة لفهم تناقضات تاريخه وواقعه

يقول «حائر»:

«درسونا التاريخ ونحن صغاراً، وعلمونا أنا أحسن أمة أخرجت للناس، ونسوا أن يلقنونا كيف؟ ولماذا؟ قالوا لنا إننا قوم أشاوس وشجعان (…) صدقنا قولهم، واكتشفت الخريطة بلادنا مبرقعة، وابطالنا كثير منهم من كرتون ومن خذلان».[8]

تؤسس هذه الشهادة لمفارقة بين المعرفة التي تلقنها الشخصية والمعرفة التي تكتسبها لاحقاً من خلال الاحتكاك بالواقع. فالتعليم يقدم صورة جاهزة عن التفوق والشجاعة والمجد، لكنه لا يتيح، بالقدر نفسه، ممارسة السؤال النقدي حول شروط هذا التفوق، أو أسباب التراجع، أو طبيعة التناقضات التي تكشف عنها التجربة التاريخية.

إن السؤال «كيف؟ ولماذا؟» يمثل، في هذا السياق، مفتاحاً لفهم الأزمة المعرفية التي يطرحها النص. فالمشكلة ليست في الانتماء إلى التاريخ أو الاعتزاز به، وإنما في تحويله إلى خطاب مغلق يمنع مساءلته، ويستبدل الفهم النقدي بتكرار صور مثالية لا تختبرها التجربة.

ومن هنا، تتشكل أزمة الوعي حين يكتشف الفرد أن المسافة بين الصورة التي تلقاها عن جماعته وبين واقعها الفعلي أوسع مما كان يتصور. ويؤدي هذا الاكتشاف إلى زعزعة الثقة في الخطابات التي كانت تمنحه شعوراً باليقين والانتماء.

إن الانتقال من الاعتقاد بصورة جماعية مكتملة إلى اكتشاف واقع جغرافي «مبرقع» دلالة تواجد الاستعمار في كثير من اراضينا يكشف عن انهيار التمثلات المبسطة التي تحجب التعقيد الاجتماعي والسياسي. كما أن الإشارة إلى شخصيات أو مظاهر تبدو «من كرتون» توحي بهشاشة الصور التي صنعتها الخطابات الرسمية أو التربوية، وبسهولة انكشافها حين تصطدم بالتجربة.

وهكذا، تصبح أزمة «حائر» أزمة في الثقة بالمعرفة الموروثة، لكنها لا تقود بالضرورة إلى معرفة بديلة مكتملة. فالشخصية تكتشف التناقض، لكنها لا تمتلك مشروعاً فكرياً أو اجتماعياً واضحاً لتجاوزه. ولذلك تظل معلقة بين يقين قديم فقد صدقيته، وواقع جديد لم تستطع بناء أدوات فهمه والتعامل معه.

وهنا تكمن إحدى دلالات التجاوز المعطوب: إن انكشاف الخلل لا يعني امتلاك القدرة على إصلاحه، كما أن اكتشاف زيف بعض الخطابات لا يضمن التحرر من آثارها. فقد ينهار اليقين القديم، بينما تظل الذات عاجزة عن إنتاج أفق جديد يمنحها معنى واتجاهاً.

7.    العناكب بوصفها استعارة للعولمة وهيمنة الصورة

إذا كان الكرسي والعصا والبوصلة تحيل على أنماط من السلط وأشكال من التوجيه، فإن العناكب تمثل العنصر الذي يمنح النص امتداده المعاصر، وينقله من مساءلة آليات التحكم التقليدية إلى استكشاف أشكال الهيمنة المرتبطة بالشبكة الرقمية والعولمة.

وتكمن قوة هذه الاستعارة في تعدد مستوياتها الدلالية. فالعنكبوت ينسج شبكة تتقاطع خيوطها وتتشابك، وتبدو هذه الشبكة قادرة على احتواء مساحات واسعة. وفي المقابل، يجد الكائن الذي يقع داخلها نفسه محاصراً بعلاقات لا يستطيع دائماً إدراك حدودها أو التحكم في مساراتها.

وبهذا المعنى، تصبح العناكب صورة لآليات التأثير التي تتجاوز الحدود الجغرافية، وتعيد تشكيل أنماط التواصل والتفكير والاستهلاك. فالشبكة لا تنقل المعلومات والصور فحسب، بل تسهم أيضاً في تحديد ما يراه الفرد، وما يعتقد أنه يستحق الاهتمام، وما يعتبره مرغوباً أو ممكناً.

وتتجلى خطورة هذا التحول حين تنتقل التكنولوجيا من كونها وسيلة يستخدمها الإنسان لتحقيق أهدافه إلى قوة تؤثر في تحديد هذه الأهداف نفسها. فعوض أن يظل الفرد سيد اختياراته، قد يجد نفسه منجذباً إلى رغبات مصنوعة، وأنماط عيش جاهزة، وصور مثالية عن النجاح والسعادة والجمال.

ويصور النص جانباً من هذا الإغراء حين يشير إلى قدرة العالم الافتراضي على إعادة تشكيل الصور: «يجعل الغريب حبيباً، والشيخ يافعاً، والشمطاء نضرة (…) صوراً وحركات، من يحركها؟ دمى تحركها خيوط غير مرئية».[9]

إن السؤال «من يحركها؟» يتجاوز الدهشة أمام الإمكانات التقنية للصورة، ليطرح سؤال السلطة الكامنة خلف إنتاجها وتوجيهها. فالصورة التي تبدو عفوية قد تكون نتيجة عمليات انتقاء وتعديل وإخراج، كما أن الانطباع الذي تحدثه قد يكون مرتبطاً باستراتيجيات تستهدف جذب الانتباه وصناعة الرغبة.

أما استعارة «الدمى» فتستعيد، في مستوى جديد، الدلالة التي حملتها العصا والبوصلة. فإذا كانت العصا تشير إلى الإخضاع المباشر، فإن الخيوط غير المرئية تحيل على شكل أكثر التباساً من السيطرة، حيث يتحرك الفرد من دون أن يرى بالضرورة الجهة التي تؤثر في حركته.

وبذلك يربط النص بين السلطة التقليدية والهيمنة الرقمية، من غير أن يختزل إحداهما في الأخرى. فالتحكم لم يعد قائماً فقط على المنع والإكراه، بل أصبح قادراً على العمل من خلال الإغراء، وإعادة إنتاج الرغبات، وتوجيه الانتباه، وصناعة صور بديلة عن الواقع.

ومع ذلك، فإن القراءة النقدية لهذه الاستعارة تقتضي عدم التعامل مع العولمة والتكنولوجيا باعتبارهما قوة واحدة متجانسة، أو اعتبار جميع أشكال التواصل الرقمي أدوات للهيمنة بالضرورة. فالتكنولوجيا تتيح أيضاً تبادل المعرفة، وتوسيع إمكانات التعبير، وبناء شبكات للتضامن والمقاومة. لكن السؤال الذي يثيره النص يظل مشروعاً: ما الشروط التي تجعل هذه الإمكانات أدوات للتحرر، وما الشروط التي تحولها إلى وسائل لإعادة إنتاج التبعية؟

إن العناكب، بهذا المعنى، ليست مجرد صورة للشبكة العنكبوتية، بل استعارة لعلاقة ملتبسة بين الإنسان والوسائط التي ينتجها. فالشبكة التي ينسجها الإنسان قد تتحول، في لحظة معينة، إلى شبكة تعيد تنظيم حياته وتفرض عليه إيقاعها وشروطها.

8.    انقلاب القيم: من حرية الاختيار إلى تسليع الإنسان

يتعمق النقد الاجتماعي في المسرحية حين تنتقل من وصف إغراءات العالم الافتراضي إلى مساءلة التحولات التي تطال منظومة القيم. فالمشكلة لا تتعلق فقط بانتشار الصور أو اتساع وسائل التواصل، وإنما بما قد يصاحب ذلك من تغير في معايير الحكم على السلوك، وفي تصور الفرد لما هو مشروع أو مرغوب أو جدير بالتقدير.

يقول النص:

«المكروه أصبح مقبولاً ومرغوباً فيه، والممنوع أصبح مباحاً، والحرام أصبح حلالاً، والانحراف أصبح حرية شخصية. والكل في ملكوت الافتراضي طريدة، سلعة تباع وتشترى. البوصلة العنكبوتية أصبحت مارداً لا وطن له، لا حصون تثنيه، ولا قلاع تحمي منه، مارد متحكم جبار».[10]

تكشف هذه العبارة عن تصور يرى أن العالم الافتراضي قادر على إعادة ترتيب القيم وإنتاج معايير جديدة للسلوك. غير أن أهمية المقطع لا تكمن في ثنائية الممنوع والمباح وحدها، بل في انتقاله من الحديث عن انقلاب المعايير إلى الحديث عن تحويل الإنسان نفسه إلى سلعة.

فهنا يتخذ النقد بعداً اقتصادياً واجتماعياً؛ إذ لا يعود الفرد مجرد مستخدم لوسائط التواصل، بل يصبح موضوعاً لجذب الانتباه، ومادة لتداول الصور، ومصدراً لقيمة قابلة للاستثمار. وتتحول الحياة الشخصية، في بعض أنماط الاستخدام، إلى محتوى معروض، فيما يصبح الحضور الرقمي مرتبطاً بمقاييس المشاهدة والتفاعل والانتشار.

وتشير عبارة «الكل في ملكوت الافتراضي طريدة» إلى مفارقة أساسية: فالفضاء الذي يعد بالحرية والانفتاح قد يتحول إلى مجال للمنافسة المستمرة على الانتباه، حيث يجد الفرد نفسه مطالباً بعرض ذاته وتعديل صورتها وفق توقعات الآخرين.

أما استعارة «البوصلة العنكبوتية» فتجمع بين دلالتين: التوجيه من جهة، والتفاعل الشبكي من جهة أخرى. إنها بوصلة لا تكتفي بالإشارة إلى اتجاه محدد، بل تعمل داخل منظومة واسعة من التأثيرات، تجعل السيطرة أقل ارتباطاً بمركز واحد وأكثر انتشاراً عبر علاقات متعددة.

ومع ذلك، ينبغي التعامل بحذر مع ما يوحي به النص من انقلاب شامل في منظومة القيم. فالعالم الرقمي لا ينتج بالضرورة قيماً مناقضة للقيم الاجتماعية والأخلاقية في جميع الأحوال، كما أن الحدود بين الحرية والانحراف، أو بين المحافظة والتغيير، تظل موضوعاً للنقاش الاجتماعي والفلسفي. ومن ثم، فإن قوة النقد لا ينبغي أن ترتبط بإدانة مطلقة لكل تحول، وإنما بقدرته على التمييز بين التحرر الذي يوسع استقلال الفرد، والتحرر المزعوم الذي يخضعه لأشكال جديدة من الاستغلال.

وهذا التمييز مهم لأن الحرية لا تختزل في تجاوز الممنوع، مثلما لا تختزل الأخلاق في الامتثال الأعمى. فالحرية تقتضي وعياً بالاختيار ومسؤولية عن نتائجه، بينما يقتضي النقد الاجتماعي مساءلة الشروط التي تجعل بعض الأفعال مقبولة أو مرفوضة، من دون التسليم التلقائي بالمعايير السائدة أو بالمعايير التي تروجها الشبكات الرقمية.

ومن هنا، فإن «عناكب في الرأس» تضعنا أمام سؤال يتجاوز ثنائية الانفتاح والانغلاق: هل يستطيع الإنسان أن يكون حراً داخل شبكة تصنع له رغباته وتوجه انتباهه، أم أن الحرية تظل مهددة ما لم يمتلك أدوات التفكير النقدي التي تمكنه من مساءلة ما يعرض عليه؟

9.    الهوية في زمن العولمة: من الانتماء المغلق إلى الانفتاح المهدد

يبلغ النص ذروة طرحه الفكري حين يربط بين التحولات التكنولوجية ومأزق الهوية. فالهوية، في التصور الذي يستحضره هذا التحليل، ليست معطى ثابتاً أو جوهراً معزولاً عن التاريخ، بل هي حصيلة مسار طويل من التراكمات اللغوية والثقافية والحضارية والاجتماعية، تتداخل فيه الذاكرة الجماعية مع التجارب الفردية، وتتفاعل فيه المرجعيات الموروثة مع تحولات الحاضر.

ومن ثم، فإن السؤال عن الهوية لا يتعلق بمجرد الحفاظ على مجموعة من الرموز والعادات، وإنما بكيفية استمرار الجماعة في إنتاج معنى لانتمائها، وقدرتها على إعادة تفسير ماضيها والتفاعل مع العالم من دون أن تفقد استقلالها الثقافي.

وتثير العولمة، في هذا السياق، إشكالاً مزدوجاً. فهي تفتح المجال أمام انتقال المعارف والصور والقيم بين المجتمعات، لكنها قد تسهم أيضاً في تعميم أنماط محددة من الاستهلاك والتفكير، وفي فرض نماذج جاهزة للحياة والنجاح والسعادة. وتكمن المفارقة في أن الانفتاح الذي يتيح التعرف على الآخر قد يتحول، في غياب الوعي النقدي، إلى ضغط يدفع نحو التشابه وإلغاء الفوارق.

وإذا كانت الهوية قد تشكلت عبر قرون من التفاعل والتراكم، فإنها لا تستطيع مواجهة هذا التحول بمجرد الانغلاق على الذات. فالانغلاق قد يحول التراث إلى مجموعة من الصور الجامدة، ويمنع الثقافة من تطوير أدواتها للتفاعل مع الأسئلة الجديدة. وفي المقابل، فإن الانفتاح غير النقدي قد يؤدي إلى تبني أنماط جاهزة، من دون فحص خلفياتها أو شروط نشأتها أو مدى ملاءمتها للسياق المحلي.

وهكذا، لا تتمثل المسألة في الاختيار بين هوية مغلقة وعالم منفتح، بل في بناء علاقة نقدية مع العولمة، تسمح باستيعاب منجزاتها من دون التفريط في القدرة على الاختيار، وتتيح تطوير الموروث من دون تحويله إلى عبء يعطل الحاضر.

وفي ضوء ذلك، يمكن فهم شخصية «حائر» باعتبارها ذاتاً فقدت الثقة في بعض مرجعياتها، من دون أن تنجح في بناء مرجعية بديلة متماسكة. فهي لم تعد تجد في الواقع الموروث ما يكفي لإشباع حاجتها إلى المعنى، لكنها لا تستطيع أيضاً الاطمئنان إلى العوالم الافتراضية التي تقدم لها صوراً جذابة عن الحياة.

إنها ذات تعيش بين عالمين: عالم واقعي يثقلها بالتناقضات والإحباطات، وعالم افتراضي يغريها بإمكانات غير محدودة، لكنه لا يضمن لها الخلاص. وبين العالمين تتعرض الهوية للاهتزاز، لا لأنها منفتحة على الآخر فحسب، بل لأنها لم تعد تمتلك، في تجربة الشخصية، أدوات واضحة للتمييز بين الانفتاح المنتج للتجديد والانفتاح الذي ينتهي إلى التبعية.

ومن هنا، تكتسب مساءلة الهوية في المسرحية بعدها النقدي: إنها لا تدعو بالضرورة إلى استعادة ماضٍ مكتمل، وإنما تكشف عن الحاجة إلى بناء وعي قادر على التفاعل مع التحولات، وعلى تحويل الانتماء من مجرد شعور موروث إلى اختيار ثقافي وفكري واعٍ.

10.التجاوز المعطوب: حين يصبح الهروب بديلاً عن التغيير

إن التجاوز المعطوب لا يعني أن كل محاولة للهروب أو الانسحاب عديمة القيمة، بل يشير إلى حالة يصبح فيها تجاوز الواقع منفصلاً عن امتلاك القدرة على تغييره. فالشخصية تغادر شروطها اليومية على مستوى الإحساس أو الخيال، لكنها تظل عاجزة عن بناء بديل عملي يضمن لها استعادة استقلالها.

وهنا تظهر المفارقة المركزية: إن الرغبة في التحرر حاضرة، لكن أدوات تحقيقها غائبة أو غير مكتملة. فـ«حائر» لا يستسلم للواقع من دون مقاومة، وإنما يقاومه بطرائق تنتهي إلى تعميق هشاشته، لأنه لا يستطيع تحويل رفضه إلى مشروع واضح.

ومن هذا المنظور، يمكن فهم العلاقة بين المخدرات والعالم الافتراضي باعتبارها علاقة بين شكلين مختلفين من التعويض. ففي التجربة الأولى، يبحث الفرد عن الانفصال المؤقت عن واقعه عبر تأثير مادي ونفسي مباشر، بينما تمنحه التجربة الثانية إمكان بناء علاقات وصور وفضاءات بديلة. لكن كلا المسارين قد يصبح، في سياق الشخصية، وسيلة لتجنب مواجهة الأسباب التي أنتجت المأزق.

ومع ذلك، فإن النص يتيح قراءة أكثر تعقيداً من مجرد إدانة هذه البدائل؛ إذ يكشف أيضاً عن المسؤولية التي يتحملها الواقع الاجتماعي في إنتاج الحاجة إليها. فالشخصية لا تهرب من عالم خالٍ من المشكلات، بل من واقع تتراكم فيه المفارقات، وتضعف فيه إمكانات المبادرة، وتتحول فيه الطاعة إلى فضيلة اجتماعية.

وبذلك، فإن نقد الهروب ينبغي ألا ينفصل عن نقد الشروط التي تجعل الهروب مغرياً. فلا يمكن مطالبة الفرد بمواجهة الواقع من دون مساءلة البنيات التي تحد من قدرته على المشاركة والتغيير، كما لا يمكن اختزال أزمة الشباب في ضعف الإرادة أو فساد الاختيارات، مع إغفال الأزمات الاجتماعية والثقافية التي تضيق أمامهم مساحات الفعل.

إن الرهان الحقيقي الذي يطرحه النص هو الانتقال من تجاوز تعويضي يخفف الألم إلى تجاوز نقدي يعيد بناء العلاقة بالواقع. فالأول يكتفي بتغيير الإحساس بالمأزق، بينما يسعى الثاني إلى فهم أسبابه وتحديد إمكانات مواجهته.

وهنا تكمن أهمية الشخصية المسرحية بوصفها نموذجاً دالاً: إنها لا تجسد مجرد ضحية للعولمة أو للمخدرات أو للتكنولوجيا، بل تكشف عن التفاعل المركب بين هشاشة الذات، وأعطاب الواقع، وجاذبية البدائل التي تعد بالخلاص من دون أن تضمن

11.خلاصة تركيبية: من العناكب في الرأس إلى استعادة استقلال الذات

تكشف القراءة المتأنية لمسرحية «عناكب في الرأس» أن الطيب الوزاني يشتغل على أكثر من مستوى دلالي، تتقاطع داخله مساءلة السلطة التقليدية، ونقد التنشئة التي تنتج الامتثال، وتشخيص أزمة الذات، واستكشاف تأثيرات التكنولوجيا والعولمة في تشكيل الهوية والقيم.

وتتجسد وحدة هذه المستويات في شخصية «حائر»، التي تتحول من نموذج فردي يعاني التردد والاغتراب إلى مرآة تكشف عن تناقضات مجتمع لم ينجح في التوفيق بين مرجعياته الموروثة وتحولاته الحديثة. فهي شخصية تشعر بضغط الواقع، وتكتشف زيف بعض الصور التي تربت عليها، لكنها لا تمتلك الأدوات الكافية لتحويل هذا الاكتشاف إلى مشروع للتحرر.

ومن هنا، فإن العناكب التي يشير إليها العنوان لا ينبغي فهمها باعتبارها مجرد رمز خارجي للشبكة العنكبوتية، بل يمكن قراءتها أيضاً باعتبارها استعارة للآليات التي تستقر داخل الوعي، وتعيد تشكيل الرغبات والتصورات وأنماط التفكير. فالشبكة لا تظل خارج الذات، وإنما تصبح جزءاً من عالمها الداخلي، حيث تتداخل الصور والمعلومات والإغراءات مع الذاكرة والمعتقدات والتوقعات.

وعلى هذا الأساس، يكتسب عنوان «عناكب في الرأس» قوته الإيحائية؛ فالعناكب لا تحاصر الشخصية من الخارج فحسب، وإنما قد تنسج خيوطها داخل وعيها، بحيث يصبح من الصعب التمييز بين الرغبة الذاتية والرغبة المصنوعة، وبين الاختيار الحر والاستجابة لتأثيرات غير مرئية.

غير أن قوة هذا التصور لا تقتضي التسليم بأن التكنولوجيا تمثل قدراً محتوماً، أو أن العولمة لا تترك مجالاً للمقاومة. فالنص، حتى وهو يشدد على مخاطر الهيمنة، يفتح مجالاً للتفكير في الشروط التي تسمح باستعادة استقلال الذات، وفي إمكان بناء علاقة أكثر وعياً بالعالم الرقمي وبالتحولات الثقافية.

ولعل القيمة النقدية الأهم في المسرحية تكمن في نقل السؤال من مجرد إدانة التحولات إلى مساءلة قدرة الإنسان على فهمها والتعامل معها. فالمشكلة ليست في أن العالم يتغير، وإنما في أن الذات قد تجد نفسها داخل هذا التغير من دون أدوات نقدية تمكنها من التمييز بين ما يوسع حريتها وما يعيد إنتاج تبعيتها.

ومن هذه الزاوية، فإن المخرج لا يكمن في العودة إلى ماضٍ متخيل يخلو من التناقضات، ولا في الانغماس غير النقدي في الحداثة الرقمية، بل في بناء وعي قادر على استيعاب التحولات من دون الذوبان فيها، وعلى مساءلة الموروث من دون التنكر له، وعلى تحويل الانفتاح إلى فرصة للإبداع بدلاً من أن يكون مدخلاً إلى التبعية.

كما أن اختيار المونودراما يمنح هذه الأسئلة بعداً جمالياً خاصاً، لأن تعدد السلطات والخطابات والتناقضات يجد طريقه إلى الخشبة عبر شخصية واحدة، تحمل داخلها آثار عالم متعدد الأصوات. فالوحدة الظاهرة للممثل تقابلها كثافة في العلاقات والصراعات، ويصبح الجسد الفردي مجالاً لتجسيد تناقضات تتجاوز حدود التجربة الشخصية.

وبذلك، لا يعود «حائر» مجرد شخصية عاجزة عن الاختيار، بل يصبح تجسيداً لمأزق الإنسان الذي يريد تجاوز واقعه من دون أن يمتلك دائماً شروط التجاوز. إنه يبحث عن الحرية، لكنه قد يقع في أشكال جديدة من التبعية؛ ويرغب في الانفتاح، لكنه يخشى فقدان هويته؛ ويهرب من عزلة الواقع، لكنه يكتشف أن كثرة الاتصالات لا تكفي وحدها لإنتاج الانتماء.

إن «عناكب في الرأس» نص يطرح، في المحصلة، سؤالاً يتجاوز حدود المسرح إلى سؤال الوجود المعاصر: كيف يستطيع الإنسان أن يستعيد استقلاله في عالم تتكاثر فيه وسائل التأثير، وتتشابك فيه السلطات، وتتغير فيه معايير الانتماء والحرية؟

إن الإجابة التي تلمح إليها المسرحية لا تتمثل في رفض العالم أو الانسحاب منه، وإنما في ضرورة استعادة القدرة على التفكير النقدي، وتحويل الوعي بالمأزق إلى فعل يتجاوز الهروب والتعويض. فالتجاوز الحقيقي لا يتحقق بتغيير الفضاء الذي يتحرك فيه الإنسان وحده، بل بتغيير طبيعة علاقته بهذا الفضاء، وبالشروط التي تحدد اختياراته وتوجه سلوكه.

ومن ثم، فإن السؤال الذي تتركه المسرحية مفتوحاً هو: هل سيظل الإنسان أسيراً للعناكب التي تنسج خيوطها داخل رأسه، أم سيتمكن من تفكيك هذه الخيوط واستعادة حقه في التفكير والاختيار وصناعة المستقبل؟

ذلك هو الرهان الجمالي والفكري الذي يمنح تجربة الطيب الوزاني أهميتها، ويجعل من «عناكب في الرأس» نصاً قابلاً لقراءات تتجاوز حدود اللحظة التي كتب فيها، نحو مساءلة مستمرة للعلاقة بين الذات والسلطة، وبين الهوية والعولمة، وبين إغراء التجاوز وإمكان تحقيقه.

……………………………….

هوامش

[1] ينظر في هذا الصدد الى كتابنا

محمد محبوب “التمسرح وتجلياته في الظواهر الاحتفالية المغربية الحلقةنموذجا “منشورات الهيئة العربية للمسرح بالشارقة الإمارات العربية المتحدة الطبعة الأولى 2021

[2]نفس المرجع ص283

[3] الطيب الوزاني، « عناكب في الرأس » ، مطبعة الحمامة، الطبعة الأولى 2022،تطوان ص52

[4] المسرحية ص59

[5] المسرحية، ص. 59

[6] المسرحية ص. 60

[7] المسرحية ص57

[8] المسرحية ص60

[9] المسرحية ص. 60

10 المسرحية ص.65

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع